الخطة الأمريكية من أجل سوريا (٣)

16/11/2016 - 11:18:51

  جانب من المعركة الدائرة فى سوريا جانب من المعركة الدائرة فى سوريا

العميد: خالد عكاشة مدير المركز الوطني للدراسات الأمنية

الحلقة السابقة من استعراض “خطة سلام من أجل سوريا” والتي أعدتها مؤسسة “راند”، بغرض تقديمها إلى الإدارة الأمريكية كرؤية مقترحة يمكن العمل عليها بتنفيذ معطيات بعينها على الأرض،للوصول إلى حلول تحافظ على المصالح الأمريكية وتصل بالمشهد السوري المأزوم إلى بر آمن من وجهة نظر المؤسسة البحثية، وقد دخلت تلك الخطة إلى مطبخ صناعة القرار الأمريكى حتى يمكن على ضوئها تحديد الأدوار والمهام ذات الصلة، أشرنا في الحلقات السابقة إلى أهمية هذا المركز البحثي لدى المعنيين الأمريكيين بكونه “مركز تفكير”، يسهم بفاعلية في توجيه الخطط الأمريكية التي تتعلق بالقضايا الدولية، فضلا عن واضعى تلك الخطة وقد ذكروا سلفا أيضا، وهم من الشخصيات المرموقة في مضمار الدبلوماسية ومتخصصي شئون الأمن القومي الأمريكى، والذين تم تكليفهم من قبل مؤسسة “راند” للعمل على هذا العنوان وهو ما تم إنجازه في الخطة التي بين أيدينا، في الحلقة السابقة تناولنا الجزء الثاني من خطة السلام، والتي ذهبت في اتجاه ترسيخ التقاسم للأراضى ومناطق النفوذ لكافة أطراف الصراع، فضلا عن اعتماد التواجد العسكرى المتنوع على كافة تلك المناطق التي صاغتها الخرائط، حاول الباحثون وضع رؤية للمشهد السورى الراهن بإمكان تطويره مستقبلا عبر تنويعات الفيدرالية أو الحكم الذاتي وما شابهها من صيغ، لكن تعقيدات وتداخلات مناطق السيطرة العسكرية والصراعات الدائرة ما بين أطرافها، فرضت تحديات لما أسمته الخطة بـ «المناطق الآمنة كأساس للسلام في سوريا»، وقد وضعت بعض تصورات الأممية والتدويل كخيار للتغلب على المأزق العسكرى، وبعد أن فصلت في مصاعبها الأمنية والعسكرية التي أوردناها في الحلقة السابقة، نتناول اليوم مقترحها الرئيسى بشأن كيفية تناول التحديات الدبلوماسية من أجل صناعة تلك المناطق، وهي هكذا جاءت نصا بحروفها في الجزء الثالث من الخطة : ـ


التحدى الدبلوماسى:


وبينما يكون الإتفاق على حل كالذي تطرحه تلك الخطة صعب المنال، فإنه يتوجب العمل عليه آخذين في الاعتبار الأثمان الباهظة للحالة الراهنة، والصعوبة الهائلة للوصول لحل سياسى متكامل في المدى المنظور. وإن إنشاء المجموعة الدولية لدعم سوريا ـ والتي تجمع وزراء خارجية جميع اللاعبين الخارجين المحوريين، ومن ضمنهم وزراء خارجية إيران والسعودية ـ يشكل خطوة أولى مفيدة. وبينما يبقى اللاعبون المحوريون منقسمين بشكل عميق، حول سؤال ما إذا كان «بشار الأسد» مغادرا وكيف ومتى، إلا أنهم على الأقل اتفقوا على مناقشة وقف ممكن لإطلاق النار، وعملية سياسية ستؤدى أخيرا إلى دستور جديد وانتخابات. وفقط عبر الاعتراف بالأثمان الباهظة للحالة الراهنة واستشراف خيارات أقل حدة من تلك الأهداف المتطرفة المستحيلة التحقق، بإمكان الأطراف أن يتفقوا على طريقة لإنهاء الحرب .


ولكن المجموعة الدولية لداعمى سوريا لا تشكل عاملا كافيا هنا، نظرا لاستحالة إنجاح اتفاقية مفصلة بين أكثر من ٢٠ مشاركا حول طاولة واحدة، ولذا فعلى الولايات المتحدة أن تبادر بمناقشات ثنائية سرية، ومن ضمنها مناقشات مع روسيا ومع شركاء أمريكا الأساسيين مثل تركيا والسعودية. وسيكون هدف النقاش مع روسيا، التي أصبحت الآن أكثر مركزية مع تزايد دورها العسكري في سوريا، هو استكشاف مقايضة ما للتأكيد لموسكو بأن نظام الأسد لن ينهار (وهذا هدف روسى محورى) مقابل وقف لإطلاق النار بين النظام والمعارضة والحملة المشتركة ضد داعش. وإن استمرت روسيا في تعنتها ومساعدة النظام وقصف جميع فصائل المعارضة من دون تفريق فإن الولايات المتحدة والآخرين سيستمرون في دعم مقاتلى المعارضة، وستستمر الحرب وستنفر روسيا العالم السنى وتصبح هدفا متناميا للإرهابيين، كما أوضحنا عبر تفجير الطائرة الروسية في ٣١ أكتوبر فوق صحراء سيناء. وبالفعل فإن توسعة الدعم الأمريكى للمعارضة السنية بشكل يسمح لهم بالصمود أمام هجمات النظام المدعوم من روسيا، قد يكون إنذارا جيدا لضمان تأييد روسيا لهذا المسار. ولكن إن أرادت موسكو بأن تضغط من أجل إحداث تغيير داخل سياسة دمشق ـ ومن ضمنها دعم وقف لإطلاق النار، واعتراف بالحكم الذاتى للمعارضة في بعض المناطق المفترحة هنا ـ فإن تحقيق اتفاقية دبلوماسية بشكل عاجل يصبح ممكنا. ونتيجة كهذه ستكون أكثر تفضيلا وأكثر قابلية للحدوث، من تعزيز قوة المعارضة التفاوضية المكلفة وغير الواضحة، في أمل نيل رضا روسيا للتخلص من «بشار الأسد». واتفاقية على هذا النسق بين الولايات المتحدة وروسيا ستكون أساسا صلبا لإقناع بقية الدول .


وتعد السعودية من أصعب من يجب إقناعهم هنا. فالرياض ملتزمة بقوة بإسقاط الأسد، ومما يعزز هذا الالتزام التنافس المتزايد بين السعودية وإيران ـ الداعم الأساسي للأسد ـ، وفي الوقت الراهن فإن السعودية لا تقبل بخطة ملموسة وقصيرة المدى لرحيل الأسد. ويصر الممثلون السعوديون على أن البديل لحل سياسى مقبول هو (الحل العسكرى) أي الإسقاط العنيف للأسد والقضاء على النفوذ الإيراني. وبما أنها غير متأثرة بشكل كبير بأزمة اللاجئين،عدا عن كونها دولة ثرية بشكل كاف للاستمرار في القتال طالما كان ذلك ضروريا لاستنزاف أو تحييد إيران. لذلك على الولايات المتحدة أن تقنع الرياض بأن هذا سيكون وصفة لمستنقع مكلف، مع تزايد التطرف في المنطقة وخارجها. وقد تكون الولايات المتحدة قادرة على نيل تأييد الدول العربية السنية المقتنعة حاليا بوجوب وقف الحرب وحماية السكان السنة، ومنها الأردن ومصر والإمارات العربية المتحدة. وعلى واشنطن أن توضح للرياض بشكل قاطع أن الولايات المتحدة بينما تعمل على وقف القتال، وحماية السنة، وقتال داعش، واحتواء إيران، لن تكون طرفا في تصعيد عسكري ينتقص من جميع تلك المصالح من أجل هدف الإطاحة بالأسد والقضاء على النفوذ الإيرانى في سوريا، والذى قبل كل شئ سبق وجود هذه الحرب بعقود عديدة .


وستكون تركيا صعبة الإقناع أيضا. فمثل السعودية، تركيا ملتزمة بالإطاحة بالأسد الذي تلومه في الدفع بمليوني لاجئ سورى إلى أراضيها، عدا عن تحريض صعود داعش وتوفير الظروف للأكراد بإقامة كيان في سوريا. وسياسة أنقرة كانت إذا دعم أي مجموعة كانت قادرة على إزاحة الأسد. فكانت النتيجة النمو الكارثى لعدد المتطرفين والمناخ المتسامح مع المقاتلين الأجانب ليعبروا الحدود من تركيا إلى سوريا. ويجب أن يتم إقناع أنقرة بأن القوة الكردية والاستقلال في سوريا سيزداد فقط في حال استمرت الحرب، وأن كيانا ذا حكم ذاتى ـ وليس دولة ـ للأكراد السوريين قد يكون شريكا لتركيا كما هو الحال مع أكراد العراق. وبالنسبة للسعودية، فإن عاملا حاسما لدفع الأتراك للقيام بهذه الخطوة هو العلم بأن الولايات المتحدة لن تطيل أمد الحرب من أجل إسقاط الأسد، أو منع قيام كيان كردى إقليمى لو كان هناك فرصة واقعية لإنهائها على الأساس المطروح هنا.


اعتراضات متوقعة


الرافضون لهذا المقترح، سيهاجمونه على عدة أصعدة. فمن ناحية، هناك من يقول إن تقسيم سوريا إلى المناطق المتفق عليها قد يؤدى إلى إبادة الأقليات الإثنية والطائفية الموجودة فيها. وكاتبوا هذا الخطة لا يقللون من إمكانية حدوث قتال مجتمعى قبل أو أثناء تطبيق هذه الخطة ولكن، هذه الإمكانية يجب أن توضع على الميزان مقابل المذبحة الحتمية التي تحدث الآن والتى لا نرى لنهايتها أفقا، عدا عن التبعات السياسية والجيوسياسية المدمرة. وإضافة لذلك، هذه الخطة ستتضمن ضامنين خارجيين لمراقبة وتنفيذ وقف إطلاق النار، والذين سيقومون بدور في ردع القتل الانتقامى أكبر من الذي يجرى حاليا. وحتما إن إطالة أمد الصراع الحالى يجعل من غير الممكن تفادى تقسيم سوريا الحالى، بل إنه فى الحقيقة سيقود لانقسام أكبر ولتطهير عرقي أوسع.


وانتقاد آخر هو على أساس أخلاقى بحيث لا يقبل بأقل من رحيل الأسد الفوري بناء على أعماله بحق شعب سورية. والأسد هو ديكتاتور دموى يجب أن يواجه العدالة، وإن كان هناك طريقة عملية تضمن إزاحته عن السلطة وأن سوريا ستحكم بشكل عادل وشامل بعد رحيله، إلا أن هذا الخيار لا يتواجد في العالم الحقيقى. أربع سنوات من تصاعد العمل العسكرى وعزل سوريا لم تفلح في دفع سوريا وإيران لإزاحة الأسد عن السلطة وإنما زادت في مضاعفة دفاعاته. وهناك القليل من المنطق لتصديق أن بعض الدعم المتواضع للمعارضة على شكل أسلحة أو حظر للطيران سيغير من تلك الحقيقة . لذلك يبقى السؤال الحقيقى هو: هل بالإمكان تحقيق وقف لإطلاق النار على الأساس المطروح هنا؟ فالأسد المدعوم بقوة من روسيا وإيران يشعر أنه يمتلك الكثيرمن الوقت لسحق المعارضة وتدميرها، وفي نفس الوقت فإن قوى المعارضة وداعميها لديهم نفس التصميم للقتال من أجل تحقيق أهداف شمولية ومتطرفة، وهى هنا تدمير النظام.


ولكن الحقيقة أنه لم تطرح أمام الأطراف أي خطة جديدة لوقف إطلاق النار على الأساس المطروح هنا. فإن تقديم الضمان للأسد بأن نظامه سيستمر في حكم (دمشق والساحل الغربي) قد يكون كافيا لإقناعه وحلفائه بأن وقف القتال في مصلحتهم، وليس في إطالة أمد الصراع الباهظ الثمن والذي لا يمكن التنبؤ بنهايته، أما بالنسبة للمعارضة وداعميها فلم يتم تقديم مقترح كهذا لهم: وقف إطلاق للنار يوقف أخيرا هجمات الأسد وبراميله المتفجرة، ومنحهم حكما ذاتيا محليا مدعوما من المجتمع الدولي ومقبولا من النظام فى الأراضى التي يحكمونها حاليا، وتوصيل المساعدات الإنسانية للسكان المحاصرين وتحرير الأسرى، وعملية متفقة ستنتهى بتشكيل هيكل سياسى لسوريا قد يفتح طريقا للذهاب إلى ما بعد الأسد.


وانتقاد ثالث هو حول عدم وجود احتمال حقيقي لوجود إرادة سياسية من قبل الأطراف الخارجية الأساسية أن يكونوا حماة للمناطق الآمنة. وسيتضمن هذا المقترح بعد كل ذلك: وجود قوات أمريكية تعمل في المناطق الكردية، ومزيج من قوات تركية وأردنية تضمن أن العرب السنة المعارضين لن يجددوا الهجمات على دمشق وحمص، وأن روسيا وإيران ستضمنان أن تمنعا النظام من محاولة غزو حلب ودرعا والمناطق الأخرى التي ستكون تحت حكم العرب السنة، والتعاون مع تلك الحكومات الخارجية لن يكون سهلا ولكنه سيكون أكثر عقلانية من التعاون مع وكلائهم على الأرض، ونحن نؤمن بأن البدائل قصيرة المدى هي السلام الفوضوى والهش، أو استمرار الحرب لمدى غير معلوم من المستقبل، ومن سيزعم أن هذا المقترح يمكن رفضه فعليه أن يشرح كيف أن إطالة أمد الحرب أفضل .


لا أحد يمكنه التظاهر بأن هناك حلا في سوريا من دون أخطار وأثمان هائلة. ولكن كما صرح الرئيس باراك أوباما مؤخرا بأنه من غير المجدى أن نطرح «أفكارا غير ناضجة كما وكأنها حلول»، وبدلا من ذلك دعا المنتقدين «أن يقولوا بالتفصيل والدقة ما كانوا سيفعلون وكيف كانوا سيفعلون ذلك»، وهذا المقترح هو محاولة للقيام بذلك تحديدا. هو ليس خاليا من التحديات، أو السلبيات أو المخاطر، ولكننا نؤمن بأنه أفضل بكثير من الحالة الراهنة وأكثر عملية من أى بدائل متاحة.


انتهت هنا الدراسة الأولية.. التي كلفت مؤسسة “ راند “ بإعدادها لوضع خريطة طريق يمكن للإدارة الأمريكية السير وفق مقترحاتها، وقد اقتنعت الإدارة بتلك الخطة بالفعل، وعملت عليها منذ استلامها من المؤسسة في بداية العام ٢٠١٦م وهناك العديد من الشواهد العملية التي تابعنا فيها أركان الإدارة الأمريكية وهي تنفذ بنود تلك الخطة، أشهرها بالطبع السعى المكثف لمحاولة فرض وقفا لإطلاق النار ومنه يتم الانطلاق لتنفيذ باقي بنود ورؤى الخطة، لكن المشهد على الساحة السورية لم يكن استاتيكيا ينتظر قدرة الولايات المتحدة في إقناع وتسويق تلك الرؤى لدى الأطراف الحاضرة على الأرض، والممسكة بأطراف أخرى للمشهد ربما بأكثر قدرة من الولايات المتحدة نفسها، ولذلك طلبت الإدارة الأمريكية في منتصف العام الجارى (يوليو ٢٠١٦م) من مؤسسة “راند”، أن تجري عملية تقييم للخطة مقارنة بالأوضاع التي استجدت على الأرض في تفاصيل الصراع ومستجداته، وأن تجري عملية تنقيح أو إضافة ضرورية لضمان الاستمرار في العمل وفق أركان تلك الخطة وهو ما قامت المؤسسة بإعداده وتقديمه بالفعل.