جيل «رأفت الهجان».. !

16/11/2016 - 11:26:09

  محمود عبدالعزيز ويوسف شعبان فى الجزء الأول من مسلسل رأفت الهجان محمود عبدالعزيز ويوسف شعبان فى الجزء الأول من مسلسل رأفت الهجان

بقلم: أحمد النجمى

كنا نلتقى كل ليلة.. أنا «وشلة المنيل»، والحقيقة أن عددنا لم يكن كبيرًا بما يكفى لتسميتنا بـ«الشلة».. كان هذا فى أواخر الثمانينيات.. فى ليالى رمضان.. نلتقى بصورة «كودية»، نعم.. فى التليفون - مثلًا - أقول لصديق عمرى (وليد السيد)، الذى لم أعد أعرف أراضيه (اختفى من العالم فجأة قبل ١٥ عامًا): سنلتقى الليلة الساعة ٨ مساءعند (الجوكى).. و«الجوكى» من أشهر محلات «الجيلاتى» فى حينا القديم.. «المنيل».. ! هذا معناه أننا سنلتقى فى الثامنة والنصف عند سينما «فاتن حمامة»! أو أتصل بثالثنا «أسامة الحسينى» - الذى هاجر لأمريكا قبل عشر سنوات! - وأقول له: سألتقى بك فى قهوة «الواحة» الساعة ٧ مساء (وكانت «الواحة» مقهانا المختار آنذاك..)، وهذا يعنى أنا سنلتقى ٨ مساء عند (الجوكى)!.. ولانكتفى من فنون (التخفى) و(الكلمات الكودية) بهذا، فحين نلتقى.. لانتصافح أو يحتضن الواحد منا الآخر.. بل يخطو أحدنا يضع خطوات إلى مكان بعيد نسبيًا، وينظر حوله جيدًا.. ثم يعبر الآخر الطريق إليه، كأننا (تحت المراقبة) !


لم نكن أعضاء فى تنظيمات سرية لنفعل كل هذا، ولم نكن معقدين نفسيًا لنتوهم أننا مراقبون.. كنا فى السادسة عشرة من العمر، طلبة فى «الإبراهيمية الثانوية»، ثلاثتنا من حى الطبقة الوسطى (المنيل)، من أسر ليست غنية لكنها مثقفة، الحكاية أننا كنا جميعًا مفتونين بـ«رأفت الهجان»، مجانين بـ«رأفت الهجان»، مثلنا الأعلى «رأفت الهجان».. ضربتنا سيرته كما تضرب «السيرة الهلالية» البعض من أهلنا فى الصعيد فيجن جنونهم، كانت حلقات «رأفت الهجان» بأجزائها الثلاثة، تحبس المصريين فى البيوت بعد الإفطار الرمضانى، كان الناس يستعيدون من خلالها فكرة(البطل القومى)، أما جيلنا - جيل التسعينيات الأولى) فقد ولد مجروحًا فى وجدانه الوطنى، معظمنا حين شب عن الطوق كانت مصر قد وقعت اتفاق السلام مع إسرائيل، حاولوا تلقيننا - مدرسيًا - أن إسرائيل ليست العدو التاريخى لنا، لكن وجداننا الوطنى والقومى رفض ذلك، ولايزال، وسيبقى رافضًا..!


رأفت الهجان أثار خيالنا.. كما نفتش عن أى معلومة عنه.. تكشف لنا شخصيته الحقيقية، أتذكر أن الصحف نشرت أيامها معلومات وصورًا محدودة فى هذا الاتجاه (بحكم كون العمل الاستخباراتى يتطلب هذه المحدودية فى النشر)، وعرفنا أن اسمه الحقيقى «رفعت الجمال» ورأينا صورة الحقيقية، ورأينا صور زوجته وولده وابنته.. ألححت على والدى رحمه الله - الكاتب والشاعر والأديب الراحل «كمال النجمى» - ليشترى لى أجزاء رواية «رأفت الهجان» الثلاثة التى أبدعها الراحل الفنان «صلاح مرسى»، أتذكر تلك الليلة التى اشترى لى أبى فيها مجلد رأفت الهجان بأجزائه الثلاثة من (مكتبة مدبولى) بميدان «طلعت حرب» فى وسط البلد.. فكانت كنزًا أتباهى به أمام وليد وأسامة!


أتوقف هنا عند (الخيال) فى ملحمة «رأفت الهجان».. فبرغم أن الناس شاهدت صوره الحقيقة وعرفت اسمه الحقيقى - بعد أن أذيعت حلقات الجزء الأول للمسلسل - لكن تمسكت بالأسطورة، التى صنعها الفن.. الرواية بأجزائها الثلاثة، التى وزعت توزيعًا أسطوريًا آنذاك، وقرأتها - عن نفسى، وأنا ابن ١٦ سنة - نحو ست أو سبع مرات متتالية.. والمسلسل الذى لايزال واحدًا من أبرز كلاسيكيات الدراما العربية، و(الحالة المزاجية)، التى صنعها المسلسل والرواية (صدرت بالتزامن مع المسلسل..)، تلك الحالة التى أعادت للمصريينشعورهم بالكرامة، وردت - من كان نسى - إلى أصول الأمور.. وأعادت إسرائيل إلى الخانة الحقيقية لها كعدو تاريخى..!


بقى السؤال الأهم: من الذى صنع كل هذا؟


من صنعه هو «محمود عبدالعزيز»، نعم.. احترق صالح مرسى كتابة، ويحيى العلمى إخراجًا، ويوسف شعبان ومحمد وفيق ويسرا ونبيل الحلفاوى وعشرات من عباقرة التمثيل احترقوا تجسيدًا.. لكن بقى أن من صنع الأسطورة هو «محمود عبدالعزيز»، بوهجه الأخاذ.. بعينيه صاحبتى النظرة العبقرية، بضحكته الأخاذة، بتمثيله المعجز، بحضوره الطاغى، محمود عبدالعزيز صنع معجزات تمثيلية أخرى.. فى «الكيت كات»، صنع معجزة، فى «الساحر» صنع معجزة، لكنه فى «رأفت الهجان» صنع معجزة مزدوجة، فهو فى الكيت كات والساحر صنع معجزتين فنيتين، أما فى «رأفت الهجان» فقد صنع معجزة فنية وأخرى وطنية.


الأمر الذى صنع داخل وجدان شباب جيلنا توقيرًا خاصًا وعشقًا منتظرًا لكيان اسمه المخابرات العامة المصرية، لدرجة أن حلم الغالبية العظمى من هذا الجيل هو الانضمام لبيت جديد اسمه المخابرات، ليكون رأفت هجان جديد، يقدم حياته طواعية ليشترى بها حفنة من تراب بلده.


لقد أشعل محمود عبدالعزيز وعى جيلنا بالكامل.. هذا الجيل الذى تجاوز الأربعين فى السنوات الأخيرة، محمود عبدالعزيز ببساطة لها خطورتها، ومقدرة فنية لها عمق إنسانى أبعد غورًا من المحيطات.. حقق مالم يكن يتصوره أحد، أعتقد أنه حقق مالم يكن يتصوره هو ذاته، لذا.. فإنه حين رحل قبل أيام، هز الجميع، كان موته يشير إلى هذا الإنسان صاحب المعجزات الفنية الإنسانية، يسمونه (الشيخ حسنى) نسبة إلى دوره فى «الكيت كات»، و«منصور» نسبة إلى دوره فى «الساحر».. وأسميه (رأفت الهجان)، الذى أنقذ وعى جيل بالكامل، تجاه عدوه التاريخى.. جيل لايزال مدينًا لمحمود عبدالعزيز بالكثير.. بالكثير جدًا.. فسلام عليه بين عمالقة الفن وأنبل الرجال.. !