«حسم» و«العقاب الثورى» و«لواء الثورة».. أسماء لعنوان واحد عودة النظام الخاص

09/11/2016 - 2:40:23

بقلم: أحمد بان

يسجل الإخوان فى أدبياتهم أنه فى شهر أغسطس من عام ١٩٤٠، زار الجنرال الإنجليزى كلايتون حسن البنا، فى محاولة ثانية من جانب المخابرات البريطانية لشراء الإخوان، حيث كانت المحاولة الأولى فى نهاية عام ١٩٣٩، عندما عرض المستشرق البريطانى هيوارث دان على الأستاذ أحمد السكرى وكيل الجماعة دعما ماليا للجماعة قدره عشرون ألف جنيه، وقد لقنه السكرى على حد وصف المصدر درسا فى المبادئ والأخلاق، وقد جاء كلايتون هذه المرة لتكرار مافعله دان، إذ عرض على البنا تمويل جريدة يومية للإخوان، وأن يوضع تحت تصرفه ما يشاء من المال لتجهيز المركز العام المتواضع، ونقله إلى حى راق وأن تعطى الجماعة مائة ألف جنيه كل شهرين، زادها كلايتون بعد سخرية البنا على حد وصف المصدر إلى خمسمائة ألف جنيه، لكن البنا لقن هو الآخر كلايتون درسا لم ينسه، وهو ما أدى وفقا للمصدر فى النهاية إلى اغتيال البنا.


بعيدا عن التهافت فى تلك الروايات التى يكفى لدحضها مناقشة المبلغ الذى وعدت به بريطانيا الجماعة، وبأسعار هذا الزمان وفى ظل أجواء الحرب العالمية الثانية التى كانت قد اشتعلت للتو، هل من المنطق أن تعرض بريطانيا على منظمة شعبية مهما بلغ تأثيرها مبلغ ثلاثة ملايين جنيه سنويا؟ ويرفض البنا الذى قبل من شركة قناة السويس ٥٠٠ جنيه وظل يساوم رئيسها ليزيد المبلغ قائلا له أنكم دفعتم للكنيسة أكثر من ذلك، ثم يأتى السؤال الأهم لماذا تشكل النظام الخاص بعد هذا الاتصال بأيام؟ فهل هناك علاقة بين اتصالات بريطانيا بالجماعة ومحاولات تمويلها وبين نشأة النظام الخاص، الذى يدعى البنا أنه أنشأه لمواجهة المحتل الأجنبى فى مصر واليهود فى فلسطين، وهل كان جهاد اليهود فى فلسطين لإجلائهم عنها يمر بدفع يهود مصر للهجرة إليها عبر حرق محلاتهم ومصالحهم فى مصر؟ هذه ربما أسئلة تشرح فقط أو تثير علامات الاستفهام عن ماهية هذا الجهاز، الذى لم ينشط فى استهداف الإنجليز واليهود بقدر نشاطه فى استهداف السياسيين الوطنيين والقضاة من أبناء مصر، فى صراع بدأ فى العام ١٩٤٠ وظن البعض أنه انتهى مع حل النظام الخاص فى نهاية الخمسينيات، كما يحاول مؤرخو الإخوان إقناعنا، لكن عمليات النظام الخاص التى تواصلت ولم تتوقف أكدت أن الجهاز لم يحل أبدا، وأن ما جرى بدءا من السبعينيات كان حالة من حالات الكمون المؤقت واعادة الانتشار، وخروج العناصر المهمة من مصر إلى أماكن أخرى لتبقى محتفظة بلياقتها العقلية للعنف، يكشف أبو مصعب السورى وهو أحد أهم منظرى القاعدة فى كتابه دعوة المقاومة الإسلامية العالمية، أنهم حين كانوا فى تنظيم الطليعة المقاتلة وهو الذراع العسكرية للإخوان فى سوريا، استقبلوا فى أحد معسكرات التدريب مدربا مصريا من رجال النظام الخاص دربهم على فنون القتال والإرهاب، فمتى كان ذلك كان فى العام ١٩٨١ نعم فى العام ١٩٨١ وفى بغداد، التى كانت تستضيف معسكرات تحت رعاية صدام حسين تتدرب على قتال نظام حافظ الأسد وقتها، إذا أضفنا لذلك أن كثيرا من هؤلاء سافروا إلى أفغانستان والبوسنة وغيرهما ندرك أن مسيرة النظام الخاص لم تتوقف أبدا، وأنها ظلت أحد ثوابت الحركة لدى الجماعة التى كانت حريصة على أن تكون لها ذراعها المسلحة، وأنه طوال الوقت كانت تتعارك طريقتان أو منهجان داخل الجماعة، أحدهما يراهن على العمل المدنى والسياسى والدستورى والقانونى والحركة من خلال مؤسسات الدولة، ويعول على دخول الانتخابات والنقابات والجامعات ثم الحكم، وفريق آخر ظل مسكونا بالعنف ولا يرى سبيلا غيره لتحقيق الأهداف، ومن يفتش فى خلفيات قيادات الإرهاب والتطرف والعنف فى العالم سيجد أن معظم تلك القيادات لاينفى أنه كان إخوانيا ثم خرج عنهم، ومنهم من يبدو أكثر صراحة كأبى مصعب السورى الذى يفرق بين إخوان اليوم وإخوان سيد قطب وحسن البنا، ويرى أصالة منهج البنا ويعتقد فى صحته مع سيد قطب، ومن ثم فقد بدا الأمر محكوما بنتائج الصراع بين الرؤيتين اللتين ظلتا تحتدمان داخل الجماعة، العنف مقابل السياسة وبعد خروج الجماعة من الحكم تراجع منطق الدفاع عن السياسة داخلها، خصوصا بعد فشل تجربة الإخوان فى الحكم، ومن ثم بدأت منذ أحداث رابعة والنهضة مراجعات سلبية داخل الجماعة، انتهت ببروز منطق مجموعات العنف التى أطلت برأسها تحاول إقناع الجميع بأن العنف هو السبيل، وأنه لابديل عن حمل السلاح سواء تحت دعاوى الثأر أو ما سموه القصاص، أو استخلاصا للحكم بالسلاح ما دام مسار الصندوق قد أغلق فى وجوههم، ومن ثم بدأت ماكينة الإفتاء فى الدوران لتنتج فقها جديدا وتبارك المسار الجديد لحركة التنظيم، الذى تستدعى به مقولات الحركة الجهادية المسلحة من قبيل التكفير والردة وقتال الطائفة الممتنعة ودفع الصائل وغيرها، مما أدى إلى انتاج معادلة عنف تنهض على ثلاث مراحل سميت الأولى بالنكايات على قدر الكفايات، ثم توازن الرعب ثم النزال والحسم لتتماهى مفردات الجماعة ومنهجها مع مفردات داعش والقاعدة، ولم يكن الأمر مجرد توارد خواطر بالطبع بين الاثنين بل كان لونا من الوان تقاطع المصالح انتهى إلى تنسيق بين مجموعات، على نحو ما جرى فى العمليات التى ضربت مصر منذ لحظة خروج الإخوان من الحكم، فلم يكن بمقدور تنظيم أنصار بيت المقدس تنفيذ عمليات كبيرة مثل تفجير مديرية أمن القاهرة أو مديرية أمن الدقهلية أو محاولة قتل وزير الداخلية، إلا بمعاونة فنية ولوجستية من الجناح المسلح فى الجماعة، الذى نشطت عناصره فى البداية فى توفير المعلومات وتأمين المعدات لعناصر التنظيم فضلا عن النهوض بمهمة الرصد والمتابعة.


يكشف سياق حركة الجماعة فى يناير وحضور بعض عناصرها فى الحشد والإعاشة وتوصيل الرسائل بين الميدان ومكتب الإرشاد، عبر بعض الشخصيات المغمورة داخل التنظيم مثل أيمن هدهد الذى عين لاحقا مستشارا أمنيا للرئيس المعزول مرسى، أو أسامة ياسين الذى تحدث عن الفرقة ٩٥ ثم تراجع لاحقا عن ذلك، وكيف أننا كنا بصدد جهاز خاص كان يكمن فى انتظار اللحظة المناسبة أو الحدث المناسب للحركة، شهدنا حضور هذه الخلايا فى عهد مرسى فيما سمى مجموعات الردع التى احتشدت فى الاتحادية فى مواجهة المعارضة، شهدناها فى تأمين اعتصام رابعة والنهضة والذين احتشد معظمهم فى عمارة المنايفة فى رابعة، شهدناها فى حوادث الصدام فى المنصة والحرس الجمهورى ثم لاحقا فى رمسيس وفى أحداث عين شمس والمطرية، قبل أن يتطور ظهورها وأداؤها فى مراحل لاحقة، مع تشكيل الخلايا النوعية التى برز دورها فى البداية فى تأمين مظاهرات الإخوان بالسلاح، قبل أن تتطور إلى اغتيال الشخصيات وتفجير محطات الكهرباء وأعمدة الضغط العالى، وكلنا يذكر كيف نجحت خلية نوعية فى تفجير وحدة الإمداد التى تمد مدينة الإنتاج الإعلامى بالطاقة.


الآن تدخل العمليات النوعية الإخوانية طورا جديدا فى استهداف القضاة وقيادات أمنية عبر السيارات المفخخة، التى كانت خبرات انصار بيت المقدس فى تنفيذها أكبر من خبرات مجموعات العمل النوعى، التى تتطور قدرتها هى الأخرى بشكل متصاعد بدءا من محاولة اغتيال الشيخ على جمعة الذى أعتقد أن العملية التى تعلقت به لم تستهدف اغتياله بل تخويفه، وهو ما اعتقد أن تلك المجموعات تحاول إحداثه بعمليات السيارات المفخخة التى تبدو أقل حرفية مقارنة بعمليات أنصار بين المقدس، وتسعى تلك المجموعات إلى اشاعة حالة من الرعب فى اوساط القضاة وخصوصا الدوائر التى تحاكم قيادات الجماعة، كما جرى مع رئيس محكمة الجنايات بالأمس الجمعة المستشار أحمد ابوالفتوح، والذى أعلنت حركة حسم مسئوليتها عنها وكما قلنا فى مقال سابق أن حسم والعقاب الثورة ولواء الثورة كلها اسماء مختلفة وعناوين فرعية، لعنوان عام هو النظام الخاص أو خلايا العمل النوعى الذى تسميه الجماعة العمل الثورى، وهى التسمية الكودية الجديدة للنظام الخاص، الذى عاد للعمل وتبدو خطته متصلة بخطة أنصار بيت المقدس فى سيناء، حيث تتكامل الأدوار بينهما، ينشط انصار بيت المقدس فى استهداف جيشنا فى سيناء بينما تنشط خلايا العمل النوعى فى استهداف قيادات شرطية وقضائية، كما جرى فى محاولة اغتيال النائب العام المساعد ورئيس محكمة الجنايات.


النظام الخاص الذى حرق محكمة الاستئناف فى العام ١٩٤٨ ليخفى أدلة قضية السيارة الجيب التى كانت تضم خططه وتشرح أهدافه، يحرق الأدلة هذه المرة بأن تتبرأ الجماعة من عناصره عبر هذا الانشقاق بين جناح عزت وكمال، رغم أنه لم تخرج إدانة واضحة من جناح عزت لأعمال جناح كمال حتى الآن.


المؤكد أن النظام الخاص قد عاد عبر مجموعات عنقودية لاتستطيع أن تواصل عملها دون دعم معلوماتى ومالى، هو كلمة السر فى كشف عناصره حيث تتكامل أعمال النظام الخاص مع النظام العام، الذى ينشط فى الاقتصاد عبر عمليات المضاربة على الدولار والشراء ببطاقات الائتمان وتخزين السلع الرئيسية والسعى لمفاقمة الأزمات المعيشية عبر تقليص العرض من بعض السلع الهامة كمثال لنشاط اقتصادى هدام.


الأمر يحتاج إلى تفاعل مختلف عما يجرى الآن، نحن أمام مؤامرة حقيقية لإسقاط الدولة وليس النظام على طريقة نقطة الماء المنتظمة التى تكسر الحجر، بديلا عن خرطوم ماء يخرج مائة دفعة واحدة، وربما كان ذلك نتيجة المقارنة بين عائد الخروج فى مظاهرات كبيرة ينجح الأمن فى فضها، فبدأت استراتيجية التنويع فى الحركة التى لايمكن متابعتها ورصدها بسهولة، وهو ما يستدعى رؤية متكاملة يحتشد فيها الشعب مع المؤسسات فى سياق خطة واحدة، عمادها الصراحة ووضع الشعب فى حقائق ما يجرى من تدابير وسياسات، فلن يقهر النظام الخاص سوى نظام عام لمجتمع متماسك ينسجم فيه أداء الشارع مع أداء النظام السياسى للحفاظ على هذا الوطن العزيز.