لجأوا إليها بعد ملاحقات الأمن: إرهاب السيارات المفخخة.. نفس المتطرفين الأخير!!

09/11/2016 - 2:42:38

تحقيق: وائل الجبالى

بعد التضييق والملاحقات الأمنية لجأت الجماعات الإرهابية إلى استخدام السيارات المفخخة فى عملياتها للدخول فى مواجهة مع قوات الأمن، التى أصبحت تتقن التعامل مع الإرهاب، ولهذا كان الحل فى سيارة متوقفة، بداخلها «مفرقعات»، ويتم التحكم فيها - فى الغالب- من بعيد عن طريق «الريموت كنترول».


عرفت التنظيمات المتطرفة إرهاب «السيارات المفخخة»، خلال السنوات الأخيرة من القرن الماضى، وتحديدا فيما يتعلق بالعمليات الإرهابية التى كانت تستهدف التخلص من الشخصيات العامة، أو القيادات ذات المناصب الحساسة، والحماية الأمنية المشددة، فلا يزال التاريخ يذكر محاولة اغتيال رئيس الوزراء الأسبق، الدكتور عاطف صدقى منتصف التسعينيات ، وتحديدا عندما زرع المتهمون متفجرات وأنابيب غاز داخل سيارة كانت تقف أمام المدرسة، التى يمر من أمامها موكبه، بعد أن تم رصد خط سيره من مجلس الوزراء إلى منزله بشارع الخليفة المأمون بمصر الجديدة، وما إن مر الموكب حتى انفجرت السيارة، دون وقوع إصابات فى الهدف أو حراسه، إذ أخطأ المتهم فى تقدير الموعد وكان الضحايا ممن لا ذنب لهم، حيث لقيت طفلة تدعى «شيماء» مصرعها، متأثرة بجروحها من شظايا الانفجار، وأصيب ١٤ آخرون من زملائها فى المدرسة.


قيادات فى الدولة أيضا تعرضت لمحاولات اغتيال بـ»السيارات المفخخة»، وبعضها لقى حتفه نتيجة هذا الأمر، فلا يزال التاريخ يذكر واقعة اغتيال المستشار هشام بركات، النائب العام الراحل، وكذلك محاولة اغتيال وزير الداخلية السابق، اللواء محمد إبراهيم، إلى جانب المحاولة التى حدثت مؤخرا عندما تم استهداف النائب العام المساعد، المستشار زكريا عبد العزيز، بسيارة مفخخة، تم تفجيرها أمام منزله فى مدينة نصر.


وآخر عمليات إرهاب السيارات المفخخة كان استهداف المستشار أحمد أبو الفتوح رئيس محكمة الجنايات والذى نظر بعض قضايا الجماعة الإرهابية بمحيط سكنه بمدينة نصر بجوار النادى الاهلى بسيارة مفخخة ولم يسفر التفجير عن ضحايا.


سيناء.. هى الأخرى لم تكن بعيدة عن سيناريو «السيارات المفخخة» حيث شهدت أكثر من عملية إرهابية تم باستخدام السيارات «المفخخة» حيث بدأ الأمر بعمليتين بعد مرور أيام على فض اعتصامى رابعة والنهضة الأولى بالعريش، وأسفرت عن استشهاد ٣ أشخاص، والأخرى بالقرب من قسم شرطة الشيخ زويد ، وثالثها تفجيرات استهدفت مبنى المخابرات الحربية بمدينة رفح بشمال سيناء، والتى أسفرت عن استشهاد ٧ جنود وإصابة ٢٠ آخرين.


وأيضا وقع انفجار ضخم بسيارة مفخخة بالقرب من مديرية أمن جنوب سيناء تسبب فى استشهاد اثنين وإصابة ٥٠ شخصًا ، تلاه انفجار آخر بكمين الريسة بشمال سيناء أسفر عن استشهاد ٣ مجندين وإصابة ٥ آخرين لتنتقل بعدها العمليات الإرهابية إلى الإسماعيلية حيث انفجرت سيارة مفخخة بالقرب من مبنى المخابرات الحربية بالمحافظة.


وعادت العمليات الإجرامية لسيناء مرة أخرى ليسقط ١١ شهيدا و٣٧ مصابًا فى استهداف أتوبيسين لأفراد القوات المسلحة بسيارة مفخخة يقودها انتحاريان بالشيخ زويد.


مديريات الأمن هى الأخرى لم تكن بمنأى عن «السيارات المفخخة»، وكانت البداية من مديرية أمن الدقهلية، التى تعرضت لعملية إرهابية فى بداية الأسبوع الأخير من ديسمبر فى العام ٢٠١٣، راح ضيحتها ١٦ شخصا، وأصيب نحو ١٥٠ آخرين، حسب بيانات وزارة الداخلية، وبعد مرور شهر واحد على تلك الواقعة، تعرضت مديرية أمن القاهرة لحادث مماثل حيث تم استهدافها هى الأخرى بسيارة مفخخة، وأسفر الحادث عن مقتل ٣ وإصابة ٤٧ شخصًا وأدى إلى تحطيم أجزاء من مديرية الأمن ومتحف الفن الإسلامى المواجه لها.


اللواء جمال حلاوة، مدير الحماية المدنية والمفرقعات سابقا بأمن القاهرة يرى أن استخدام العناصر الإرهابية للسيارات المفخخة فى عمليات استهداف القضاة أو ضباط الجيش والشرطة، دليل على الإفلاس والضعف الذى وصل إليه حالهم، ليس هذا فحسب لكنه يؤكد أيضا أنهم وصلوا لمرحلة «الاحتضار»، وذلك على خلفية الضربات المتلاحقة التى توجهها لهم الأجهزة الأمنية (القوات المسلحة والداخلية)، للقضاء عليهم فى سيناء.


اللواء «حلاوة» تابع حديثه قائلا: جميع السيارات التى يتم تفخيخها بواسطة الإرهابيين تكون مسروقة، وفى الغالب مبلغ بسرقتها وبعد سرقتها يتم تجهيزها من خلال الإرهابى، وتجهيزها عملية سهلة جدا فى حالة حصول الإرهابى على المواد المتفجرة، يتم وضع كمية المتفجرات فى شنطة السيارة أو فى أى مكان غير ظاهر بها، ويتم بعد ذلك ربط المتفجرات بمفجر صغير وضبطها ، إما على دائرة تليفون وشريحة أو عن طريق ريموت كنترول خاص بالتليفزيون للتحكم فيها من بعد، ومن الممكن أن يتم ضبط التفجير بـ» تايمر غسالة «وفى النهاية سواء عن طريق شريحة التليفون والاتصال به يتم قفل الدائرة وينتج الانفجار.


وفى سياق حديثه، شدد «اللواء حلاوة» على دور المواطن فى الكشف عن السيارات المفخخة، موضحا أنه يلعب دورا مهما فى مساعدة الأجهزة الأمنية، وذلك بالإبلاغ عن أى سيارة متوقفة بالحى أو الشارع بشكل مريب. أو أنها سيارة غير معتاد وقوفها فى هذا المكان، أو أن أرقامها تخص منطقة أخرى أو أنها لا تحمل أرقاما، أو أن لوحاتها الأمامية مختلفة عن اللوحات الخلفية، أو أن يلمح داخلها يظهر شئ مثير للشك وهنا وجب عليه الإبلاغ عنها.


كما كشف مدير الحماية المدنية بالقاهرة سابقا أن جميع وحدات الحماية المدنية والمتفجرات تم تجهيزها، بأحدث المعدات والأجهزة الفنية بداية من مفتشى المفرقعات والكلاب المدربة ومعدات التصوير الحديثة للكشف والتعامل مع المفرقعات والسيارات المفخخة، ويتم انتقالها وبشكل سريع عند تلقى بلاغ بوجود اشتباه فى جسم غريب ما, سيارة متوقفه ويتم الانتقال لخبراء المفرقعات والكلاب المدربة على كشف المفرقعات، ويتم عمل كردون أمنى والفحص وبمجرد الإبلاغ يتم التحرك دون النظر إن كان الإبلاغ حقيقيا أو مجرد اشتباه.


وواصل حديثه قائلا: انتشار حوادث الاستهداف بالعربات المفخخة ضمن الأهداف الاستخباراتية الخارجية التى تهدف إلى زعزعة الأمن فى مصر واستغلال الأحداث للإشارة إلى أن مصر بلد غير آمن، وفى الوقت ذاته العمل على ضرب الاقتصاد والقطاع السياحى، وإحداث حالة من الفوضى الداخلية، وذلك كله يأتى ضمن مخطط أعداء الخارج الذى يتم تنفيذه من خلال أعداء الداخل والإرهابيين.


وحول كيفية تفخيخ السيارات للعمليات الإرهابية، قال «اللواء حلاوة»: يلزم لإعداد سيارة مفخخة البدء فى إعداد للعملية وتمويل وتوفير المواد المتفجرة التى تستخدم فى التفخيخ، وهنا يأتى دور الأجهزة الخارجية والمخابراتية من توفير التمويل والمواد المتفجرة، وأريد أن أشير هنا إلى أن امتداد حدود الدولة والأجواء غير المستقرة فى بعض دول الجوار، ساعد فى انتشار هذا الأمر، وهنا تمكن الصعوبة فى تأمين الحدود بالكامل بنسبة مائة فى المائة، وتأتى فى المقدمة الحدود الجنوبية مع السودان والحدود الغربية مع ليبيا والحدود مع الجانب الشرقى والإنفاق كلها مصادر لدخول المواد المتفجرة والمواد شديدة الخطورة، إلى جانب الأموال اللازمة لتمويل العملية.


وحول اتهام البعض للأجهزة الأمنية بالتقصير، عقب على الأمر بقوله: لا يوجد تقصير من أجهزة الحماية المدنية والمفرقعات بل- كما سبق وأن أشرت- تم تجهيزها بأحدث وسائل الكشف والتعامل مع المفرقعات على مستوى العالم، ومن جانبها لم تبخل عليها وزارة الداخلية عليها بأى شىء، على العكس وجهت لها كل أوجه الدعم والرعاية وتقوم أجهزة الحماية المدنية بالمرور فى جميع الأماكن الحيوية وأماكن تواجد الشخصيات المهمة وتحقيق الاشتباه بواسطة إما سيارات خاصة أو المرور بالكلاب المدربة على اكتشاف المتفجرات وتفتيش أماكن الاشتباه والأماكن المخصصة لإقامة أو مرور الشخصيات المهمة، ولكن الأمر يختلف مع السيارات المفخخة لأن الارهابى ومنفذ العملية يختار الوقت المناسب له بعد مراقبة المكان والشخصية المستهدفة ويستغل حالة الازدحام بالشوارع ويركن السيارة المفخخة وسط السيارات المتوقفة، وهنا لا يمكن فحص جميع السيارات بالشوارع مهما كانت التجهيزات والإمكانيات المتاحة وهنا يأتى دور المواطن الشريف الذى يساعد الأجهزة الأمنية بالإبلاغ عن أى اشتباه ولو سلبيا دون أدنى مسئلية أو محاسبة له على البلاغ.


فى ذات السياق قال اللواء مجدى البسيونى، مساعد وزير الداخلية الأسبق: تفخيخ السيارات واستهدافها لبعض الشخصيات أمر غير مفزع من الناحية الأمنية، رغم كثرة أعداد الضحايا، وقد تحدث خسائر مادية فى الممتلكات من سيارات أو واجهات مبان، إلا أنها - كما قلت- غير مفزعة وجريمة سهلة وأسلوبها لا يحتاج لتدريب أو إتقان كما أن تجهيزها وزرع عبوة ناسفة متفجرة بالسيارة ووضعها فى أحد الشوارع المكتظة دون لفت النظر وتفجيرها عن بعد لا يحتاج تدريب أو خبرة ، كما أنها دليل على الإفلاس والجماعة التى تنتهجها هى جماعة فى النزع الأخير وحلاوة روح، لكن المفزع زيادة عدد الضحايا من الأبرياء وما يصاحب الأمر من خسائر مادية وهو ما يفرقها عن الاغتيالات التى تستهدف الشخص المستهدف بعينه.


وحول كيفية مكافحة ظاهرة «السيارات المفخخة»، تساءل اللواء مجدى البسيونى ، عن الجهة التى تمدهم بالمواد المتفجرة، وخصوصا المادة المستحدثة وشديدة الانفجار مادة الـ» سى فور» وهى مادة أشد فتكا وتعادل أضعاف مثيلاتها من مادة الـ» تى إن تى» المستخدمة فى المحاجر وبعض المصانع ؟


«البسيونى» تابع قائلا، بعد تساؤلاته السابقة: المطلوب معرفة كيف يتم الحصول عليها، ولابد من مراجعة كميات المتفجرات التى تصرف للمحاجر المرخصة، والتى لديها حصة من المواد المتفجرة التى تستخدمها فى التفجيرات الجبلية والمحاجر المطلوب مراجعة التراخيص، وكذلك من المهم أن ترصد وزارة الداخلية تتبع شبكات الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعى لضبط المحرضين والمتورطين فى هذا الأمر.


وعن أسلوب عملية «التفخيخ» والمراحل التى يمر بها الأمر، قال المساعد الأسبق لوزير الداخلية: الإرهابى عندما يخطط يخطط بشمولية ويبدأ برصد الهدف وتحركاته ومعرفة مواعيده سواء مواعيد خروجه للعمل أو مواعيد عودته، بعدها يبحث عن توفر سيارة لتفخيخها وقد يقوم بسرقتها أو يوفرها له عنصر تابع للتنظيم الإرهابى الذى يريد تنفيذ العملية، إلى جانب توفير المادة المتفجرة التى سيستخدمها، وعندما تتوافر لديه المعلومات كاملة عن تحركات الشخصية المستهدفة وتتوفر السيارة التى يقوم بتفخيخها والمواد المتفجرة يبدأ بالتنفيذ ويكون سهلا جدا بوضع كمية المتفجرات بالسيارة وربطها إما ريموت كنترول أو عمل دائرة كهربائية وربطها بشريحة تليفون أو عمل دائرة وربطها بـ»تايمر غسالة» ، ويتحرك بالسيارة ويتركها فى المكان المستهدف وينتظر مرور الشخصية المستهدفة ويفجر السيارة عن بُعد دون أن يراه أو يلحظه أحد وبعدها يترك مسرح العملية ويلوذ بالفرار من المكان.


اللواء «البسيونى» قال أيضا: من الصعب جدا تأمين جميع الشوارع من العربات المفخخة ، كما يصعب أيضا تفتيش جميع السيارات المتوقفة على جانبى الشوارع، ورغم هذا يمكن أن نحدد الشخصيات المستهدفة سواء كان شخصية قضائية ومنهم القضاة الذين ينظرون فى دوائرهم قضايا سياسية أو ضباط الجيش أو شرطة أو الشخصيات العامة، و تجهيز مساكن بديلة واستراحات مؤمنة لتلك الشخصيات المستهدفة، ومن المفارقات أن وزير الداخلية السابق اللواء محمد ابراهيم تم استهدافه وهو فى طريقه من منزله بمدينة نصر إلى وزارة الداخلية بسيارة مفخخة بينما مدير الأمن فى المحافظات له سكن واستراحة مؤمنة، والمحافظ أيضا له استراحة فكيف لا نؤمن الشخصيات المستهدفة وننقلهم فى استراحات مؤمنة حماية لأرواحهم وأسرهم؟!


مساعد وزيرالداخلية الأسبق، هو الآخر - بدوره- أوضح أن الجماعات الإرهابية عندما تلجأ لـ»السيارات المفخخة»، فإن هذا الأمر يعنى أنها أفسلت، ولم يصبح فى مقدروها أن تفعل شيئا، لكنها - فى الوقت ذاته- تحاول إثبات وجودها بهذه النوعية من العمليات، كما أنها تريد - وفقا لقوله- تصدير صورة إلى الخارج تؤكد عدم وجود استقرار فى مصر.


اللواء «البسيونى» أنهى حديثه بقوله: علينا أن ندرك أن الجهاز الأمنى عليه عبء كبير جدا، بداية من حل أزمات السلع - السكر والأرز - ومرورا بالقضايا الجنائية ( المخدرات والقتل والسرقة والبلطجة) وصولا إلى قضايا التنظيمات الإرهابية والاستهدافات، ورغم ذلك نجحت الأجهزة الأمنية فى تتبع ورصد وضبط الخلية الإرهابية بجسر السويس بعد ٤ أيام فقط من إيجارهم لشقة وتمت مداهمة الإرهابيين ما أسفر عن إصابة ٤ ضباط وقتل الإرهابى ، كما تمكنت أيضا من تتبع ورصد الخلية المنفذة والتى استهدفت النائب العام المساعد بعد هروبهم إلى محافظة أسوان وتم إلقاء القبض على كافة عناصرها