المخاطرة الكبرى تعويم الجنيه بين تنشيط الاقتصاد وإغراق المواطن

09/11/2016 - 1:52:01

بقلم : د. حسن أبوطالب

الخميس الثالث من نوفمبر٢٠١٦ علامة فارقة فى حياة مصر والمصريين، ليس فقط بسبب ما بات يعرف بتعويم أو تحرير سعر الجنيه مقابل العملات الأجنبية، ولكن بما سوف يحدث، بعضه متوقع وبعضه الآخر فى علم الغيب. والتعويم أو التحرير وفقا لما تم بالفعل، وحسب التفسير الرسمى هو إجراء لا مفر منه تحت مظلة عنوان كبير وهو مواصلة الإصلاح وتطبيق الشروط الضرورية التى كان يفترض أن تُطبق سابقا ولكنها تعثرت لأسباب مختلفة، حتى وصل الأمر إلى نقطة حرجة بكل المقاييس أبرز ما فيها أن حجم الدين العام يوازى تقريبا ٩٨٪ من إجمالى الدخل القومى. فى الوقت ذاته فإن مطالب المصريين الضرورية وتطلعاتهم المشروعة أكبر من الموارد المتاحة، ناهيك عن أوجه القصور العديدة فى البنية الكلية للاقتصاد المصرى، فضلا عن تَجبْر المافيات الاحتكارية للسلع الرئيسية وقدرتها الكبيرة على التلاعب بكل شىء تقريبا بداية من التحكم فى قيمة العملة الوطنية صعودا وهبوطا من خلال المضاربة عليها، وانتهاء بإفشال العديد من المبادرات الخاصة بإحياء الصناعات المصرية، سواء الكبرى المتوقفة عمدا مثل الحديد والصلب والسيارات وغيرهما، أو الصناعات الصغيرة والمتوسطة بسبب وفرة السلع والمنتجات الصينية الرخيصة والرديئة فى الآن نفسه مقارنة بالمنتجات المصرية عالية الُكلفة وباهظة الثمن.


والمعروف أن قيمة العملة الوطنية لبلد ما مرهونة بحالة الاقتصاد الكلى ومدى عافيته وقدرته على التطوير الذاتى وملاحقة الإبداع التكنولوجى فى المجالات الصناعية المختلفة، فضلا عن تعدد مجالات جلب الموارد المالية من سياحة وخدمات وزراعة وصناعة وتصدير. وبالتالى فإن انخفاض قيمة العملة الوطنية هو عرض لمرض، والمرض هنا هو تراجع الأداء الاقتصادى الكلى، ووفقا لهذا المنطق البسيط فإن إصلاح الاقتصاد الكلى هو الطريق لاستعادة عافية العملة الوطنية، وليس العكس.


وما يمكن قوله هنا أن ما حدث فى الثالث من نوفمبر هو مخاطرة كبرى لها ما بعدها. وهذه المخاطرة لها حدان، الأقصى هو إحداث انفراجة حقيقية فى أداء الاقتصادى الكلى وفقا لما يتم التبشير به من جهات مختلفة ولكن بعد حين، أما حدها الأدنى فهو إغراق المواطن تماما، بحيث يفقد ثقته فى كل ما حوله وكل من حوله. والسؤال لماذا هى مخاطرة؟ والإجابة تستدعى منا أن نتأمل السياق العام الذى تم فيه تطبيق نظام تعويم الجنيه المصرى وتركه لمصيره الذى تحدده آليات السوق بما فى ذلك المضاربة الخفية أحيانا بين شركات الصرافة الخاصة والبنوك ومافيات السلع وفروع الشركات الأجنبية الكبرى العاملة فى مصر وكبار المستوردين لما هو ضرورى وما هو غير ضرورى.


والجديد هنا هو إدخال البنوك المحلية وفروع البنوك الأجنبية فى هذه المنظومة وإعلان أنها هى المسئولة عن تحديد سعر صرف الجنيه، وأن البنك المركزى لم يعد هو المسئول عن هذه العملية، رغم أنه من صميم صلاحياته حسب القانون والدستور وكل التقاليد المعمول بها فى دول العالم أجمع، فحين تهبط قيمة العملة المحلية لأسباب طارئة أو مفتعلة يتدخل البنك المركزى فى الدولة المعنية لضبط قيمة العملة المحلية عبر ضخ عملات أجنبية مطلوبة فيعود التوازن وتستقر الأحوال. أما أن يتصور أحد أن البنك المركزى فى بلد ما سوف يتخلى عن هذا الدور، فهذا تطور غير مسبوق، ومعناه أن البنك المركزى فى هذه الحالة يتخلى عن صلاحياته الدستورية طواعية، والسؤال هنا لصالح من هذا الأمر حال حدوثه؟


السياق المصرى وخفض الجنيه


وفى السياق المصرى نلاحظ ما يلى: أن الدعوة الى تحرير العملة الوطنية بصورة فورية كانت محل اتفاق بين نخبة من الاقتصاديين ورجال الأعمال الكبار، ناهيك عن توصيات صندوق النقد الدولى، باعتباره الحل السحرى أو شرط ضرورى إلى جانب شروط أخرى، ولأنه لا يوجد فى أى بلد يريد ضبط أوضاعه الاقتصادية مثل هذا التعدد غير المنضبط والبعيد عن أى سيطرة فى قيمة العملة الوطنية مقابل العملات الأخرى، كما كان الحال فى الأشهر الأخيرة قبل قرار تحرير سعر الصرف. ويقابل هذه الدعوة رؤية أخرى ترى أن تحرير أو تعويم العملة الوطنية وإن كان مطلوبا، إلا أن هناك عنصرين مهمين لابد من وضعهما فى الاعتبار، أولهما التوقيت واللحظة المناسبة التى يؤخذ فيها القرار، والسؤال هل كان التوقيت مناسبا أم متأخرا أم كان يمكن الانتظار بعض الوقت؟، والثانى هو طريقة التطبيق، والتفضيل هو للتعويم المتدرج والمُدار بحكمة من قبل البنك المركزى فى الوقت ذاته تطبيق حزمة من الإجراءات الاقتصادية والاجتماعية التى تراعى أولا تنشيط الاقتصاد الكلى، وتراعى ثانيا الآثار التضخمية المتوقعة والتى لا مفر منها، خاصة بالنسبة للفئات الثابتة الدخل وتلك التى لا تتمتع إلا بدخل عفوى حسب الظروف، وهم البسطاء والمعدومون والعمال باليومية ومن على شاكلتهم.


أبعاد سياسية وأمنية


والجدير بالتأمل ما يتعلق بالأبعاد السياسية والأمنية التى تمر بها مصر، لاسيما تلك الدعوة المشبوهة لناشطين وجهات مجهولة فى مجملها اللهم جماعة الإخوان الإرهابية للنزول للشارع تحت زعم الانتصار للغلابة يوم الجمعة١١/ ١١. وهى دعوة تواجه تجاهلا شعبيا كبيرا وتأكيدات رسمية باتخاذ إجراءات قاسية بحق من يتورط فى هذه الدعوة المشبوهة، فضلا عن معارضة متزايدة فى وسائل التواصل الاجتماعى، رغم أن هناك من يبررها ويدعى أنه بعيد عن جماعة الإرهاب. ولا يُتصور أن المسئولين الذين اتخذوا قرار تعويم الجنيه المصرى ليست لديهم المعلومات الكافية عن تلك الدعوة والسيناريوهات المحتملة، بما فى ذلك المستبعدة منطقيا وإن كان لها نصيب ولو محدود من الحدوث. وهنا يمكن الاستنتاج بأن توقيت تعويم الجنيه لا يخلو من رسالة سياسية ومعنوية ذات دلالة، وهى ببساطة أن الحكومة والنظام العام يتحديان مثل تلك الدعوات المشبوهة، وأن الرهان هو على تفهم الشعب وتقبله ولو مضطرا الإجراءات القاسية فورا من أجل تنشيط الاقتصاد ودفعه الى الأمام بعد حين، وهو ما يمثل مفارقة بين تحمل الألم الفورى وتوقع العائد فيما بعد. وهو رهان أيضا على شعبية النظام والقائمين عليه مقابل حملات التشكيك التى لا تتوقف من جهات مُعادية لا حصر لها.


اضطراب اقتصادى غير مسبوق


لقد وصل الأمر قبل الثالث من نوفمبر إلى درجة بدت غير مفهومة وبعيدة تماما عن السيطرة، نقصد هنا تحديدا حالة الجنيه المصرى كما كانت قبل التعويم فى الشهرين السابقين على القرار، وهى حالة أقل ما توصف بها أنها متردية وعاجزة، ففى كل ساعة تقريبا كان المضاربون ينجحون فى تخفيض قيمة الجنيه المصرى، وبالتالى ارتفاع مستمر وغير منضبط لفاتورة الاستيراد وتكاليف الاستثمار وأسعار السلع، وبالتالى ظهرت الجهات الحكومية المسئولة وكأنها معدومة الحيلة وتواجه مأزقا متشابكا لا نهاية له. فى حين توالت تصريحات مسئولى صندوق النقد الدولى بأن القرض الذى تعول عليه مصر بقيمة ١٢ مليار دولار فى السنوات الثلاث المقبلة لن يرى النور إلا إذا تم تحرير سعر الجنيه المصرى وترك لحاله وفقا للسوق. وأن القرار هو قرار مصرى فى الأساس وليس قرار الصندوق الدولى. وفى صميم هذا الموقف أن الصندوق يدفع الحكومة المصرية لتصرف مهم، بل خطير ويدرك أنه غير مأمون العواقب أو على الأقل يتضمن مخاطرة كبرى، وفى الآن نفسه يبرئ نفسه من أى نتائج معاكسة قد تحدث.


تسريبات مجهولة وأبعاد نفسية


مثل هذا السياق العام لم يجعل هناك أى مخرج سوى اتخاذ قرار التعويم وفق ضوابط معينة، وهنا كان من الضرورى اتخاذ بعض الخطوات التى تمهد للقرار على أن يكون بصورة مفاجئة للجميع، حيث تجلت الطريقة التى أدير بها قرار التعويم على نحو مزج بين تسريب أخبار لمصادر مجهولة حملت الكثير من التناقضات، والكثير أيضا من التأثيرات النفسية لعموم المواطنين والمضاربين على الدولار معا. فقد تمت التأكيدات لمصادر مجهولة ومنسوبة فى الآن نفسه إلى البنك المركزى أو إلى أحد البنوك الكبرى بأن هناك تخفيضا مؤكدا فى قيمة الجنيه المصرى، ثم يأتى عطاء البنك المركزى ليُثبّت سعر الجنيه المصرى مقابل الدولار بأقل من ٩ جنيهات، وهو ما حدث أربع مرات متتالية لمدة شهر كامل. وفى الآن نفسه كان الجنيه ينخفض بقوة وبمعدلات غير مسبوقة وبات يلامس ١٨ جنيها للدولار الواحد فيما وصف بالسوق السوداء أو الموازية. ثم جاءت الشائعة الكبرى أن البنك المركزى يجهز لإطلاق عطاء بقيمة أربعة مليارات دولار لتأمين كافة الواردات الضرورية، مع التأكيد بأن الاحتياطى النقدى مقوما بالدولار قد زاد بقيمة أربعة مليارات وأن إجمالى ما تم إنفاقه على الاستيراد من الخارج انخفض مقارنة بفترة مماثلة فى العام الماضى إلى النصف تقريبا. وكان طبيعيا أن يرتفع التضخم وتجتاح أسعار كل شىء تقريبا حالة اضطراب وصعود غير مفهوم وبنسب عشوائية حسب مزاج الجهات المحتكرة للسلعة أو الخدمة، والتبرير دائما أن الدولار ارتفع فى السوق وأنه غير متوفر، بينما هو فى السعر الرسمى مازال فى حدود ٩ جنيهات للدولار الواحد ولكن هناك قيود تحول دون الحصول عليه. إلى جانب ذلك اختفاء بعض السلع الرئيسية كالسكر والزيوت والأرز، وتلميح بعض الجهات أنها سوف تتوقف عن الإنتاج إلى حين اتضاح الصورة.


لكن الغريب فى الأمر أن اليومين الأخيرين قبل صدور قرار التعويم شهدا مجموعة من التطورات المتسارعة على نحو دفع المضاربين على الدولار الذى لامس ١٨ جنيها يستشعرون الخطر ويتوقفون عن المضاربة جزئيا، وأهم هذه التطورات اجتماع المجلس الأعلى للاستثمار برئاسة الرئيس عبدالفتاح السيسى وإصداره ١٧ قرارا تضمنت تحفيزات كبرى للمستثمرين وأصحاب رؤس الأموال العاملة فى البورصة، ومن بينها إنشاء المجلس القومى للمدفوعات لخفض استخدام النقد خارج النظام المصرفى، وهو القرار الذى أثار موجة من التلميحات مجهولة المصدر بأنه سيتم تجريم كل من يتوافر لديه نقد أجنبى إن لم توضع فى البنوك، وأنه بعد منتصف نوفمبر سوف لا تحصل البنوك على أية دولارات مجهولة المصدر، وترافق مع ذلك تصريحات لكبار مسئولى الغرف التجارية بأن الدولار سوف ينخفض إلى أقل من سبعة جنيهات قريبا وأن على الحائزين عليه سرعة استبداله بالجنيه، حتى لا يخسروا المزيد من أموالهم، وجاء قرار الغرف التجارية وهم من كبار رجال الأعمال وكبار المستوردين بالامتناع عن شراء الدولار لمدة أسبوعين والتوقف عن استيراد السيارات والسلع المعمرة لمدة ٣ أشهر والطلب من المواطنين التجاوب مع هذا الأمر؛ نظرا لتأثيراته الإيجابية عليهم لاحقا.


كل ذلك أدى إلى حالة اضطراب شديد فى شركات الصرافة، وفى الآن نفسه كانت هناك ملاحقة إعلامية لسعر الدولار فى السوق السوداء، وبدأت رحلة انخفاض الدولار بجنيهين، ثم أربعة جنيهات ثم اقترب الدولار من عشرة جنيهات وسط امتناع شركات الصرافة عن البيع أو الشراء، وبدأت القصص تتوارد حول خسائر هائلة لكبار المضاربين، وبدا أن هناك قبولا عاما بأن السعر العادل للجنيه هو ما بين ١٠ و١١ للدولار الواحد.


قرار التعويم.. المفاجأة والمخاطرة


وفى ظل بيئة مضطربة ومتسارعة كهذه جاء قرار التعويم مفاجئا، رغم أنه كان منتظرا بشكل أو بآخر. وعنصر المفاجأة لم يكن التوقيت فقط، بل فى القيمة التى حددها البنك المركزى والصلاحيات التى أعطاها للبنوك فى تحديد السعر وفقا للعرض والطلب وآليات السوق الحرة، إذ تم تخفيض الجنيه بنسبة ٤٨ فى المائة ليصل ١٣ جنيها للدولار الواحد كسعر استرشادى لمدة يوم واحد مع السماح بنسبة انخفاض أو ارتفاع فى حدود ١٠ فى المائة، وبعد ذلك تتحكم آليات السوق وليس أى شىء آخر. والمفاجأة هنا تكمن فى المبالغة الشديدة فى نسبة خفض الجنيه المصرى رسميا، بينما كان المضاربون والحائزون للدولار مستعدين للبيع فى حدود ١١ جنيها أو أقل. وهنا يمكن القول أن السعر الرسمى الجديد خفف من خسائر المضاربين إن وجدت وقنن ما كانوا يفعلونه فى العملة الوطنية، ولكنه أتاح فرصة للبنوك أن تشارك فى جذب العملات الأجنبية لاسيما الدولار. الأكثر من ذلك فقد شهدنا أن البنوك بعد الواحدة ظهر الخميس ٣ نوفمبر تحولت إلى مشارك فى تحديد سعر الصرف مع شركات الصرافة، وبعض البنوك وصلت بسعر الدولار إلى ١٧,٢٥ جنيه للبيع وإلى ١٦,٢٥جنيه للشراء، وكأن التعويم هنا قد أعطى مشروعية لما كان من مضاربة غير مشروعة، ولذا رجح بعض المحللين أن يصل سعر الدولار بعد أيام محدودة إلى ما يقارب العشرين جنيها، وربما أكثر إذا لم يتجاوب حائزو الدولار مع الأسعار الجديدة. والمفارقة هنا أنه وجد أكثر من سعر بين البنوك المصرية فى الأربعة الأيام الأولى لتطبيق تحرير الجنيه، وأن الهدف الأكبر هو جمع الدولارات والامتناع عن البيع إلا فى أضيق الحدود. وكان البنك المركزى قد تعهد أنه سيرفع كافة القيود على تحويلات العملة الأجنبية بما فى ذلك القيود على استخدام كروت الائتمان فى الخارج. لكن البنوك لم تف بهذه الوعود فى الأيام الأولى والمنتظر اتخاذ القرارات التنفيذية لاحقا.


وفى كل الأحوال لم تفصح البنوك عن حصيلة ما تم جمعه من الدولارات. وتدل زيادة سعر الشراء للدولار أكثر من السعر الاسترشادى الذى حدده البنك المركزى على أن هناك إحجاما من حائزى الدولار على بيعه للبنوك انتظارا لوصوله لسعر أعلى وفقا لما رجحه بعض المحللين. كما لا توجد بيانات معلنة بشأن حركة التعامل عبر شركات الصرافة. باختصار فإن تحرير الجنيه المصرى ما زال سرا حربيا يتمتع به المضاربون أيا كانت أسماؤهم.


نتائج وتداعيات


ما هى النتائج وما هى التداعيات؟ إنه السؤال الحاكم الذى يهم المواطن، وبعيدا عن الفئة التى تتعامل مباشرة بالعملة الأجنبية، يمكن رصد عدة نتائج فورية أحدثها قرار التعويم بالطريقة التى سبق شرحها، أولها أن مدخرات المصريين بالجنيه المصرى فقدت ما قيمته ٤٨ فى المائة فى لحظة واحدة، ومهما قيل عن رفع الفائدة للوادئع بالجنيه المصرى بنسبة ٣ فى المائة وإصدار شهادات لمدة ١٨ شهرا بفائدة ٢٠٪ تصرف كل ثلاثة أشهر، فلن تعوض الخسائر التى تحققت بالفعل. أما الوجه الآخر فهو ببساطة أن حائزى الدولار فى البنوك وفى غيرها قد ارتفعت قيمة ما لديهم بنسبة ٤٨٪ مقومة بالجنيه المصرى. فالحريصون على عملتهم الوطنية خسروا والمضاربون حققوا الأرباح.


ثانى التداعيات يتمثل فى حدوث موجة تضخمية فورية غير منضبطة لكل السلع والخدمات دون استثناء، ومما زاد من وطأتها قرار الحكومة برفع أسعار البنزين والوقود بنسبة الثلث تقريبا، وهو القرار الذى أثر على أسعار كافة خدمات النقل للأفراد والسلع، وهو ما أضاف بدوره تكلفة أخرى غير التكلفة التى اضيفت بالفعل من جراء التعويم غير المُدار للجنيه المصرى. وإجمالا تشير التوقعات إلى ارتفاع التضخم بنسبة تقترب من ٢٥٪، وهو ما يعنى فى النهاية أن أصحاب الدخول الثابتة، وهم الغالبية العظمى من المصريين قد فقدوا ما قيمته ٤٠٪ أو أكثر من القدرة الشرائية للدخول التى يحصلون عليها، والفئة الأكثر معاناة هم أصحاب المعاشات التى تدور حول ألف جنيه شهريا.


صحيح أن الحكومة حسب ما أعلن رئيس الوزراء سوف تضبط الأسعار وسوف ترفع أسعار توريد بعض المحاصيل المحلية لمساعدة المزارعين، لكنها فى النهاية تصب فى زيادة تكلفة السلع والمنتجات الزراعية بالنسبة للمستهلكين.


تعزيز الاحتياطى النقدى.. رهان مؤجل


معروف أن أحد أسباب تحرير سعر الصرف هو جذب العملات الأجنبية إلى النظام المصرفى وبما يعزز الاحتياطى النقدى لدى البنك المركزى، غير أن الأمر سوف يتطلب بعض الوقت، والرهان الحكومى هو على أن هذا الإجراء سوف ينهى تحفظات صندوق النقد الدولى، وبالتالى يتم الاتفاق وتحصل مصر على الدفعة الأولى فى حدود ثلاثة مليارات وبما يعزز الثقة فى الاقتصاد المصرى. وهو رهان يتطلب بعض الحذر، وما حدث فى حالة نيجريا التى طبقت نفس توصيات وطلبات الصندوق قبل ثمانية aأشهر يشى بأن الوضع العام قد لا يتحسن بالشكل والسرعة التى يتم الحديث عنها، بل قد يحدث العكس تماما، أو يحدث التحسن ولكن بعد فترة زمنية طويلة نسبيا، وبعد أن تتوافر كافة شروط الأداء الاقتصادى الكلى الجاذبة للاستثمارات والسياحة مع زيادة كبيرة فى تصدير المنتجات المصرية.


ومن المفيد القول أن تدفق الاستثمارات الأجنبية العربية مستفيدة من انخفاض قيمة العملة الوطنية والقدرة على تحويل العائدات إلى دولارات ثم الخروج بها، سيظل محدودا نسبيا فى المدى الزمنى القريب، لأن هناك ما هو أكثر من مجرد تخفيض قيمة العملة الوطنية، فالبيئة التشريعية الخاصة بالاستثمار وتوافر اليد العاملة المدربة بحاجة إلى خطوات جبارة لا تتوافر مؤشرات جدية على حدوثها سوى النوايا الطيبة، وإن حدثت فلن تأتى بنتائج إلا بعد حين آخر من الزمن. كما أن توقع حدوث طفرة لتصدير السلع المصنعة مصريا يبدو مبالغا فيه، إذ إن كثيرا من الصناعات المصرية مرتبطة بمستلزمات أساسية يتم استيرادها من الخارج وبالسعر العالى للدولار، مما سيؤثر حتما على تنافسية المنتج المصرى.وأخيرا فإن السياحة كمصدر للعملة الأجنبية تبدو متعثرة، رغم التحسن النسبى الحادث بعد عام كامل من حادثة الطائرة الروسية، ولكن عافية القطاع السياحى ككل ما زالت منخفضة، ومازالت بعض الدول تفرض قيودا على سائحيها الراغبين زيارة مصر، كحالة روسيا التى تتذرع بعدم استكمال الشروط الأمنية فى المطارات المصرية.


كل ذلك يعنى أن قرار تحرير سعر الجنيه المصرى بالطريقة والقيمة التى تم بها، وإن شكل خطوة مهمة فى حد ذاتها، لكنها تضمنت ضغوطا حياتية هائلة على حياة المصريين بوجه عام. أما العوائد المنتظرة على المدى القريب فتتوقف على تحسن مناخ الاستثمار والسياحة والصناعة المصرية، الأمر الذى قد يتطلب مراجعة شاملة وجذرية لهذا القرار وآليات تطبيقه بعد وقت محدود.