حركة تنقلات..!؟

14/11/2016 - 10:03:55

بقلم : عمرو على بركات

منذ كان يشغل الأميرالاى "سلانيكلى بك" وظيفة "كاتم سر بيادة" أيام "محمد على باشا"، وحركة تنقلات البوليس تصدر فجأة وفى عز حر شهر يوليو، وكان ضباط بوليس القاهرة يخشون نقلهم للأرياف، فيصيبهم القلق حتى أطلقوا على دواوين الشرطة اسم "القلقات"، وكان المأمور يسمى "ناظر القلق"، لأنه القلقان الأول من النقل للأرياف أو الصعيد، وكان الأميرالاى "سلانيكلى بك"، والذى أصبح فيما بعد يشغل منصب "أميرالاى شئون الضباط" يعلن دائماً أن حركة التنقلات سيتم فيها تحقيق العدالة بين الضباط ونظار القلقات، ومراعاة الحالات الإنسانية لكل منهم، إلا أن كون اسمها "حركة"، جعل السرسجية، والحمالين، والسقايين كلما أهل شهر يوليو يتهكمون على ضباط الدركات فى شوارع وأزقة القاهرة، والتى كانت مقسمة إلى أرباع، وأثمان، وحتى مشايخ الحوارى، وتجار الخضار فى الأسواق، والقهوجية، وكلما قابل أحدهم ضابط شرطة يقول له :" هى الحركة إتعملت؟ ولا باين عليها حركة؟!"، وطبعاً كان هؤلاء العامة يقصدون معنى الحركة فى لغتهم العامية، فكان بعضهم عند تأجيل ظهور الحركة يعلق قائلاً:" دى باين عليها حركة أونطة..ياباشا"، وكان جميع الضباط من أول ثُمن الأزبكية حتى ثُمن بولاق، وثُمن مصر العتيقة، يبحثون عن واسطة تصل بهم لطباخ "سلانيكلى بك"، أو عسكرى السوارى الخاص به، أو إحدى خادمات الهانم زوجته، حتى تتحقق رغبة الواحد منهم فى النقل إلى الثمن الذى يتمناه، أو يبقى بدون نقل من ثمنه إلى الأرياف والصعيد، وعندما جاء الدور علىّ نجحت عن طريق أحد أصدقاء أصدقاء والدى فى الوصول إلى صديق صديق "سلانيكلى باشا" الحالى، وكانت رغبتى تتلخص فى طلب الواسطة لكى أنقل من مصلحة السجون، إلى شرطة السياحة، فأنا قد داخلنى الضجر من النوبتجية فى سجن القلعة، وكرهت منظر العنابر الغائرة تحت الأرض، وأصوات تأوهات المساجين ليلاً فى زنازينهم، وأردت أن أتنفس الصعداء مع السياح الأجانب الذين يأتون لزيارة متاحف القاهرة، وكنت أتمنى أن أكون فى خدمة الأهرامات، أو فى أحد الفنادق الخمسة نجوم، وبالفعل ذهبت إلى الباشا الواسطة فى منزله بإحدى العمائر العتيقة فى شارع رمسيس فى الموعد المحدد، وقابلنى بترحاب شديد، وكان شكله مثل باشاوات السينما تماماً، فكان يشبه الفنان"حسين رياض"، بل ويرتدى الروب دى شامبر الستان مثله، وجلسنا فى الصالون المتسع، وافتتح حديثه قائلاً:" أنا أعرف كل لواءات الداخلية، أنا خدمتهم أيام ماكنت وكيل أول وزارة التربية والتعليم"، وسألنى عن صحة صديق صديق والدى المريض الذى لم أكن أعرفه؟ فقلت له مخمناً:" الحمد لله قام بالسلامة"، فابتهج قائلاً:" أنا فكرته هيموت! ده كان عيان قوى"، فقلت له مقدماً فروض الولاء والطاعة:" اللى حضرتك تأمر به يافندم؟"، فقال ضاحكاً:" اللى أمر به؟! إنت دمك خفيف ها..ها"، وتناول ورقة وقلماً وسألنى:" اسمك بالكامل رباعى؟"،و:"تاريخ تخرجك؟"، و:" ترتيبك على الدفعة؟"، و:" جهة عملك الحالية؟، و:" عاوز تروح فين؟"، وأجبت معاليه، وهو يكتب، وكتب رقم تليفونى خلف الورقة ثم قال بلهجة قاطعة:" إن شاء الله الموضوع اعتبره خلصان.. ياما نقلنا ضباط.. ورقينا لواءات.. إنت جاى فى حاجة سهلة"، واستأذنت للانصراف بعد أن شكرته، وابتهلت لله بالدعاء له بالصحة والعافية وطول العمر، والسعادة، وأن يجعله الله سبباً لقضاء حوائج شئون الضباط، وعلى عتبة الباب قبلته ودموع الفرح تكاد تنهمر من عيناى، إلا أنى حافظت على كرامة ضباط الشرطة وهيبتهم، واكتفيت بتقبيل يده وأنا أودعه مصافحاً، ونزلت والحياة قد أصبحت ملونة، ودون أن أدرى وجدت نفسى بين الاهرامات، وكأنى أنفذ قرار نقلى، وأخذت أخمن أين سأقف؟ ومع من من المرشدات السياحية سأرمى شباك عواطفى؟ وعلى أى كرسى سأجلس؟ وحتى وجوه العساكر أخذت أرسمها فى ذاكرتى، وكأنى أتوعدهم بالجزاءات من الآن على تكاسلهم فى الخدمة، وبعد يومين فقط اتصل بى معالى الباشا الواسطة الجامدة جداً ليأمرنى بالحضور إلى منزله اليوم فى تمام الساعة الخامسة مساءً لأن لديه أخباراً سعيدة، وفور جلوسى فى الصالون قال مبتسماً: إنت لسه متجوزستش..مش كده؟"، فقلت مستنكراً بشدة:" لا يامعالى الباشا .. لسه.. بس والدتى بتدور لى على عروسة اليومين دول"، فابتسم مبتهجاً قائلاً:" عال..عال"، ثم استأنف حديثه:" واللى يجوزك..وينقلك فى حركة واحدة؟"، فقلت مدعياً الكسوف:" تبقى حركة جامدة قوى يا معالى الباشا"، فقال:" وإنت عندك شقة؟"، فقلت:" لا يافندم بس مقدم على شقة فى قرعة الوزارة"، فقال:" حلنى على قرعة الوزارة.. الداخلية دى حركتها كلها قرعة..ها ..ها.. شوف يا سيدى.. أنا لما كلمت الباشا المساعد علشان ينقلك.. هو تربطنى به علاقة أسرية فالهانم حرمه تبقى بنت خالة المدام.. اكتشفت أنه عنده بنوته خريجة كلية تجارة إنجلش.. وبتشتغل فى بنك كبير.. وعندها شقتها.. وأنا بصراحة رشحتك تتجوزها مع الباشا والدها.. وهو وعدنى يعملك «ترشيح» لشرطة السياحة اللى إنت عاوز تتنقل لها..إيه رأيك؟"، ابتلعت ريقى وقلت لمعاليه:" طب تشوفنى حضرتها.. يمكن ما يعجبهاش شكلى؟!"، فقال ضاحكاً بسخرية:" شكلك إيه اللى ما يعجبهاش؟ إنت كاشف هيئة قبل ما تدخل كلية الشرطة..والباشا عرف من ملفك فى الوزارة إنك كنت «بطل» فى رفع الأثقال"، ودارت فى رأسى عدة تساؤلات:" طب هى متخرجة وبتشتغل.. وأنا باشتغل بقى لى ثلاث سنوات.. يعنى ممكن تكون قدى؟ أو أكبر منى؟ ولما هى كده كلها مميزات .. وعندها شقتها.. وأبوها مساعد وزير..ليه ما اتجوزتش لغاية دلوقتى؟"، وقطع الباشا الواسطة حبل تفكيرى قائلاً:" إنت ابن حلال.. وربنا مسهلك الأمور.. العروسة جاية كمان شوية تزور طنط"، وفور انتهائه من جملته، رن جرس الباب، وفتحت طنط الباب، وهى ترحب بالعروسة التى كانت فيما يبدو منتظرة إشارة ما على السلم قائلة:" أهلاً عروستنا القمر.. اتفضلى فى الصالون عمك هناك"، نظرت ووجهى فى الأرض خجلاً من الموقف غير المنتظر، وعندما رفعت نظرى لمصافحة العروس، فوجئت بأنها أطول منى، أعرض منى، وعندما انتهيت من صدمة المصافحة التى عصرت فيها يدى، والتى لم تمكنى من تفحص معالم وجهها، وجلست فوقع بصرى على حذائها فوجدته تقريباً بين مقاس خمسة وأربعين، وثمانية وأربعين، العروسة هجمة، ولو اتجوزتها هنخلف ديناصورات، وصرفت نظر عن وجهها، فقطع الباشا الصمت قائلاً:" معالى المساعد بيقولى إن مدير شرطة السياحة صديقه، وكلمه لما تتنقل يوزعك فى الحركة الداخلية الحتة اللى أنت عاوز تروحها.. إنت عاوز تشتغل فين فى السياحة؟"، فقلت له على الفور:" والله العظيم أنا صرفت نظر عن النقل أنا مرتاح فى السجون"، فقال الباشا محذراً:" يا ابنى متبقاش متسرع..فكر كويس..السياحة كويسة"، وفجأة انطلق صوت أجش، ولكنه مسرسع، أخذت أبحث عن مصدره حتى اكتشفت أن العروسة تقول:" يا أونكل النقل فى الداخلية معادش سهل.. دادى لسه ناقل الحركة اللى فاتت خمسة ضباط.. موديهم الحتت اللى اختاروها"، فقلت لنفسى:" والزملاء الخمسة دول كانوا متقدمين لها؟.. ويترى تم استبعادهم؟ ولا استقالوا؟"، وكان الباشا يتابعنى بنظراته، ولم أدر هل يشجعنى؟ أم يتوعدنى؟ أم يواسينى؟، واستأذنت العروسة وانصرفت وهى تخطو بدلال مستعرضة مؤخرتها، حتى أن معالى الباشا لاحظ وغمز لى بعينه مبتسماً، وبعد دقائق ودعت معالى الباشا وانصرفت، وقال لى:" منتظر تليفونك..بس بسرعة"، وسرت تائهاً فى شارع رمسيس حتى ميدان التحرير أفكر فى مصيرى؟ والقرار الذى سأتخذه، وهل سأضحى بمستقبلى الأسرى من أجل تحقيق رغبتى فى نقلى لجهة عمل أتمناها؟ فابنة السيد المساعد لا يوجد أى قبول لها شكلاً، ولكن هل مكتوب علىّ التضحية بأحلامى من أجل مستقبل غير مضمون؟ أم أبقى فى السجون طول عمرى؟ وصلت لميدان التحرير لاستقلال المترو، فوجدت الثورة مندلعة"عيش.. حرية..عدالة اجتماعية"، فأسرعت عائداً إلى سجن القلعة، لأجد حالة الطوارئ معلنة، ولكن السجن تم اقتحامه وهرب المساجين، ومرت الشهور متتابعة، حتى جاء شهر يوليو، لأفاجأ بأننى تم نقلى إلى شرطة السياحة، دون أن أتزوج من ابنة السيد المساعد، والذى تمت ترقيته فى حركة التطهير بعد الثورة، لقد قامت الثورة من أجلى شخصياً على المستوى الأسرى، والعملى، هكذا هى الثورات الحقيقية، وعندما ذهبت إلى شرطة السياحة بعد إخلاء طرفى من سجن القلعة، وكلى فرح بالمستقبل، فوجئت بأن هناك قراراً ملحقاً بحركة التنقلات بغلق سجن القلعة وتحويله إلى متحف ليسجل تاريخ الثورة، وتم تعيينى قائداً لحرس متحف سجن القلعة، ولكن تبع شرطة السياحة، ووجدت نفسى أبحث فى ذاكرة التليفون عن رقم الباشا لتحديد موعد قراءة الفاتحة.