صناع الفن السابع أكدوا علي أهمية الدعم بشرط وضع آليات محددة لتنفيذه .. صندوق السينما بـ 150 مليون جنيه قبلة الحياة الأخيرة لإنقاذ الصناعة

14/11/2016 - 10:12:40

تحقيق: عمرو والي

تظل العلاقة بين الدولة والإنتاج السينمائي مثاراً للجدل ، من حين لآخر تطفو قضية دعم الدولة للسينما على السطح، وسط مطالب باستعادة دورها وتأثيرها الحيوي فى تشكيل وجدان المواطنين، وجاءت القرارات الحكومية الأخيرة التي أصدرها رئيس مجلس الوزراء المهندس شريف إسماعيل بشأن رفع الدعم المقدم للسينما إلى 50 مليون جنيه، وإعداد مشروع قانون لإنشاء صندوق دعم صناعة السينما بميزانية 150 مليون جنيه، بحسب ما أعلن وزير الثقافة حلمي النمنم، ليثير التساؤلات حول مدى قدرة هذه الخطوات على إنهاء أزمة السينما التي تعاني الكثير من المشكلات، لاسيما مع عقد الاجتماعات بين القائمين علي الصناعة والدولة والخروج بتوصيات دون تفعيلها علي أرض الواقع، بالإضافة إلى المعوقات التي واجهت منظومة الدعم السابقة ... «الكواكب» طرحت التساؤل على عدد من المتخصصين، الذين أعلنوا ترحيبهم بتلك الخطوات من الدولة، معربين عن آمالهم فى تخطي كل السلبيات السابقة، من خلال هذا التحقيق..
اجتماعات وتوصيات
خلال 3 سنوات عقد الكثير من الاجتماعات، وإنشئ عدد من اللجان من أجل بحث إنقاذ صناعة السينما، لاسيما قضية الدعم، وتأتى فى المقدمة دعوة نقابة السينمائيين فى 17 سبتمبر عام 2013 بعد اجتماعها مع كل من جبهة الإبداع وغرفة صناعة السينما والسينمائيين المستقلين مع وزير الثقافة آنذاك، حيث دعت النقابة الجميع لحضور مؤتمر عام لإنقاذ صناعة السينما المصرية لمناقشة مشكلات الصناعة المتعلقة بآليات الإنتاج والتوزيع والقوانين والقرارات الوزارية التى تحكم صناعة السينما، والعراقيل التي تحول دون تطويرها وحقوق الملكية الفكرية والقرصنة والتصوير فى الأماكن الحكومية، وبالفعل تم الاجتماع برئاسة د. زياد أحمد بهاء الدين نائب رئيس الوزراء ووزير التعاون الدولى آنذاك بتكليف من د. حازم الببلاوى رئيس الوزراء الأسبق، وبعضوية 8 وزراء مع صناع السينما وخرجوا بعدة توصيات.
وفي 10 مارس 2014 أصدر المهندس إبراهيم محلب، رئيس مجلس الوزراء السابق، قرارًا بتشكيل لجنة وزارية لصناعة السينما برئاسته.نص القرار الذي نشر بالجريدة الرسمية، على أن تضم اللجنة في عضويتها وزراء «التجارة والصناعة، والاستثمار، والآثار، والثقافة، والتخطيط والتعاون الدولي، والإعلام، والمالية»، فضلا عن ممثل عن وزارة الدفاع وآخر من غرفة صناعة السينما. كما نص القرار، على أن يكون وزيرالثقافة مقررًا للجنة، لتخرج هي الأخرى بعدد من التوصيات.
وفى 5 فبراير 2015 اجتمعت الدكتورة فايزة أبو النجا مستشارة الرئيس لشئون الأمن القومى وقتها بعدد من السينمائيين وهم: يسرا وإلهام شاهين والكاتب الكبير وحيد حامد والمنتج صفوت غطاس، والفنانة سميرة أحمد والمنتجون كامل أبو على وفاروق صبرى رئيس غرفة صناعة السينما، وجابى خورى ومحمد العدل وإسعاد يونس، ودكتور خالد عبد الجليل، ممثلا عن وزارة الثقافة، والمخرج داود عبد السيد، والمخرج خالد يوسف، وأحلام يونس رئيس أكاديمية الفنون، وتم شرح الجوانب الكاملة لأبرز المشكلات السينمائية وطرق حلها، واستمر الاجتماع لأكثر من 4 ساعات وانتهى الاجتماع إلي توصيات مكونة من 19 مقترحا تلخص الحلول الكاملة لأزمة صناعة السينما لكن أيضا دون جدوى.
ومع قدوم رئيس الوزراء الحالي شريف إسماعيل، أمر بتشكيل لجنة لبحث جوانب أزمة صناعة السينما إلى أن أصدر فى يوليو من العام الجاري قراراً شمل حزمة إجراءات للنهوض بصناعة السينما تضمنت رفع الدعم الموجه لصناعة السينما من 20 مليون جنيه إلى 50 مليون جنيه سنويا، وذلك وفقا ضوابط سليمة للإنفاق منه لتحقيق الغرض من تخصيصه، كما تم تكليف نائب وزير المالية لشئون الخزانة العامة، ببحث وضع فترة زمنية مناسبة بين تخصيص مبلغ الدعم وبين إجراءات تسويته، وأن يتولى وزير الثقافة بالتنسيق مع وزير العدل إعداد مشروع القانون اللازم لإنشاء صندوق دعم صناعة السينما في مصر، وعرضه على لجنة صناعة السينما لمراجعته تمهيدا لعرضه على مجلس الوزراء لاتخاذ إجراءات استصداره، وآليات تمويله، وهو ما أعلن عنه وزير الثقافة الحالي حلمي النمنم أخيراً.
حلول جذرية
ومن جانبه يؤكد المنتج السينمائي، محمد العدل، أن تحرك الدولة لدعم السينما يجب ألا يقتصر علي فكرة إنشاء صندوق أو رفع قيمة الدعم وإنما عبر قرارات من شأنها تطوير الصناعة بشكل عام، لاسيما وأن هناك الكثير من الاجتماعات والمناقشات الخاصة باللجان الوزارية والتي عقدت لبحث أزمات صناعة السينما فى مصر ولم تصل إلى أي تفعيل علي الأرض، لتبقي آلية التنفيذ بشكل سريع هي الفيصل لدفع السينما إلى الأمام.
ويضيف العدل أنه من الواجب وضع حلول جذرية للكثير من المشكلات التي تم مناقشتها مراراً وتكراراً ومنها استغلال الصلاحيات القانونية لمحاربة القرصنة والتصدي لها وتشديد العقوبة القانونية عليها، بالإضافة إلى وضع شرائح ضريبية تناسب طبيعة كل عمل فني، والمساهمة في إعادة الشركات التي تعرض أصحابها لخسائر في السنوات الماضية، بسبب الضغوط والمعوقات الكثيرة الخاصة بالضرائب وارتفاع اسعار المستلزمات الخاصة بالصناعة.
وأكد العدل أهمية إعادة النظر فى اللائحة الخاصة بالدعم، حيث إنها الآن لا تراعي طبيعة العمل السينمائي أو ظروفه، فتنفيذ الفيلم قد يحتاج لأكثر من عام وعليه يجب التحرر من الأسلوب الروتيني خاصة مع الإبداع والفن، وألا تتعامل الدولة مثل المستخلص، وتلزم الشخص بصرف الدعم خلال سنة وإلا يعود مرة أخرى للدولة، مطالبًا بضرورة المحاسبة بعد 5 سنوات على الأقل. كذلك التشجيع علي التصوير فى الأماكن السياحية ودعوة السينما العالمية للتصوير في مصر ستكون له انعكاسات إيجابية علي مصر من كافة الجوانب.
ملفات متراكمة
ويرى نقيب السينمائيين مسعد فودة، إن اطلاق صندوق لدعم السينما أمر إيجابي وخطوة هامة للغاية، جاءت نتاج لتحرك العديد من المؤسسات إلى جانب خبرات سينمائية كان لها دور هام فى الصناعة، حيث تم تقديم الكثير من الدراسات المتعمقة بشأن مشكلات السينما لإعداد ملف واف بفكر مستنير بعد سلسلة متواصلة من المناقشات والاجتماعات والمداولات، وتبادل الأفكار.
ودعا فودة إلى توجيه جزء من الدعم لإعادة إحياء وتطوير مؤسسات صناعة السينما التى كانت أحد الأسباب الرئيسية لنهضة السينما فى الخمسينيات والستينيات فى القرن الماضى والتى أصيبت بالشلل، لافتا إلى أن أهمية وضع لائحة واضحة ومحددة تضم آلية ومعايير معروفة للشروط التي سيتم على أساسها اختيار الأفلام، بما يحقق التنوع.
وأضاف فودة إلى أن هناك بعض الملفات التي تحتاج إلى حلول سريعة بجانب مسألة الدعم أبرزها ملف القرصنة الذى يهدد القضاء علي صناعة السينما، بالإضافة قانون حماية الملكية الفكرية ، وإنشاء الأرشيف السينمائي والحفاظ على التراث، والأصول السينمائية وتطويرها.
ظواهر سلبية
بدوره يتفق المخرج عمر عبد العزيز، رئيس الاتحاد العام للنقابات الفنية، مع كل الإجراءات الخاصة بدعم السينما حالياً، لافتاً إلى ضرورة عدم اقتصار دور الدولة علي تقديم الدعم المادي عبر إنشاء صناديق خاصة أو رفع الدعم المالي المقدم، ولكن بمواجهة كل الظواهر السلبية التي تؤثر علي الصناعة.
ويستطرد عبد العزيز أن أزمة القرصنة أًصبحت من أخطر المشكلات التي تواجه السينما لاسيما مع انتشار ما يقرب من 75 قناة تليفزيونية تعرض الأفلام السينمائية بعد سرقتها من دور العرض، كذلك من الضروري أن تقدم الدولة تسهيلات في الإجراءات، لاسيما فى أماكن التصوير الأثرية، لتنشيط السياحة، وصناعة أفلام جيدة، ذات محتوى فكرى وفني عال.
تفاؤل حذر
ويشير سيد فتحى، مدير غرفة صناعة السينما، إلى حالة التفاؤل لدى السينمائيين بالقرارات الحكومية الأخيرة، مؤكداً على نقطة أساسية هي ضرورة تقديم هذا الدعم الي صناع السينما الحقيقيين الذين يجتهدون لتقديم سينما وأفلام جيده تفيد المشاهد، وأن يتم إنفاقه وفق ضوابط سليمة، ليتم الاستفادة منه في الغرض الذي خصص من أجله هذا الدعم، وإلا سيكون الناتج صفرا.
ويضيف فتحي أن الدولة في الوقت الحالي مهتمة بصناعة السينما، ودعم الثقافة والفنون، وتهيئة المناخ المشجع علي حرية الفكر والإبداع، مشيرا إلي أن صناعة السينما تواجه صعوبات كثيرة، وعلينا جميعا أن نعمل علي تذليل كل العقبات بما يساهم في النهوض بتلك الصناعة.
أيد أمينة
وترى الناقدة الفنية خيرية البشلاوي أن فكرة رفع الدعم المخصص للسينما، وإنشاء صندوق لها أمر جيد، ولكن يجب إسناد إدارة هذا الصندوق بالمبلغ المخصص له إلى أيد أمينة، وتوزيعه بشكل حقيقي لأفكار وشباب اشتغلوا بالسينما وأحبوها ولايستطيعون إنتاج أعمالهم، دون مجاملة لأحد.
وتضيف البشلاوي أنه لابد من وجود آليات لعمل هذا الصندوق، معربة عن أمنياتها ألا يكون هذا القرار مثل العديد من القرارات الماضية، التي اتخذتها اللجان المتخصصة سواء فى مجلس الوزراء أو وزارة الثقافة ولم تُفعل، دون حراك لافتة إلى أهمية أن يعمل هذا الكيان بشكل متحرر من القيود والأعباء الروتينية، ويتم وضع هذه الأموال فيه، لحسن إدارتها.
وأشارت البشلاوي إلى أن السينما المصرية تراجعت خلال الآونة الأخيرة، مع الاستمرار في تقديم أفلام تفتقد للقيمة الفكرية أو الفنية، تعتمد علي خلطة معروفة وهي بعض الرقصات والإثارة والأغنيات المبتذلة، لافتة إلى أن انتشار هذا النوع من الفن جاء جراء ابتعاد الدولة عن دعم السينما، لاسيما وأنها أحد أهم عوامل القوة الناعمة لمصر.
القيمة الفنية
وتؤكد الناقدة الفنية ماجدة خير الله علي ضرورة الانتصار للقيمة الفنية عند اختيار الأفلام المدعومة، عبر الصندوق الجديد دون وصاية ودون فرض رؤى بعينها، لافتة إلى أن القرارات الأخيرة تعكس شعور الدولة بأهمية صناعة السينما لكن نجاح القرار يبقى مرتبطا باختيار لجان محترمة لا يحكمها إلا جودة السيناريوهات.
وتضيف خير الله أنه من الضروري جعل الهدف الأساسى لدعم السينما الارتقاء بالمستوى الفنى والمشاركة فى المهرجانات حتى وإن جاء العائد المادى متأخرا، لأن الأفلام ذات المستوى الفنى المتميز حتى وإن لم تحقق نجاحا عند عرضها سينمائيا تتاح لها فرص للعرض عبر وسائل أخرى مثل التليفزيون وتظل حاضرة فى أذهان الجماهير وهو ما يجب ان يعيه من يتصدى لاختيار الأفلام المدعومة من الدولة بعيدا عن النظرة الضيقة التى تبحث عن النجاح السريع للعمل السينمائي.
وتوضح خير الله أن مشكلة الدعم تكمن فى عدم وصوله إلى مستحقيه لضمان تحقيق الهدف المرجو منه، وبالتالي يجب أن تتم دراسة الأمر بشكل حقيقي علمي دقيق لتوظيف المبلغ المخصص لهذا الصندوق، وتوجيهه لما يناسب صالح السينما المصرية، لأن الأهم من توفير المال هو كيفية إنفاقه بالشكل المطلوب.
ضوابط محددة
ويري الناقد الفني نادر عدلي ضرورة وضع ضوابط لعمل هذا الصندوق حتي يكتب له النجاح أبرزها وجود ضمانات تكفل وصول الدعم لمستحقيه بداية من اختيار لجان الفحص وانتهاء بمتابعة آلية الإنفاق مشيرا إلى أن هناك تجارب سابقة وجه فيها الدعم لأفلام دون المستوى كما أن بعض المنتجين اقتطع لنفسه جزءا من قيمة الدعم ولم ينفقها على الفيلم!
ويضيف: عدلي أنه يجب وضع معايير واضحة للاختيار وأن تضم اللجان كل الأطياف السينمائية من النقاد والسينمائيين والمنتجين وتحديد آلية لمراقبة كيفية صرف الدعم وتقييم ما تم بالفعل عند مراجعة شريط الفيلم ومحاسبة الجهة المنتجة إذا ثبت أن هناك ضعفا فنيا أو إنتاجيا بما لا يتماشى مع السيناريو المجاز ويجب وضع شرط عند التعاقد بإمكانية إلغاء الاتفاق إذا تم الاخلال بشروط الانتاج الفني.
المالية والثقافة
فيما يقول الدكتور أحمد عواض، رئيس المركز القومي للسينما، إن تدشين صندوق لدعم صناعة السينما المصرية يعطي مساحة حرية للانتاج السينمائي، لاسيما فى ظل الأزمة التي تواجه المركز مع الضرائب ووزارة المالية جراء طلب التسوية السنوية للافلام المنتجة عن طريق الدعم، مشدداً علي أن المشكلة مازالت مستمرة وقائمة منذ عام 2012 وحتي الآن، بعدما وجد المركز نفسه مطالباً بسداد ثلاثة ملايين و300 ألف جنيه قيمة الضرائب المستحقة على الافلام جراء الدعم.
وأكد عواض أن وزيري العدل والثقافة من المنتظر أن يبحثا وضع تشريع قانوني من أجل إنشاء الصندوق، لأن قانون إنشاء الصناديق يتطلب وضع رأس مال أو ميزانية محددة له، ومجلس أمناء برئاسة شخص يتم تحديده، وكل هذه الأمور تستلزم تشريع قانوني، عندما يتم الانتهاء منه، يأتي دور المركز كجهة تنفيذية تنظيمية، والأمر برمته لدي الوزير.
وأشار عواض إلى أن المركز لم يتوقف لحظة عن بذل محاولات لحل تلك الأزمة التى تسببت في تأخير عدد من المشروعات، حتي تم حل المشكلة، وصرف باقي المبالغ المستحقة لكافة الأفلام التي حصلت علي الدعم، نافياً ما تردد عن توقف أي مشروع خلال الآونة الأخيرة، أو تسبب المركز فى تعطيل أي فيلم.
ويستكمل عواض قائلاً: إن الدولة اذا ما كانت ترغب في دعم السينما ومساعدة صناعها علي حل مشاكلها يجب ان يكون ذلك من خلال التحرر من البيروقراطية، لتنفيذ مشروع الدعم بشكل سليم، مؤكداً أنهم ينتظرون إصدار التشريع ومن ثم سيتم العمل على إعادة النظر في الآليات لتحسين الأداء، ومنظومة الدعم.