الفقراء لهم الله

16/11/2016 - 11:01:51

  عبد اللطيف حامد عبد اللطيف حامد

بقلم - عبداللطيف حامد

كالصاعقة تنزل خطوات الإصلاح الاقتصادى على رؤوس الفقراء ومحدودى الدخل، كان الله فى عونهم، فهم لا يلحقون أن يأخذوا نفسهم أو يستوعبوا قرار حتى يفاجأوا بآخر أشد قسوة، الغلابة يضربون أخماسا بأسداس، ويبيتون الليل فى أرق يحسبون ثم يعيدون الحسبة بالورقة والقلم بحثا عن الستر، ورعبا من تراكم الديون سلفا أو أقساطا أو جمعيات أو قروضا.


قطار الإصلاح يدهس البسطاء فى طريقه بداية من قانون الخدمة المدنية، الذى أوقف العلاوة السنوية عند ٧ فى المائة مؤجلة منذ شهر يوليو الماضى، بينما كانت تصل إلى ١٠ فى المائة وأحيانا ١٥ فى المائة، الناس يفرق معها الجنيه الواحد، ورغم قبولهم للقانون على مضض، وحتى لا توجه إليهم تهمة تعطيل إصلاح حال الجهاز الإدارى للدولة، ومنع محاربة الفساد إلا أنهم لم يشعروا بأى تغيير فى منظومة العمل، أما عن الفساد فحدث ولا حرج، والفاسدون لا يعدمون الحيل والألاعيب، والغاية تبرر الوسيلة، ثم المحطة الثانية تحمل لافتة قانون القيمة المضافة لترتفع الضريبة من ١٠ فى المائة إلى ١٤ فى المائة، وبحلول النصف الثانى من ٢٠١٧ ستصل إلى ٢٢ فى المائة، وطبعا التجار رفعوا الأسعار دون انتظار لقانون أو لائحة داخلية، والمواطنون يدفعون الثمن خصوصًا فى غياب الرقابة المحكمة، تخيلوا حتى الأدوية والمحاليل الطبية تباع فى السوق السوداء بخمسة أضعاف ثمنها، ووعود وزارة الصحة بحل الأزمة ذهبت أدراج الرياح فما بالك بالسلع الغذائية.


وجاءت فاجعة تعويم الجنيه كالطامة الكبرى، التى أفقدت الفقراء صوابهم، وامتد شررها إلى متوسطى الحال، صحيح أن سعر الدولار أبو ١٨ جنيها سمع فى الأسواق، وزاد من معدل التضخم لكن التعويم جعل الأمر طويل الأجل، وشد الحزام على البطون فرضًا لا سنة ولا تطوعًا، فالجنيه انخفضت قيمته إلى النصف بالإضافة إلى ارتفاع فى كل الاحتياجات سواء سلعا أو خدمات، فى حين أن الأجور ثابتة، بل تراجعت بحكم وقف الحوافز والمكافآت إلا للمقربين والشلة فى معظم الجهات حتى فى القطاع الخاص، وطبعا المدخرات القليلة لزوم الظروف الصعبة كالمرض أو تزويج البنت أو حتى الكفن والخارجة نزل عليها التخفيض فلم تعد تسد فى أزمة ولا تنجد فى مصيبة، والغلابة يتحصنون بالصبر عسى أن ينالوا الآخرة إذا هربت منهم الدنيا بغلائها.


الحكومة قلبها كحجر صوان لا يرق، وكجبل لا يتصدع رأفة بظروف الناس، فلا تتركهم يفيقون من الصدمة فتسارع بليل بعد ساعات قليلة من التعويم إلى رفع أسعار الوقود ليكون رابع محطات الإصلاح المأمول، وما أدراك ما توابعه على كل سلعة أو خدمة، وربنا يسلم العواقب.


وهنا لابد أن تقدر الحكومة قبل الخطو موضعها، ولا تتحرك فى أى اتجاه لتحميل المواطنين الفقراء عبئا جديدا مهما تفلسف دعاة الإصلاح الاقتصادى حتى لا ينفلت العيار، فهم لا يطيقون، ويكلمون أنفسهم فى الشوارع، ويهلوثون نياما خوفا من جراب الإصلاح بثعابينه وأفاعيه المميتة، وعلى الحكومة البحث أولا عن برامج الحماية الاجتماعية لمساندة ودعم محدودى الدخل والفئات الفقيرة والمهمشة، حتى يستطيعوا مواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة، ويجب أن تكافئ الغلابة على عضهم بالنواجذ على تماسك الوطن، وعدم الانسياق وراء دعوات الفوضى، وتمسكهم بالأمل فى الإصلاح بجد، وفى الوقت نفسه نحتاج شفافية كاملة فى عرض رؤية الإصلاح ليعلم المصريون الجدول الزمنى له، فلن يعطى المواطنون شيكا على بياض للمسئولين مهما كانت الشعارات، ولن يصمتوا كثيرا على ضيق الحال، وموجات الغلاء، وندرة المتطلبات إلا إذا كان الطريق واضح المعالم، والإشارات تسلم بعضها بعضا، فلا ندخل فى حارة سد ولا طريق مقطوع.


نريد من السادة المسئولين أن يكشفوا لنا مدى التحسن فى المعيشة خلال فترة محددة ومعلومة، وماذا سيكون حال التعليم فى مصر، فلا يعقل أن يستمر التراجع والتدهور الحاصل، وينطبق نفس الأمر على منظومة الصحة، التى تجلب المرض أكثر من الشفاء، وما خطة علاج البطالة لأن الأسر لم تعد قادرة على تدبير نفقات الضروريات من مأكل ومشرب وملبس، ولا مكان لمصروف الجيب لأبنائهم الواقفين فى طابور العاطلين، وطالما الحكومة عازمة على المضى فى سياسة الإصلاح دون رحمة أو شفقة بأحد فعليها أن تلزم نفسها بالواجبات المطلوب منها كما هو الحال فى بلاد الله.. والله أعلم.