المتهربون من حق الوطن

09/11/2016 - 1:38:09

تقرير يكتبه: أحمد أيوب

عندما تصل المزايدات أقصى حد لها، وتصبح مصر رهينة فى يد بعض المدعين ومن يرتدون ثوب الوطنية ويتقمصون دور الخائفين على البلد، فلابد أن نتحدث دون مجاملة وأن نشرح للمواطن حتى لا يترك أذنه لمن يعتقد أنهم أهل الضمير فى بلدنا.


من أسف أن نجد كل مساء زعماء يطلون علينا من شاشات الفضائيات، مذيعون أو ضيوف، وينتقدون كل شىء ويطالبون المواطن مرة أن يربط الحزام ويراعى بلده، ومرة بأن يثور ويغضب ويتمرد من أجل بلده، والمواطن، أغلب المواطنين، بسطاء ينخدعون بوجوه يرونها من خلف شاشات تحجب الكثير من الحقائق التى لو ظهرت لكانت فاضحة لهؤلاء.


اذا كان المثل الشعبى “ياما فى الحبس مظاليم” فالمثل الإعلامى “ياما على الشاشات مدعين”، لكن لأن المصالح غالبة هؤلاء يسترون عورات بعضهم ويتعاملون بمنطق “اللى بيته من زجاج” ولا تفضحنى ولا افضحك، وخلى الطابق مستور، مستور على مين، على المواطن الغلبان المخدوع بالوهم المنصوب عليه عمدا مع سبق الاصرار والترصد.


نسمع مثلا من يتحدثون عن أزمة البلد ومعاناتها اقتصاديا وضرورة أن يقف كل المواطنين بجانب بلدهم وأن يعلن الـ٩٠ مليون مواطن تقشفهم رحمة وشفقة وتضامنا مع بلدهم، وللأمانة الدعوة فى محلها ولابد منها، فالتقشف فرض واجب على كل من استطاع اليه سبيلا، لكن السؤال .. هل يمكن أن يضرب هؤلاء الداعون للتقشف المثل بأنفسهم للمواطنين؟!


مثلا رأينا الرئيس عبد الفتاح السيسى عندما طالب المصريين بالتبرع لمصر ومساندتها ضرب قدوة فى الإيثار وتبرع بنصف راتبه وثروته لمصر، فكانت دعوته لها مصداقية فكم من الوزراء والمسئولين الحكوميين وكبار رجال الدولة ساروا على نهج الرئيس؟!


هل يمكن مثلاً أن يخرج لنا بيان من مجلس الوزراء يعلن لنا ماذا فعل رئيس الوزراء ليكون قدوة مثلما فعل رئيس الجمهورية وكم وزيرا تبرع ولو بربع مرتبه، وكم موظفا كبيرا فى هذا البلد ممن يتقاضون عشرات الالاف قالوا أن لبلدنا علينا حقا وتنازلوا ولو عن مبلغ بسيط لمصر؟!


هل يخرج علينا بيان من وزير البترول ليحدثنا عن نصيب مصر من رواتب رؤساء الشركات والقطاعات، والذين أعلم تماماً أنه لم يطبق على أغلبهم الحد الأقصى للأجور الذى لم يطبق إلا على.. الغلابة فقط؟!


هل يمكن أن نعرف ماذا قدم رؤساء البنوك الذين صرخوا من قانون الحد الأقصى للأجور واعتبروه ضد الدولة وسبباً فى هروب الكفاءات ولجأوا إلى كل الوسائل من أجل التخلص منه، فهل هناك رئيس بنك واحد أو أى مسئول مصرفى تجرأ وخصص جزءا من دخله لبلده؟!


لن أتحدث عن رؤساء الجامعات وعمداء الكليات، وما أعلمه فقط حتى الآن أن عميد كلية الحقوق جامعة القاهرة تبرع بمرتبه طوال فترة عمادته وشكره رئيس الجامعة بخطاب رسمى على ذلك، لكنى لم اسمع عن آخرين فعلوا هذا الأمر، لا من العمداء فى جامعة القاهرة، ولا غيرها من الجامعات أو المعاهد.


لن أتحدث عن السفراء أو من فى نفس مستواهم من مسئولى المنظمات الدولية من المصريين، وربما سأذكر هنا فقط عندما كان السفير بدر عبدالعاطى متحدثاً رسمياً كانت التعليمات بإطفاء نصف لمبات نجف مكتبه وتخفيض كل النفقات، لكن لا أعلم ماذا حدث بعد ذلك..


لن أتحدث عن نواب الشعب الذين جاءوا إلى موقعهم تحت قبة البرلمان بأصوات المواطنين، ومتوسط دخلهم الشهرى من البرلمان يقترب من العشرين ألفاً وأغلبهم ليسوا فى حاجة لها لأنهم إما ميسورو الحال، أو رجال أعمال - فهل تبرعوا لمصر؟!


وبنفس المنطق أتساءل ما هو حق مصر على نجوم كرة القدم الذين يتقاضون الملايين ولولا الجمهور المصرى الذى يصنع منهم نجوما ويجعل لهم سعرا ما وصلوا إلى هذه الارقام، فكم لاعبا تبرع لمصر بجزء من دخله، كم لاعبا ضرب المثل لجمهوره وقرر أن يتقشف ويعيش حياة بسيطة دون مبالغة فى المظاهر والجرى وراء الماركات العالمية واللبس بالدولار واليورو أعلم أنهم يدفعون الضرائب لأنها مفروضة عليهم، لكن وما هو نصيب البلد من تبرعاتهم.


ولا يختلف عن هؤلاء نجوم الفن الذين لا قيمة لهم ولا ثمن دون أن يقف الجمهور على شباك التذاكر ليشاهد أفلامهم أو يجلس أمام التليفزيون ليتابع أعمالهم الدرامية، والغريب أن أغلب هؤلاء النجوم حتى لا يفكرون فى حق هذا المواطن الذى منحهم هذه الثروة من فلوسه القليلة بألا تصرف هذه الأموال فى محلات أوربا لشراء ملابس وأطعمة ومشروبات مستوردة، فما دفعه المصرى يستحق أن ينفق فى مصر، وليس لشراء سيارات “لامبرجينى” أو للفسحة فى باريس وهوليوود وجزر الكاريبى.


فليبن هؤلاء قصورا فارهة وليقضوا أوقات فراغهم فى أرقى الاماكن وليسافروا إلى مارينا أو شرم الشيخ كما يريدون لكن البلد أولى بفلوس شعبها، وليعلم هؤلاء أنه لولا الخمسين جنيها التى يدخرها كل شاب مصرى من مصروفه ليدفعها فى تذكرة فيلم ما كانت لهم كل هذه النجومية وما تحققت لهم كل هذه الثروات.


وطالما نتحدث عن مراعاة ظروف البلد والمواطن الذى لم يجد من يحنو عليه، فالمفترض اننا جميعا كما نطالب الدولة بأن تحنو وتترأف بالمواطن فهناك من أهل المهن الحرة من يجب عليهم نفس الحنو على المواطن، وأولهم الأطباء الذين وصلت فيزيتا بعضهم الآن لما يزيد على ٣٠٠ أو ٥٠٠ جنيه وبعضهم قارب الألف جنيه قيمة الكشف على الحالة، ولا أعلم من قال أن من حق كل طبيب أن يحدد قيمة الفيزيتا براحته وعلى مزاجه فى مجتمع مثل مصر نصف شعبها يعانى الفقر والعوز.


ألا يحق للمصريين أن يطمعوا فى بعض الرأفة الطبية من رجال الرحمة والانسانية، على الأقل يشاركون المواطنين ويساعدونهم على التقشف.


ألا يحق للمواطنين الغلابة المقهورين بفعل الظروف التى تمر بها البلاد أن يجدوا معلمين يقدرون هذه الظروف ويعملوا بضمير ويقدموا العلم لأبنائهم فى مدارسهم دون إجبارهم على الدروس الخصوصية؟


وبنفس المنطق يمكن أن نتحدث عن الصنايعية واصحاب السوبرماركت والمحلات والجزارين والفكهانية وسائقى الميكروباصات.


ألا يحق للمصريين الفقراء البسطاء أن يجدوا أى قدر من المساندة لهم ودعم بلدهم من رجال أعمال وتجار، أعلم طبعا أن هناك من رجال الأعمال من لهم أياد بيضاء ومشروعات ودعم لمشروعات انسانية ومساندة للبلد، ما بين جمعيات أهلية ودعم للمتميزين واقتحام لمناطق خضرة من أجل البلد وإعادة تأهيل قرى وانقاذ آلاف الأسر فى مناطق حدودية لكن كم تبلغ نسبة هؤلاء من مجتمع رجال الأعمال، بالتأكيد قليلة جدا، بينما الغالبية لا يفكرون سوى فى كنز المليارات وشفط ما فى جيب المواطن، ولهم فى ذلك حيل كثيرة، وبعضهم تهون عليه الملايين تحت أقدام راقصة لكنه لا يقبل أن يساهم فى مشروع شعبى أو لدعم البلد ويبحث عن طريق للتهرب منه.


إننا فى بلد غريب يجمع كل المتناقضات والتى تصل احيانا إلى أن بعض الأثرياء يشتكون الغلاء بينما أقل قطعة ملابس يرتدونها يزيد ثمنها على مرتب عشرين وكيل وزارة، وأقل سيارة يمتلكونها تتخطى المليون جنيه، ويشترون الساعات بالجملة، والبدل بالدستة.


أنا لا احاسبهم لأن أقل رد يمكن أن اسمعه كلمة واحدة” بفلوسى” وربما يضيف “أنا بادفع حق البلد ضرائب” وأنا لا اعتراض لى على ذلك، وانما كل ما أقوله أو اتمناه أن يشعر هؤلاء بالغلابة وأن يراعوا بلدهم وأن يمدوا يدهم اليها وليتذكروا كيف كان حالهم قبل أن يكونوا من الأثرياء، وليدركوا أن الأثرياء ليسوا فى مأمن لو شهدت البلد ثورة جياع ولن يستطيع أحد أن يهرب منها بل سيطالهم ما يطال الجميع.


ولن أنسى هنا كبار المذيعين والاعلاميين الذين تتجاوز مرتباتهم الشهرية ربع مليون واحيانا تتخطى النصف مليون أو المليون مقفولة، وبعضهم يفضل قضاء الإجازة الاسبوعية خارج مصر، بينما على مدار الاسبوع يحدثونا عن البلد وظروف البلد والاصلاح الاقتصادى، وبلاش اسراف، وساندوا البلد، وشجعوا السياحة واشترى على قدك، وكل ما له علاقة بهذه النصائح الفضائية للخروج من الأزمة الاقتصادية.


لن أنسى المتهربين من الضرائب والذين تتجاوز ديون الدولة لديهم نحو ٢٠٠ مليار، والمتخلفين عن سداد ما عليهم لخزينة الدولة، وهو يزيد على مائة مليار لكن هؤلاء لا عيب عليهم وانما العيب على من تركهم يتهربون دون حساب ومن فتح لهم الباب واسعا ليحرموا الشعب من حقوقه عليهم.


لن أنسى من يبيعون السلع بضعف أسعارها للغلابة دون أن يتحلوا بأى قدر من الضمير، وأغلبهم يمسكون فى أيديهم “السبحة” لزوم رسم التقى والورع.


لن أنسى بعض النشطاء ممن أصبحوا مليونيرات من سبوبة النشاط المدفوع الذى يمارسونه على حساب الشعب ويتمتعون بكل سبل الرغد ويدعون دفاعهم عن لقمة الغلابة وحق البسطاء وفى آخر اليوم يقيمون الحفلات ويبيتون فى الفنادق أو يسافرون إلى دول اوربا!


لن أتحدث عن المناضلين الذين يتاجرون بالنضال ويقبضون بالدولار وبعضهم يبتزون رجال الأعمال حتى أصبحت لديهم ثروات ضخمة ولا يفكرون لحظة فى حق البلد، الخلاصة اننا نعيش فى وطن جسده يئن من أزمة اقتصادية طاحنة ومؤامرة من لا يراها أعمى البصر والبصيرة، ويحتاج هذا الوطن أن يقف ابناؤه بجواره، لا نطلب منهم التنازل عن حقوقهم وانما أداء حقوق الوطن، فهل هذا عيب أو حرام، هل جريمة أن نتحدث عن حق الوطن فى بلد لا يخجل احد عن المطالبة بحقه..


هل جريمة أن نطالب المقتدرين بدعم بلدهم مثلما يدعم بعضهم جماعة ارهابية بنصيب ثابت من دخلهم، فهل الجماعة أبقى من الوطن وأهم من الشعب؟!


بالتأكيد ليست مطالبتنا لهؤلاء جريمة بل هذا هو الأصل الذى يجب أن يكون على الأقل حتى تقوم البلد من وعكتها وتعتمد على نفسها ولا تمد يدها لمن يستغلون دعمهم فى تحقيق مصالح على حساب الوطن.


أعتقد أننا لو صمتنا عن حق الوطن لدى كل هؤلاء فسنكون شياطين خرساء وأنا شخصيا لن أقبل أن أكون شيطانا فى بلد يتآمر عليه الأبالسة.