قوامة الرجل على المرأة

16/11/2016 - 10:40:18

  د عباس شومان د عباس شومان

بقلم: أ.د. عباس شومان وكيل الأزهر الشريف

يفهم كثير من الناس معنى القوامة التي جعلها الله للرجال على النساء فهمًا خاطئًا؛ حيث يفسرونها بما يرضي نزعتهم الذكورية التي تجنح إلى التميز والتسلط وعلو المكانة على الأنثى، ولترسيخ هذا الفهم يولع بعض الناس بالاستشهاد بنصوص من القرآن والسنة بعد تفسيرها تفسيرًا يدلل على هذا التميز والتسلط للرجال على النساء، وكأن قرآننا لم يأتِ إلا بالنصوص الذكورية، وكأن سنتنا النبوية خلت من أحاديث تنصف المرأة من قهر الرجال وتسلطهم! وللأسف الشديد يسلك كثير ممن يعملون بالحقل الدعوي هذا المسلك؛ حيث يولعون بالحديث عن حقوق الرجال على النساء، ووجوب طاعة الزوجات للأزواج؛ فالزوجة في نظر بعضهم حبيسة في بيت زوجها لا تقترب من عتبة بابه إلا بعد حصولها على الإذن ولو كان غائبًا، ولا تسافر إلا معه ولو كان بإذنه أو مع ولي لها ممن يحرم عليها الزواج به على سبيل التأبيد كالأب والأخ والابن والعم والخال.


وعليها أن تطيعه طاعة مطلقة فيما يأمرها، فإن أرادها في فراشه فعليها أن تلبي وإلا باتت تلعنها الملائكة حتى تصبح، من غير إشارة ولا اعتبار لاستعدادها النفسي والبدني، وعليها أن تصبر عليه ولو كان لا يطاق، وأنها إن ماتت وزوجها راضٍ عنها كان ذلك كافيًا لدخولها الجنة، وإلا فهي محرومة من القرب منها... وغير ذلك من الأمور الناتجة عن تفسير خاطئ للنصوص يلبي النزعة الذكورية عند بعض الناس!


وهذا الخطاب الذي يخلط الحق بالباطل يفسد ما فيه من الحق ويورث مرارة تتجرعها النساء وتخشى إن أفصحت عنها أن تدخل في دائرة اللعن والطرد من رحمة الله لتبرُّمها من أحكام ما أنزل الله بها من سلطان، فتسلم أمرها لله وتجتهد في إرضاء (سي السيد)، فما عليه إلا أن يأمر فيطاع ولو كان بما لا يطاق، ويبقى شعور المرأة بالدونية والنقص واستعلاء الرجل عليها مكتومًا مكبوتًا، حتى إن بعض النساء يحاولن التأقلم على هذا الوضع وإن كانت حياتهن لا تستقيم معه! وفي المقابل لا نجد خطابًا موازيًا - إلا ما ندر - يحذر الرجل من ظلم المرأة وقهرها وعدم احترام آدميتها والوفاء بحقوقها في حسن العشرة والنفقة والرعاية والحماية، وكأن النصوص الآمرة للرجال بالوفاء بالحقوق وحسن الصحبة مفقودة في كتاب الله وسنة رسوله، وكأنه لم يُنقل لنا ما يصعب حصره من أفعال رسولنا الكريم – صلى الله عليه وسلم - وصحبه الكرام – رضي الله عنهم – فيما يتعلق بإكرام المرأة وتقديرها ورعايتها أمًّا وزوجة وابنة وعمة وخالة وأجنبية لا تمت لمكرمها بصلة!


ومن أبرز النصوص التي يولع هؤلاء بالاستشهاد بها لرفع الرجال وخفض النساء ولا سيما الزوجات، قول الله تعالى: «الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ»؛ حيث يزعم هؤلاء أن الآية تنص صراحة على تفضيل الرجال على النساء، وهذا هو معنى القوامة في نظرهم، ولست أدري من أين جاء هؤلاء بهذا الفهم وهذه الإضافة على المعنى اللغوي للقوامة الذي نجده واضحًا في قواميس اللغة؛ حيث إن القوامة في اللغة تعني القيام على شأن الآخر ورعايته وليس التسلط عليه وقهره، وهو ذات المعنى الذي نجده عند أهل الذكر من المفسرين؛ حيث يقول ابن عربي في تفسير هذه الآية: «قوله: (قَوَّامُونَ)، والمعنى: هو أمين عليها، يتولى أمرها ويصلحها في حالها، قاله ابن عباس، وعليها له الطاعة... وعليه - أي الزوج - أن يبذل المهر والنفقة ويحسن العشرة، ويحميها ويأمرها بطاعة الله تعالى، ويرغِّب إليها شعائر الإسلام من صلاة وصيام، وعليها الحفاظ على ماله، والإحسان إلى أهله وقبول قوله في الطاعات»، ويقول الزمخشري: «وفي الآية دليل على أن الولاية تستحق بالفضل لا بالتغلب والاستطالة والقهر»، فكيف حوَّل بعض الرجال هذا المعنى الذي يعني مسئولية الرجل عن المرأة وحمايته لها مع ما في ذلك من إسعاد لها، إلى ما يرضي أهواء كثير منهم ويكدر على المرأة حياتها ويورثها آلامًا نفسية تخشى إن أفصحت عنها معصية ربها وتبرُّمها من أحكام شريعته؟! ألم يقرأ هؤلاء يومًا قول الله تعالى: «وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ»؟! كيف إذًا يسلط الشرع الرجل على المرأة المخلوقة منه لتكون سكنًا له ومصدرًا للمودة والرحمة التي تقتضي المماثلة منه أيضًا؟! ألم يقف هؤلاء على بعض مواقف الهادي البشير في إكرام نسائه أحياء وأمواتًا؛ حيث وصله - صلى الله عليه وسلم - لصديقات زوجته خديجة - رضي الله عنها - بعد وفاتها برًّا لها؟! ألم يسمعوا يومًا قول رسولنا الكريم: «استوصوا بالنساء خيرًا»، وقوله: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»، وقوله: «إن الله سائل كل راع عما استرعاه أحفظ ذلك أم ضيَّع، حتى يسأل الرجل عن أهل بيته»، وقوله: «إنك مهما أنفقت على أهلك من نفقة فإنك تؤجر، حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك»?! ألم يعلموا أن وصية الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالنساء كانت من آخر وصاياه؟!


وعلى ذلك، فإن الزعم بأن القوامة تعني تفضيل الرجال على النساء واتخاذ ذلك ذريعة للتسلط عليهن وقهرهن هو من بدع العقول الباحثة عن مبرر يرضي نزعتها الذكورية؛ فقوله تعالى: «بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ»، لا يعدو كونه تحميلًا للرجال مسئولياتهم تجاه النساء؛ حيث جعل الله الرجال أقدر على مواجهة مشكلات الحياة اليومية وأكثر جلدًا على التكسب، وما يناسب مروءتهم هو البذل والإنفاق على النساء وليس العكس، ولذا كان من الملائم أن يتصدر هو بيته ويصدر قراراته إلى مجتمعه الخارجي بعد مشاورة من فيه بمن فيهم زوجته بطبيعة الحال التي قد تقترح عليه رأيًا أصوب من رأيه، وإن كان السائد عرفًا أن تكريم المرأة يقتضي تجنيبها مواجهة مجتمعها بأمور بيتها ليتولاها زوجها أو وليها. وإن كانت القوامة تحمل الرجل مسئولياته تجاه المرأة، فإنها حملت المرأة أيضًا مسئوليات منها تربية أولادها ورعاية بيتها وحفظ كرامة زوجها. ومن ثم، فإن القوامة لا تعني بحال رفعًا للرجال وخفضًا للنساء، وإنما جعلت القوامة لكل من الرجل والمرأة بما يناسب طبيعته وقدرته وما يُسِّر له وجُبِل عليه، ولعل هذا هو سر التعبير بقوله تعالى: «بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ»؛ حيث تصلح للطرفين، ولو كان المراد تفضيل الرجال فقط لقال: بما فضلهم على النساء، أو بما فضل الرجال على النساء، أو نحو ذلك. وإذا كان الرجال يظنون أن القوامة حق لهم على نسائهم، فليعلموا أن لنسائهم عليهم حقوقًا أيضًا؛ فعلى الزوج أن يسترضي زوجته قبل سفره وإلا كان عاصيًا إن كانت تتضرر بذلك، وعليه أن يلبي حاجتها للفراش إن أرادته، فإن امتنع من غير علة كان كما لو امتنعت هي عنه من دون علة، فالطاعة متبادلة بينهما وليست خالصة للرجال دون النساء، فيا أيها الرجال أظهروا محاسن دينكم تنعموا بمودة نسائكم وتستقر الحياة بينكم.