من الخازندار إلى أبو الفتوح إرهاب رصاصات الانتقام والمسدس واحد

09/11/2016 - 2:37:58

بقلم - العميد:خالد عكاشة رئيس المركز الوطنى للدراسات الأمنية

في صباح يوم ٢٢ مارس من العام ١٩٤٨م خرج (القاضي/ أحمد بك الخازندار) من منزله بشارع رياض بضاحية «حلوان» ليستقل القطار المتجه إلى وسط مدينة القاهرة حيث مقر محكمته، وكان في حوزته ملفات قضية كان ينظر فيها والتي عرفت بقضية «تفجيرات سينما مترو»، وكان من ضمن الذين اتهموا فيها عدد من المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين، وما أن خرج من باب مسكنه حتى فوجئ بشخصين هما عضوا جماعة الإخوان « حسن عبد الحافظ، ومحمود زينهم» يطلقان عليه وابلا من الرصاص من مسدسين يحملانهما.


أصيب القاضي أحمد الخازندار بتسع رصاصات ليسقط على إثرها صريعا في الحال، حاول الجناة الهرب سريعا والتصرف بهدوء، لكن سكان حي حلوان الهادئ تجمعوا فورا عقب سماع صوت الرصاصات التسع وطاردوا المجرمين، فقام أحدهما بإلقاء قنبلة على الناس الذين تجمعوا لمطاردتهما فأصابوا البعض، لكن المتواجدين بموقع الجريمة تمكنوا من القبض عليهما، في قسم الشرطة عثر بحوزتهما على أوراق تثبت انتماءهما لجماعة الإخوان المسلمين، وأثناء جلسة تحقيق النيابة تم استدعاء مرشد الجماعة آنذاك «حسن البنا» لسؤاله حول ما إذا كان يعرف الجانيين، حسن البنا في البداية أنكر معرفته بهما تماما لكن النيابة عبر تحريات الأمن تمكنت من إثبات أن «المتهم الأول/ حسن عبد الحافظ» كان السكرتير الخاص للمرشد العام للجماعة حسن البنا، وهنا اعترف البنا بمعرفته للمتهم إلا أنه نفى علمه بنية المتهمين اغتيال القاضي أحمد الخازندار.


القاضي الراحل أحمد الخازندار سجل اسمه في تاريخ الاغتيالات التي قامت بها جماعة الإخوان في مصر، والتي أدين فيها أفراد منتمون للتنظيم الخاص للجماعة، نظرا لكون القاضي الشهيد كان ينظر في قضية أدين فيها أعضاء في تنظيم الإخوان المسلمين، ففي قضايا سابقة أدان فيها بعض شباب الإخوان في الإسكندرية بالأشغال الشاقة المؤبدة في ٢٢ نوفمبر ١٩٤٧م، وبعد صدور حكم الخازندار بالإدانة والسجن على المتهمين الإخوان، قال «عبد الرحمن السندي/ رئيس النظام الخاص» أن حسن البنا المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين قال في اجتماع للنظام الخاص «ربنا يريحنا من الخازندار وأمثاله». وهو ما اعتبره أعضاء التنظيم بمثابة «ضوء أخضر» لاغتيال القاضي أحمد الخازندار، وقد ذكر الدكتور محمود عساف في كتابه «مع الإمام الشهيد» ص ١٤٧ـ ١٤٨: (دخل الأستاذ وهو متجهم، وجلس غاضبا ثم سأل عبد الرحمن السندي قائلا: أليست عندك تعليمات بألا تفعل شيئا إلا بإذن صريح مني؟ قال بلى، فقال له كيف تسنى لك أن تفعل هذه الفعلة بغير إذن وبغير عرض على مجلس إدارة النظام؟ فقال عبدالرحمن لقد طلبت الإذن وصرحتم فضيلتكم بذلك .. قال الإمام: كيف؟ هل أصرح لكم وأنا لا أدري؟ قال عبدالرحمن: لقد كتبت إلى فضيلتكم أقول/ ما رأيكم في حاكم ظالم يحكم بغير ما أنزل الله، ويوقع الأذى بالملسمين ويمالي الكفار والمشركين والمجرمين؟ فقلتم فضيلتكم: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض) فاعتبرت هذا إذنا، قال الإمام: إن طلبك الإذن كان تلاعبا بالألفاظ، فلم يكن إلا مسألة عامة تطلب فيها فتوى عامة أما موضوع الخازندار فهو موضوع محدد لابد من الإذن الصريح فيه. ثم قال: إن كان قتلك للخازندار قد تم بحسن نية فإن علينا الدية، ولكن الحكومة دفعت تعويضا كبيرا لأسرة الخازندار فأسقطت الدية عن جماعة الإخوان) .


هكذا بشكل مباشر ما كان يتم داخل التنظيم الخاص لجماعة الإخوان، حيث كان عمل التنظيم الخاص في زمن الملك فاروق يدور حول رصد الشخصيات السياسية للتخلص منها بالقتل غدرا، دون إقامة حجة أو بلاغ أو أي من تلك الأمور فبمجرد  الاختلاف في بعض المسائل السياسية يتهم السياسي بالعمالة والخيانة، ومن ثم يجب قتله والتخلص منه وهذا هو الذي شهد به تاريخهم وسجل في كتبهم وفي الكثير من مذكرات قادتهم والمنشقين عنهم، واليوم نحن أمام مشهد قديم جديد أو مستمر يجدد من استهدافاته، لاسيما ونحن نتابع المحاولات الحثيثة لاستعادة منهج الاغتيلات لتنظيم الإخوان والذي بدأت تفعيله بكثافة فيما بعد ثورة ٣٠ يونيه، وقد كان للقضاة وأعضاء النيابات العامة نصيب رئيسى فيه بالطبع في محاولة من التنظيم لإرسال رسائل رعب وتهديد لأعضاء كلا المؤسستين المكلفتين بالتحقيق فى جرائم هذا التنظيم، فالإخوان يواجهون اليوم قائمة طويلة من القضايا والاتهامات الإرهابية وغيرها يخضعون فيها للتحقيق أمام النيابة العامة، ومن ثم تتم إحالتها لدوائر قضائية عديدة للفصل القضائى فيها عبر مراحل التقاضي القانونية الطبيعية، رغم أن البعض من تلك الاتهامات يصل لدرجات عالية الخطورة، كقضايا التجسس وإفشاء أسرار الدولة إبان فترة حكم محمد مرسي عندما تورط هو وطاقم حكمه حينئذ بالعبث بأمن مصر القومى لصالح دول وجهات خارجية .


اليوم وقد بدأت رصاصات الغدر والإرهاب تستهدف أعضاء تلك الجهات القضائية هذا يدفع لأن تدق أجراس الإنذار بقوة، فقد كان حادث اغتيال الشهيد هشام بركات النائب العام السابق أكبر وأهم تلك العمليات بالإضافة إلى اغتيال ثلاثة من أعضاء النيابة العامة في مدينة العريش هى العمليات التى نجحت بالفعل، أيضا هناك ثلاث محاولات لاغتيال قضاة ينظرون قضايا لتنظيم الإخوان استخدم فيها جميعا سيارات مفخخة وهى التقنية الإرهابية الأشد خطورة، والتي فضلا عن كونها تهدد حياة القضاة بقوة أيضا هي مرشحة لأن تحصد أكبر قدر ممكن من الأرواح البريئة التي قد يتصادف تواجدها بمكان الجريمة، لذلك نحن أمام تهديد جاد وحقيقى لن يرتدع عن المضى قدما في هذا النهج خاصة وهو يسوق لأعضائه أنها عمليات انتقامية لكل من سيقوم بمحاكمة أعضاء الإخوان وقياداتهم، وهو ما يستلزم على الجانب الآخر من الأجهزة الأمنية تجديدا شاملا لأساليب الحماية والتأمين لهؤلاء القضاة وأعضاء النيابات العامة، وقد علمنا أن وزارة العدل تعد حاليا تصورا كاملا لحماية القضاة من العمليات الإرهابية خاصة المستشارين المستهدفين من الجماعات والتنظيمات الإرهابية، وذلك من خلال وضع بعض الإرشادات لهم، وتخصيص أرقام تليفونية لهم للرد على أى تهديدات يتلقونها، كما تم التنبيه على السادة القضاة بعدم وضع أي شعارات أو ملصقات على السيارات الخاصة بهم لعدم الكشف عن هويتهم، فضلا عن الإبلاغ عن أى تحركات غريبة أمام مقار عملهم أو منازلهم وسياراتهم وكذا الإبلاغ عن أى شخص يقوم بتصويرهم، والآن المجلس الأعلى للقضاء ووزارة العدل ونادى القضاة يبحثون كيفية تأمين القضاة أثناء عملهم بالمحاكم والنيابات، بالإشارة إلى أنه تتم حاليا دراسة عمل وثيقة تأمين للقضاة ضد الحوادث الإرهابية كما طرح بشكل أساسى قضية تأمين القضاة خاصة بعد تكرار حوادث استهدافهم من قبل التنظيمات والجماعات الإرهابية.


وعلى صعيد وزارة الداخلية قامت هي الأخرى باعتماد مجموعة من الإجراءات الاحترازية الجديدة لتأمين القضاة بصورة مكثفة، حيث قام وزير الداخلية اللواء مجدي عبد الغفار بإصدار تعليمات عاجلة وجه فيها كبار مساعديه بوضع تدابير أمنية جديدة لتأمين الشخصيات المستهدفة من قبل الجماعات والحركات المسلحة، وفيها طالب بضرورة تنفيذ انتشار أمني مكثف بمحيط منازل القضاة ـ خاصة الذين ينظرون قضايا تتعلق بتنظيمات الإرهاب ـ وزيادة أطقم الحراسة المكلفة بتأمنيهم، وانتقاء عناصر مدربة على أعلى مستوى في ظل التحديات الراهنة والتي بالفعل تؤكد ما ذهبنا إليه من أن القادم معبأ بخطر حقيقي في ظل معركة الإرهاب المفتوحة التي تخوضها الدولة بجميع مكوناتها، فالقوات المسلحة والشرطة والقضاء والنيابة مع الكتلة الأكبر من أبناء الشعب يدركون أن المعركة لازالت طويلة والخطر لم يتم القضاء عليه بعد، واستهداف المستشار أحمد أبو الفتوح عضو اليمين في محاكمة محمد مرسي بسيارة مفخخة في شارع مصطفى النحاس بمدينة نصر هي مجرد نموذج يترجم هذا المشهد، رغم أن الحادث لم يسفر عن ثمة إصابات لكن الرسالة أظنها قد وصلت إلى كافة الأطراف فضلا عن كونها تمثل دليلا دامغا ومتكررا على أن تنظيم الاخوان هو من يقف وراء تخطيط وتنفيذ عمليات الاغتيال والإرهاب، وليس (تنظيم حسم) الذي أعلن مسئوليته عن العملية إلا مجرد ذراع إخوانى صغير يتخفى وراء هذا الاسم المزيف، لاسيما، وهو قد خطط لأكثر من عملية إرهابية ضد خصوم مباشرين وظاهرين لتنظيم الإخوان مثلهم مثل القاضي أحمد أبو الفتوح، تم إجهاض البعض منها والبعض الآخر الذي نجح في تنفيذها، وأصدر بيان تبنى مسؤليته عنها مثل عملية محاولة اغتيال الدكتور علي جمعة والنائب العام المساعد، ووفق تلك المعطيات لابد أن تقوم الأجهزة الأمنية بوضع خطة لتنفيذ وتطبيق (منظومة حماية للشهود) كمثيلاتها المطبقة بالدول الحديثة، والتي تشمل كافة العناصرالمرتبطة بقضايا الإرهاب بداية من القضاة لأعضاء النيابات والمحققين وصولا إلى ضباط الشرطة وأفرادها، الذين سيكونون بالإضافة إلى شهود تلك القضايا محل استهداف مستمر من تنظيم الإخوان والتنظيمات الإرهابية الأخرى، وهذا البرنامج للحماية لابد وأن يكون على المستوى الأشمل من التجهيزات والتقنيات التكنولوجية الحديثة المطبقة في الدول المثيلة كإيطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وتوفير تمويل كاف لهذه التجهيزات من الممكن تدبيرها من مصادرعده لكنها في النهاية تحفظ للعاملين على قضايا الإرهاب حياتهم وثقتهم بأنفسهم، وتجهض كافة العمليات الإرهابية الانتقامية التي تسعى التنظيمات الإرهابية من خلالها لهز ثقة المجتمع بإمكانية حماية مواطنيه خاصة من هم على خط النار في مواجهة الخطر .