مصر بين أزمتين

09/11/2016 - 1:47:59

بقلم - السفيرد.عزمى خليفة المستشار الأكاديمى للمركز الإقليمى للدراسات الاستراتيجية

فى إطار خطة الإصلاح الاقتصادى الثالثة، التى تمر بها مصر بعد خطة الإصلاح الأولى، التى نفذت فى عهد الراحل د عاطف صدقى، رئيس مجلس الوزراء الأسبق فى مطلع التسعينيات، وخطة الإصلاح الاقتصادى الثانية التى نفذت فى عهد الراحل د. عاطف عبيد، رئيس مجلس الوزراء الأسبق فى بداية الألفية الثالثة عام ٢٠٠٣وهى المرحلة التى شهدت أكبر عملية بيع لأصول الدولة، وفتحت الفساد على مصراعيه ليحكم البيئة الاقتصادية فى مجملها، وهى المرحلة التى استمرت حتى رحيل الرئيس الأسبق مبارك بأمر الشعب، الذى احتشد فى ميادين التحرير فى جميع المحافظات فى ٢٥ يناير، مطالبا بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، أطلقت مصر حرية سعر الصرف الأجنبى لقوى السوق أى للعرض والطلب، كما رفعت الدعم عن البنزين والمواد البترولية فى خطوة واحدة تتسم بالجرأة الشديدة، وهو ما جعل مصر تواجه أزمتين معا الأولى اقتصادية والثانية وهى الأخطر سياسية ناتجة عن كيفية حل الأزمة الاقتصادية.


ففى هذه التجربة الثالثة للإصلاح الاقتصادى كان الفارق بين تحرير سعر الصرف وتحرير سعر المواد البترولية من الدعم عدد قليل من السويعات تقل عن يوم واحد، اختفت فيها الوزاره واختفى فيها المسئولين إلا من بيان البنك المركزى الذى أدى إلى تساؤلات حول سبب السماح للشركات بوضع مبلغ ٥٠ ألف دولار شهريا مقابل سحب ٣٠ ألف دولار يوميا، ألا أن بسطاء المصريين استقبلوا تحرير العمله بارتياح حذر لأنهم رأوا أن السعر المحدد من الحكومة مازال أكبر، مما توقعوا فقد رفعت الحكومة سعر الدولار من الثمانية جنيهات إلى ثلاثة عشر جنيها، مؤكدين أن هذا الأمر سيرفع الأسعار، إلا أن رفع أسعار المواد البترولية لم يقابل إلا بالغضب لأنهم أدركوا أن المواصلات بند يومي متكررـ وبالتالى سيكون تأثيره على ميزانية الأسرة المصرية كبيرا، إضافة إلى تأثيره على أسعار نقل الخضار والفاكهة.


إذن هناك قلق فى هذه التجربة الثالثة من رفع الدعم عن البترول ومشتقاته فى نفس وقت تحرير أسعار الصرف خاصة أن رفع سعر الفائدة لن يعالج الخلل الناشئ عن تزامن تطبيق سعر الصرف الجديد مع رفع الدعم عن البترول ومشتقاته، وهى مسألة كان فى أيدى الحكومة حلها بسهولة من خلال الأخذ بقدر من التدرج فى الإصلاح إلا أن السيف قد سبق العزل الآن وحدث ما حدث فما العمل؟


بداية لى عدة ملاحظات لابد من وضعها فى الاعتبار:


الملاحظة الأولى أن عملية الإصلاح الاقتصادى اليوم ستكون أقسى وأصعب من المرتين السابقتين لأن مجمل البيئة الاقتصادية بجميع عناصرها اختلفت عن ذى قبل وزادت الأمر صعوبة، فمصادر العملة الأجنبية لمصر الأساسية أربعة وهى السياحة، وتحويلات المصريين فى الخارج، ودخل قناة السويس والصادرات البترولية وكل هذه العناصر الأربعة ضربت فى وقت واحد بالتزامن مع عملية الإصلاح، فالسياحة ضربت إثر إسقاط الطائرة الروسية بعد إقلاعها من شرم الشيخ، وتحويلات المصريين فى الخارج وضح زيادة نشاط الإخوان فى جمع العملة من المصريين العاملين فى الخليج بأسعار تفوق أسعار السوق، ودخل قناة السويس مع ثباته أو تراجعه قليلا نتيجة انكماش التجارة الدولية لأسباب لا يد لنا فيها، لا يمكنه تعويض خسارة مبالغ العملة الناجمة عن المصادر الأخرى، أما الصادرات البترولية فمع الزيادة السكانية وارتفاع الاستهلاك منها فقد تحولت مصر إلى دولة مستوردة للبترول ومشتقاته بدلا من دولة مصدرة.


وقد يتساءل البعض أين حصيلة الصادرات من العملة الأجنبية؟ الواقع يؤكد أن الميزان التجارى المصرى (الصادرات السلعية مقابل الواردات السلعية)، بل وميزان المدفوعات (السلع والخدمات المصدرة مقابل السلع والخدمات الواردة) مصابان بحالة خلل مزمنة بما يعنى أننا نستورد أكثر مما نصدر وهذا عبء تتحمله الدولة.


الملاحظة الثانية أن عملية الإصلاح هذه المرة أكثر إلحاحية من المرات السابقة فقد فكر الرئيس الأسبق السادات فى عملية الإصلاح الاقتصادى لأول مرة عام ١٩٧٧ بعد أحداث يناير الشهيرة، إلا أنه لاحظ تقاعس الشركاء العرب عن مساندته فكان قراره بإحداث تحولات جذرية على سياسة مصر الخارجية من خلال الدعوة إلى الإسراع فى حل القضية الفلسطينية فكانت دعوته الشهيرة لزيارة القدس والقاء بيان أمام الكنيست عن ملامح هذا الحل، وردا على قرارات مؤتمر بغداد بمقاطعة مصر جاءت دعوته الشهيرة أن ستنا هاجر زوجة النبى إبراهيم وأم سيدنا إسماعيل أبو العرب كانت مصرية، وبالتالى فالعرب هم من ينتسبون لمصر وليست مصر التى تنتسب للعرب، إلا أن بعض التيارات السياسية بقصر نظر حاد دعت إلى القومية المصرية، وآخرين دعوا للفرعونية فى إطار مزايدات لم تكن مطلوبة، فالإصلاح الاقتصادى لمصر هى قضية عربية أساسا وليست مصرية فقط لأن مصر هى بوصلة العمل السياسى العربى، وانظروا إلى فترة المقاطعة العربية، وانظروا لحال أمتنا العربية بعدها وستعرفون ماذا يعنى ذلك.


الملاحظة الثالثة: أن الإصلاح الاقتصادى الآن يأتى فى ظل تحولات سياسية حادة تمر بها أمتنا العربية، فالرئيس السيسى جاء بعد ثورتين قام بهما الشعب المصرى فى ٢٥ يناير و٣٠ يونيه/ والثورتان جوهرهما واحد هو تأكيد دور الشعب فى المعادلة السياسية، ولذا ثار الشعب ضد حاكم مدنى فى يناير استهدف إقصاء الشعب عن الحكم، بل وتوريث الحكم، وفى الثانية ثار نفس الشعب ضد حكم دينى حاول إقصاء الشعب عن الحكم، وهو حكم الإخوان المسلمين، وإن كان طرف من أطراف الثورة المضادة وهم أبناء مبارك وبعض رجال الأعمال أسهموا فيها على أمل القضاء على الثورة وإعادة عقارب الساعة للوراء من خلال المحافظة على تحالف رأس المال مع السلطة السياسية، وهو مالم يتم نتيجة الموقف الشعبى من هذا التحالف، الذى لم ينتج سوى الفساد ومن ثم فالإطار القانونى للإصلاح هذه المرة أكثر مناسبة، لأننا نبدأ من الصفر، وإن كان مجال مكافحة الفساد مازال محتاجا لمزيد من العمل، وتحديدا فى تنقية القوانين الاقتصادية من الفساد، الذى مازال يشوبها، خاصة أن سقف التوقعات المطلوبة من الحكومة الوصول إليه أعلى كثيرا من السياسات المتبعة.


الملاحظة الرابعة: أن خطة الإصلاح الاقتصادى تتعدى السياسات المالية والنقدية واستخدام سعر الفائدة فقط، فهذه مجرد خطوة على الطريق فى إطار سياسات أوسع تشمل خفض الإنفاق وخاصة الإنفاق الحكومى، الذى لايزال بعيدا عن السيطرة، ووضع نظام لضريبة تصاعدية وضريبة على رؤوس الأموال (البورصة) ولا داعى للتحجج بالخوف على المستثمر العربى والأجنبى، فأى حكومة تتمتع بحد أدنى من الرشادة ينبغى أن تخشى الله أولا ثم شعبها، وعلى الحكومة أن تتذكر دائما أن مصر شهدت ثورتين فى أقل من عامين وهو مالم يحدث فى دولة أخرى، فالإصلاح الاقتصادى يحتاج إلى حلول من الداخل أولا غير تقليدية وغير معتادة، ثم تأتى الروشتة من الخارج من الصندوق أو البنك الدولى لتنفيذ ما يناسبنا منها، فالإصلاح داخلى أولا وأخيرًا والدليل على ذلك أن الإصلاح الاقتصادى فى نهاية التسعينيات نجح فى ماليزيا بفضل رؤية مهاتير محمد بعيدا عن البنك الدولى وصندوق النقد، فى حين أنه نجح فى بلاد أخرى مثل هونج كونج واندونيسيا وسنغافورا بالتعاون مع الصندوق والبنك الدولى بعد أن وصل الوضع الاقتصادى لهذه الدول إلى مرحلة الانهيار الاقتصادى بالفعل.


الملاحظة الخامسة: إن مرحلة ما بعد تحرير سعر الصرف ورفع الدعم عن المواد البترولية تتطلب تدخل الحكومة وإحكام قبضتها على الأسواق، وهذا لا يمثل إخلالا بالحرية الاقتصادية، وإنما يمثل كبحا لجماح الفساد والجشع لأن السلوك البشرى إجمالا فى أى دولة بالعالم يميل إلى تحقيق أكبر ربح ممكن حتى وإن أدى لتدميرالبيئة والمستقبل، ومن ثم وجب على الحكومات إحكام سيطرتها على الأسواق وتوفير السلع الرئيسية بأسعارها الحقيقية، فالسوق لا يتوازن من خلال آلية العرض والطلب فقط فهناك المضاربون، وهناك الأساليب الفاسدة لتحقيق الربح، وهناك المخربون وهناك دعوة ليوم ١١/١١، التى تحتاج ليس لضبط الأسواق فقط، ولكن ضبط الأمن أيضا.


كل ما تقدم يرتبط بالأزمة الاقتصادى، فما هى الأزمة الأخرى التى أشار إليها عنوان المقال؟


الأزمة الأخرى هى أزمة سياسية يمكن أن تقضى على كل مكاسب الإصلاح الاقتصادى ويجب التنبيه إليها، لأن البعد السياسى فى هذه المرحلة يحتاج أن يتواكب مع البعد الاقتصادى، لأنه يمثل الظهير للحل الاقتصادى، الذى وضحت قسوته للجميع وبالرغم من ذلك قبله الشعب أملا فى الوصول إلى بر الأمان.


فمثلا مع صباح الجمعة أى اليوم الثانى لاتخاذ القرارات الاقتصادية، التى اعترف الرئيس بنفسه بصعوبتها نفاجأ ببعض رجال الأعمال وشخصيات مرتبطة بهم وبعض الدوائر الحكومية قصيرة النظر ينشدون من جديد نغمة خسائر ٢٥ يناير، والبعض يؤكد أنه لا يوجد شعب فى الدنيا تطبطب عليه حكومته مثل الشعب المصرى، أو أنه الشعب المسئول عن خراب مصر نتيجة قيامه بثورة يناير وإهانة رموز الدولة أو أن المطلوب من الشعب اليوم شد الحزام ودعم الحكومة، أو أن السيسى قد تصالح مع نظام مبارك.


هذا الطرح يعنى أننا لم نفهم ما حدث فى مصر، وبالتالى فإننا نعرض البلد دولة ومجتمعا لهزة عنيفة لا يعلم مداها إلا الله، لأن ٢٥ يناير مصرة على تحقيق كامل أهدافها، وقد ظهر ذلك بوضوح تام فى ٣٠ يونيه فبالرغم من مرور أقل من عامين على ٢٥ يناير إلا أن الشعب قام بثورته الثانية ضد من سرقها أى ضد الإخوان، حينما تيقن أنهم لم يختلفوا عن نظام مبارك فى مسألة عزل الشعب عن الحكم، وفى مسألة تحصين من يتولى منصب الرئيس ضد مساءلته إذا أخطأ من خلال فكرة التوريث فى الحالتين، فى حالة مبارك من خلال التوريث للابن وفى حالة الإخوان من خلال توريث العشيرة، والغريب أننا نجد اليوم من يقول بالمصالحة مع نظام مبارك، وهو محكوم عليه حكما نهائيا بالسجن هو وولداه بتهمة مالية مخلة بالشرف، وهو أمر ينبغى توقف الدعوة إليه.


كذلك الثورة فى يناير استمرت حتى ٢٨ يناير ثورة نقية لحين خروج الإخوان ومحاولة استيلائهم على السلطة والثورة، ولم تشهد البلد خلال تلك الفترة أى مظاهر للفوضى، ولكن الحقيقة الواضحة أن الفوضى التى ارتبطت بالثورة كانت من فعل الثورة المضادة سواء الإخوان أم أبناء مبارك الذى أكدها واضحة: إما أنا أو الفوضى، وكانت ما سميت معركة الجمل واضحة المعالم، فالإخوان تظاهروا بالانضمام للثورة التى انقلبوا عليها فيما بعد فى معركة الاتحادية، ورجال أعمال مبارك مولوا بلطجية الهرم، وانفتح الطريق أمامهم إلى قلب الميدان، فكان الثوار لا يملكون سوى التليفونات المحمولة (أداة ثورة المستقبل)، والقادمين من الهرم يستخدمون وسيلة من التاريخ البعيد (الجمل والحصان) ومنظر شباب الإخوان أعاد للإذهان ماحدث فى جامعة الأزهر قبل الثورة بعامين وتغاضت الدولة عنه.


وبالتالى فمن خرب اقتصاد البلد كان أبناء الثورة المضادة لأنهم لم يكن لهم مصلحة فى نجاح الثورة، فمبارك وضح له أن نجاح الثورة ليس فى صالحه فهدد بالفوضى، وجاء تخليه عن السلطة فى ظرف استثنائى أجبر عليه نتيجة تخلى الجيش عنه، ولذا خالف الدستور بالتخلى عن السلطة لوزير الدفاع إمعانا منه فى إحداث فوضى فى البلاد، وهو أمر ينبغى أن يحاسب عليه فبعد ٣٠ عاما من الحكم يخالف نص دستورى واضح، وكأنه يتصرف فى أملاكه.


وكانت الثورة مدعمه بقيم فكرية دافعة للتنمية فى مفهومها الشامل مثل الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية وكان شعار العيش دلالة قوية أن القيم المادية الخاصة بمستوى المعيشة والسيارة والمنزل والراتب قد تراجعت فى الأولوية، ولذا فالثورة المصرية كانت فى إطار حركة ثورية فى العالم أجمع شملت إسبانيا والبرتغال واليونان ولندن وول استريت ونيويورك وايسلند ودول الشمال والأرجنتين والبرازيل خلال الأزمة المالية عام ٢٠٠٨ ثم استكملت فى أمريكا وبريطانيا فى العام الماضآ، وعبرت عن نفسها فى انسحاب بريطانيا من السوق المشتركة وفى أحداث تكساس، وكانت هذه القيم قد عبرت عن نفسها فى إطار تظاهرة عامة فى ١٥ أكتوبر عام ٢٠١٠ أى قبل أحداث الربيع العربى فى ٩٥١ مدينة عالمية تنتمى لـ٨٢ دولة.


إن استمرار الإشارة إلى مسئولية الشعب عن التخريب، واستجابته للمؤامرة، والادعاء بأنه أهان البلد قد تدفعه للتشدد مع أنه للآن لايزال مؤكدا أنه رغم اختلافه بشأن بعض السياسات، إلا أن ذلك لا يعنى الوقوف ضد الرئيس فى الإصلاح، ومن ثم فاستكمال إجراءات بناء الثقة بين الطرفين تتطلب إيقاف هذا الهجوم ضد الثورة، فمصر تولد من جديد مع الأزمات، حدث هذا عام ١٩٥٢، وعام ١٩٥٤، وعام ١٩٥٦، وعام ١٩٦٧، وعام ١٩٧٣


ويمكن استكمال بناء الثقة عبر الإعلان عن إقرار نظام من الضرائب التصاعدية، وهى الضرائب التى سبق وطالب بها أحد رجال الأعمال (محمد فريد خميس) وتشغيل المصانع المتوقفة عن العمل وتخفيض الإنفاق لحكومى، وتطبيق الحد الأقصى للأجور.


إن الحالة النفسية للشعب ينبغى أن تكون موضع اهتمام الجميع، فالثورة فكرة، والفكرة تنتشر أكتر، وتنتشر بسرعة من شخص لآخر ومن جيل لجيل، خاصة أن هذه القيم كما ذكرنا قيما عالمية ذهنية لا مادية لأنها تكشف عن شخصية الإنسان، وقد أثبت مسح القيم العالمى، الذى أجرى بمصر فى نهاية ٢٠١٤ وبداية ٢٠١٥ قد أثبت ذلك وأثبت تمسك الشعب بهذه القيم أكثر، مما قبل.


إن استمرار مصر بين الأزمتين: الاقتصادية والسياسية هو أمر معرقل للتنمية الاقتصادية ومعرقل للإصلاح الاقتصادى، ويؤثر سلبا على الثقة المطلوب توافرها بين الحاكم والمحكومين، وهو أمر يسعى إليه الرئيس السيسى، إلا أن بعض التصرفات الحكومية وغير المسئولة تؤكد العكس، مما يتطلب ضرورة حسم هذا التناقض ودعم وحدة اللحمة بين الشعب ورئيسه والقوات المسلحة والشرطة فى المرحلة القادمة.