برود إنجليزي

14/11/2016 - 9:54:03

للنجمة عقيلة راتب

كانت لي صديقة - رد الله غربتها - تزوجت من شاب في السلك السياسي وهي تمتاز بأعصاب من الفولاذ حتي أطلقنا عليها نحن صديقاتها وصف «البرود الانجليزي» وشد ما كان برودها هذا يغيظنا ويحطم أعصابنا ولكنها كانت تقابل ثورتنا ببرود أشد.
وحدث أن تقدم إليها شاب من أسرة كبيرة ويحمل شهادة عالية يطلب يدها ولكنها رفضته فلما سألناها عن السبب قالت:
- ده جاهل!
- جاهل إزاي وعنده ليسانس؟
فأجابت في برود:
- أيوه... عنده ليسانس ولكنه لا يفهم شيئا في التدبير المنزلي ولا في المطبخ!
وكانت تركب الاوتوبيس في فصل الشتاء وحدث أن داس علي قدمها أحد الواقفين فالتفت يعتذر إليها ولكنها لم تلتفت إليه بل مدت يدها إلي جيب سترتها الأعلي وأخذت منديله الحريري ومسحت به حذاءها ثم اعادته إلي جيبه دون أن تفتح فمها بكلمة واحدة!
وكان لها شقيق أحب حين تخرج في الجامعة أن يتزوج وكنا نزورهما فاقترحت إحدي صديقاتها عليها اسم إحدي الفتيات وهي قريبة صديقة تجلس معنا فقالت «البرود الانجليزي».
- أهم شروط في عروسة شقيقي أن تكون بنت ناس كويسين!
وتصبب العرق منا جميعا من شدة الخجل!
وكان لا يحلو لها زيارة صديقاتها في الصيف إلا بعد الغداء مباشرة أي في الوقت الذي يستحب النوم فيه وكانت تصر علي أن توقظ من تجدها نائمة منا فكنا نكلف من يبلغها أننا غائبات عن منازلنا!
وحدث أن جاء الصيف شديدا في إحدي السنوات وكانت لنا صديقة خفيفة الظل لاحظنا أنها تكثر من زيارة صديقتنا «البرود الانجليزي» ولما سألناها عن السبب قالت.
- وأنا راح الاقي حتة فيها «برودة» زي دي!
ولما زفت إلي عريسها ذهبنا بعد عودتها من شهر العسل لزيارتها وتصادف وجود حماتها في البيت لزيارتها وتطرق الحديث إلي الحموات وكانت حماتها قد غادرت الحجرة فلما عادت إليها وجدت زوجة ابنها تشنع علي الحموات وتقول إن أمنيتها أن تختفي «الحموات» من الوجود!
ويحب زوج صديقتنا هذه زوجته إلي درجة الجنون ولكنه يشكو دائما من تصرفاتها التي تثير غضب أيوب.
كان لا يحلو لها الذهاب إلي الحلاق وإلي حائكة الثياب إلا إذا دعاها زوجها للذهاب إلي السينما فيظل ينتظرها ساعة أو أكثر يكون قد انتهي من الفيلم أكثر من نصفه وعندئذ تجيب في برود:
معلهش .. بكرة نيجي تاني!
ودعتنا مرة لنشرب الشاي عندها وفوجئنا بها تقابلنا وهي بقميص النوم في غرفة الاستقبال ولما انتقدنا هذا السلوك منها اجابت في برود عجيب:
كمان زعلانين اللي بقابلكم بقميص من الحرير الغالي!
واشتدت حرارة الصيف وذهبنا كلنا إلي الإسكندرية ولكننا وجدناها في شدة الحرارة في القاهرة وفجأة أحسسنا جوا باردا منعشا ثم إذا بنا نعرف أن صاحبتنا «البرود الانجليزي» قد وصلت إلي الإسكندرية ونزلت في نفس الفندق فقالت إحدي الصديقات:
«آه ... أنا كمان بقول البرد الشديد ده جه اسكندرية منين»؟
الكواكب عدد 279- 4 ديسمبر 1956