خطاب إلي الرئيس التركي أردوغان

07/10/2014 - 10:59:11

اردوغان اردوغان

كتب - السفير عزمي خليفة

عزيزي فخامة الرئيس رجب طيب أردوغان رئيس الجمهورية التركية أكتب اليك كمواطن مصري ينتمي للطبقة المتوسطة يكن لتركيا وشعبها العزيز كل تقدير ومحبة ويرتبط بصداقات عديدة في المجتمع الدبلوماسي والأكاديمي التركي بحكم عملي السابق كسفير بوزارة الخارجية المصرية وبحكم عملي الحالي كمحاضر في بعض الجامعات المصرية وفي بعض مراكز الفكر المصرية التي ارتبطت من خلالها بعدد من مراكز الفكر التركية وبأصدقاء عديدين دعوني للإسهام الفكري في بعض الإصدارات التركية باللغة الإنجليزية ردا علي دعوتي لهم بالكتابة في إصدارات المراكز التي أعمل بها بالإضافة إلي زياراتي المتكرره لبلدكم العزيز.


ورغم كل هذه العلاقات التي تربطني بتركيا ومثقفيها وبأعضاء سفارتها بالقاهرة إلا أنني هالني منظر قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة أثناء إلقائكم لخطابكم، فقد خلت تقريبا من البشر وكأنك كنت تخاطب مجموعة من المقاعد الخالية لا تسمع، ولا تري، ولا تفقه وهو ما دفعني للتساؤل: ماذا حدث؟ إننا في الشرق الأوسط نقدر شعب تركيا وقد حقق هذا الشعب إنجازات هائلة زادت من تقديرنا له إلا أن هذا المنظر للقاعة الخاوية لابد أن له أسبابه ومبرراته، فمن المؤكد أن العالم يري ما لا نري ويسمع ما لا نسمع ويدرك ما لا ندرك حتي يقدم علي هذه الخطوة دون سابق إنذار ودون سابق تخطيط: ماذا حدث؟ والأكثر خطورة أن بعض وكالات الأنباء أفردت عددا من برقياتها لتأكيد أن الصحف التركية المقربة من الحكومة قد قامت بتغيير منظر المقاعد الخالية باستخدام بعض برامج التكنولوجيا (الفوتو شوب) لتبدو القاعة وكأنها ممتلئة بالجماهير الغفيرة وهي واقعة تشبه واقعة وقعت فيها إحدي الصحف المصرية من قبل أثناء حكم الرئيس المصري الأسبق مبارك وأدي الاحتجاج المصري عليها إلي اعتذار الصحيفة وسط كم لم يسبق من النكات المصرية اللاذعة ولعلك سمعت من قبل عن هذا السلاح المصري الذي عادة ما يستخدم لتصويب مسار الحكم والمجتمع علي السواء، ومعني ذلك أن هذه الصحف التركية أدركت خطورة ما حدث ولكنها لم تكن آمنه علي نفسها أو أمينة علي المهنة والمصالح العليا لبلدكم العزيز أو أرادت مجاملتكم شخصيا وفي كل الأحوال فإنها استباحت لنفسها خداعكم وتغييبكم عن الوعي :ماذا حدث؟ 


فخامة الرئيس 


لقد استمع الجميع لخطابكم ومنهم رؤساء تحرير هذه الصحف الذين مازالوا يعيشون في العصور الوسطي ولم يدركوا بعد أنهم في عصر المعلومات ويمكن تأكيد المعلومة أو نفيها من مصادر عديدة، وهذا شأنها وشأنكم لكن المؤلم حقا والمضحك أيضاً في نفس الوقت أن كاتب خطاب فخامتكم الذي ألقيته في نيويورك اتضح لي أنه مغيب ومازال يعيش في العصور الوسطي هو الآخر فالفقرة المتضمنة بالخطاب عن مصر وعن رئيسها الرئيس عبدالفتاح السيسي تنقصها معلومات عديدة أود أن أوضحها لفخامتكم من منطلق حرصي علي صورتكم المهتزة أمام العالم جراء هذا النقص: 


أولا: موضوع أن ما حدث في 30 يونيه 2013 في مصر هو انقلاب عسكري مسألة تعداها الزمن لأن العالم رأي علي الهواء أن حشودا مصرية ملأت ميادين وشوارع مصر قدرتها شركة جوجل بأكثر من 30 مليون مصري أي أكثر عددا من تلك الحشود التي نزلت في 25 يناير وكان المطلب هذه المرة في 2013 واحداً وهو إسقاط حكم الإخوان المسلمين لتفريطهم في مصالح مصر دولة ومجتمعا مقابل تحقيق مصالح جماعة الإخوان المسلمين، وقد اقترحت القوات المسلحة علي الرئيس السابق د. محمد مرسي إجراء انتخابات مبكرة - وهو مطلب ديمقراطي كما تري- إلا أنه رفض وطالب باستخدام قوة الدولة ضد المتظاهرين وهو ما رفضه الجيش الذي لم يكن أمامه سوي الانحياز إلي الجماهير حتي لا يحول البلاد إلي حمام من الدماء وهو نفس سلوكه في 25 يناير 2011 حينما انحاز للشعب ضد مبارك وهو ما سبق وأيدته فخامتكم في ذلك التوقيت. 


ثانيا : أن مفهوم الشرعية في علم السياسة يعني القبول الطوعي من المحكومين للحاكم، ويميز أساتذة السياسة بين ثلاثة أنواع من الشرعية متفاعلة مع بعضها ويعيش في ظلها أي مجتمع وأي دولة أولها شرعية الانتخاب وهي ثابته وتقاس بعدد أو نسبة الأصوات التي حصل عليها الرئيس في النظم الرئاسية مثل أمريكا أو رئيس الوزراء في النظم البرلمانية مثل تركيا ثم شرعية الإنجاز التي تعبر عنها استطلاعات الرأي العام طوال فترة حكم الرئيس طالت أم قصرت ولذا فإنها ذات قيمة متغيرة وتتوقف علي قدرة الرئيس علي إقناع الشعب بقبوله، وأخيراً شرعية الثورة التي تهدف إلي التخلص من الحاكم إذا تدنت إنجازاته أو عرض مصالح البلاد للخطر. 


وبناء علي ذلك فإن الموجة الثانية لثورة 25 يناير والتي حدثت في 30 يونيه هي عمل يتمتع بالشرعية فمن حق الشعب المصري خلع الحاكم الفاشل أو الخائن أو الاثنين معا وهو ما تم مع صديقكم الرئيس السابق محمد مرسي ومن قبل مع الرئيس الأسبق حسني مبارك - رغم أن الثورة قامت قبل انتهاء حكمه بستة أشهر ورفضت إمهاله هذه المدة- وقد أيدت الشعب المصري فخامتكم في حالة الرئيس مبارك وسارعت في زيارة مصر وميدان التحرير ومقر الإخوان المسلمين. 


ثالثا: أن كاتب خطاب فخامتكم نسي أو تناسي أو لم يعرف أن الرئيس عبدالفتاح السيسي تم انتخابة من أبناء الشعب المصري في انتخابات حرة ونزيهة بشهادة المجتمع الدولي ممثلا في الاتحاد الأوربي والأمم المتحدة وكانت النسبة 98% بوصفه ابن الثورة نتيجة انحيازة للشعب في 30 يونيه، وابن الدولة لتوليه منصب وزير الدفاع قبل استقالته لخوض الانتخابات، ومثل هذه الأوضاع لا تؤسس لانقلاب. 


رابعا: أن خريطة الطريق التي حددت مسار المرحلة الانتقالية التالية لعزل الرئيس السابق مرسي قد نصت علي تولي مسئوليات الرئيس رئيس المحكمة الدستورية العليا كما ينص الدستور لحين انتخاب رئيس للجمهورية وإعداد دستور للبلاد ثم انتخاب رئيس الجمهورية وأخيرا انتخابات برلمانية وقد تم بالفعل إنهاء ثلاثة استحقاقات ولم يتبق سوي انتخابات البرلمان. وقد تم الاستفتاء علي الدستور وأجيز بنسبة عالية وقد نص علي تقاسم السلطة بين الرئيس ورئيس الوزراء لا توجد أدني نوايا لتعديل الدستور ليناسب مدي تقدير الشعب للرئيس المنتخب فهل رأيت فخامة الرئيس إلي أي حد مساعدك الذي كتب خطابكم كان مقصرا في حقكم وحق بلاده؟ 


فخامة الرئيس 


كذلك أود الإشارة إلي أن كاتب خطابكم الذي تم إلقاؤه أمام المقاعد الخالية للجمعية العامة قد قصر أيضاً في حقكم وحق بلاده فهذه الاجتماعات مخصصة لنشر السلم والأمن الدولي وبالتالي فمن غير اللائق دبلوماسيا أن يتم تناول مشكلة ما في العلاقات الثنائية بين تركيا وأيا من الدول المجاورة ما لم تكن تؤثر سلبا علي الأمن الدولي فهل تعتقد فخامتكم أن رأيكم فيما يجري في مصر - بعد كل ما عرضت وبعد استقبال المجتمع الدولي للرئيس المصري المنتخب عبدالفتاح السيسي - يمكن أن يؤثر في الأمن الدولي؟ أو حتي الأمن الإقليمي؟ أو حتي أمن مصر فقط؟ لا أعتقد لأن معظم ما كتبه ذلك المساعد في الخطاب بني علي أوهام لا أساس لها في الواقع، وهي أوهام لا توجد إلا في مخيلته فقط وأعتقد أنه أحد رعاة الإخوان المسلمين ومن ثم فقد وضع نفسه أمام مشكلة قانونية فقد أضحي من حق مصر مطالبة الإنتربول بتسليمه بوصفه راعيا لجماعة إرهابية تقتل الأبرياء وترفع السلاح في وجه الدوله للوصول إلي السلطة ولذا أتمني أن تقوم بتغيير فورا وربما يكون من الأجدي إعطاء المهمة للدكتور أحمد داوود أوغلو رئيس الوزراء الذي قام بعمل جيد لوضع تركيا علي خريطة الاهتمامات الإقليمية بكتابه الرائع "العمق الاستراتيجي". 


فخامة الرئيس 


أود أن أشير إلي أن كاتب خطاب فخامتكم لم يكن الوحيد الذي أخطأ في حقكم وحق بلاده فقد نشرت أيضاً الصحف التركية أن وزير خارجيتكم لم يطلب الاجتماع بوزير الخارجية المصري في نيويورك لمناقشة مسار العلاقات الثنائية بين البلدين، وذلك بعد أن ألغي وزير خارجية مصر سامح شكري الاجتماع احتجاجا علي ما جاء بخطابكم عن مصر ورئيسها ولا أدري كيف يصرح مسئول تركي بذلك فمن المؤكد أن تصريحه ليس مسئولا واسمح لي فخامة الرئيس أن أرفق لفخامتكم صورة الطلب الذي تقدمت به بلادكم العزيزة للاجتماع، وذلك دون أي تعليق من جانبي. 


فخامة الرئيس 


اسمح لي أن أنقل إليك سرا من المؤكد أن أيا من مساعديك أو صحفك لن تجرؤ علي نقله إليك إن خطابك في الجمعية العامة الخاوية قد أثار الشعب المصري وخرجت مطالب بضرورة التعامل بشدة مع الحكومة التركية بمقاطعة كل ما هو تركي في مصر خاصة أن الميزان التجاري بين البلدين في صالح تركيا وبالتالي فالمقاطعة قد تكون وسيلة فعالة لتعديل الميزان التجاري ولو لبعض الشيء، فطالبوا بمقاطعة محلات استقبال للأثاث لأنها لا تعرض سوي الأثاث التركي ولأنها ملك أحد أصدقائك من جماعة الإخوان المسلمين، طالبوا بمقاطعة شيكولاته نوتللا لاحتوائها علي بندق تركي، وأيضا طالبوا بعدم السفر لتركيا للسياحة وقضاء شهر العسل واستبدال تركيا بدول أخري أجمل وأرخص مثل اليونان وقبرص، وهي دعوات وإن كانت قد بدأت فردية إلا أنها كل ساعة تكتسب تأييدا شعبيا وتوسع مطالبها وتنظم حركتها عن طريق أدوات التواصل الاجتماعي التي لم يسمع عنها مساعدك كاتب الخطاب ولا رؤساء التحرير المنافقين فأرجوا فخامتكم للتحرك سريعا لإنقاذ العلاقات المصرية التركية من الانهيار أكثر من ذلك لأن ادعاءات مساعدك لن تفيد موضوعيا كما أنها تخلو من اللياقة الاجتماعية شكلا إضافة إلي أنها خارج إطار العصر زمنا كما ترون فخامتكم. 


فخامة الرئيس 


أخيرا أود ان أخطر مساعدك الذي كتب الخطاب بما ذكرته فخامتكم من قبل حينما زرت مصر وزرت مقر الإخوان المسلمين بالمقطم فقد اقترح السيد محمد بديع - وهو الآن قيد المحاكمة بتهم كثيرة أبسطها الخيانة العظمي - المرشد العام للإخوان المسلمين في مصر تنصيبكم خليفة للمسلمين فنهرته علي مسمع ومرأي من العالم مذكرا إياه بأنك رئيس مسلم لدولة علمانية وهو ما أيدته أنا بشدة ومازلت أذكره في كل وقت وحين فقد احترمت دستور بلدك ومسئولياتك فيها كرئيس وزراء، ووضعك اليوم كرئيس جمهورية لم يتغير إلا إذا كان الدستور التركي قد تغير أو أن منصب رئيس الجمهورية لا يلتزم بالدستور كمنصب رئيس الوزراء أو أن الدستور التركي حاليا مجمد استعدادا لتغييره وإحلاله بدستور أكثر مناسبة للأوضاع الجديدة في مصر. 


وأخيرا تقبلوا فخامة الرئيس خالص تقديري واعتزازي لشعبكم العزيز