من يتحدث باسم الفقراء فى مصر؟!

09/11/2016 - 1:34:01

بقلم: يوسف القعيد

من العبارات التى توقفت أمامها طويلًا فى التراث الإسلامى، بل وصدّرت بعض رواياتى بها عبارة لأبى ذر الغفارى، يقول فيها:


- عجبت لمن لا يجد القوت فى بيته


كيف لا يخرج على الناس شاهرًا سيفه؟


وعبارة أخرى للإمام على بن أبى طالب، سيد البلاغة العربية:


- أينما توجد مصلحة الناس، يكمن شرع الله.


لذلك أرى أن الفقراء الذين وصفهم علماء الاجتماع بأنهم أحباب الله، هم الحقيقة الباقية فى هذا البلد، يأتى الأغنياء ويذهبون، يطفو الأثرياء على وجه الحياة ويعودون مرة أخرى إلى دوائر النسيان، يستفزون الناس بغناهم، لكن الفقراء هم الحقيقة الباقية، لأن الغنى مهما استمر غناه لا يستطيع أن يقنع الناس من أين أتت أمواله؟


ليس معنى هذا أن الغنى جريمة، يجب أن يعتذر عنها الغنى، لكنى شديد الإيمان بعبارة الروائى الفرنسى الشهير موباسان التى يقول فيها:


كل ثروة كبيرة تخفى جرائم أكبر.


ليس معنى كلامى أن الفقر نعمة، فنحن عندما نتكلم عن الفقراء نتطلع إلى الشريحة الدنيا من الطبقة الوسطى ولا نحب استخدام كلمة الفقراء، لأنهم هم أنفسهم لا يحبون التوسع فى استخدام هذه الكلمة، فالفقير يعيش فى الدنيا وكأنه يكفر عن ذنب، ويعانى من نظرة الآخرين له، وفى بعض الأحيان يعانى من نظرته هو إلى نفسه.


دون الدخول فى الإجراءات الاقتصادية التى تتم الآن، وأنا لست مستريحًا لها، ولا أرى حتى الآن أنها يمكن أن تشكل بر أمان حقيقى لمصر، وما كنت أتمنى أن تقدم كحزمة واحدة مرة واحدة، وحتى من يقولون أن الإجراءات سليمة، وأنها تأخر إجراؤها، فأتصور أن التوقيت ليس مناسبًا، بل ربما كان خاطئًا.


قلت لوزير المالية عمرو الجارحى عندما قابلته صدفة أثناء خروجى من مجلس الوزراء فى مقره الكائن بهيئة الاستثمار بصلاح سالم، عند آخر حدود العباسية وأول حدود مدينة نصر، وكنا قد تقابلنا صدفة.


كان يتحدث عن قانون ضريبة القيمة المضافة الذى كان متوقعًا عرضه على البرلمان، وقد أبلغته رفضى، وكنت قد سبق أن أبلغت المهندس شريف إسماعيل نفس الموقف، وشرحت مبرراتى بكلام طويل لا أحب أن أكتبه الآن حتى لا أكون قد تجاوزت أسرار الكلام الخاص، وحولته بقرار منى إلى كلام عام.


وعندما سألنى عمرو الجارحى عن السبب، حكيت له ما جرى فى يناير ١٩٧٧، وقلت له دون الدخول فى تفاصيل تاريخية نعرفها جميعًا أن أفضل ما جرى فى يناير ١٩٧٧ كان تراجع الرئيس السادات عن قرارات رفع الأسعار فى الوقت المناسب.


قال لى:


- إن تراجع السادات عن قرارات رفع الأسعار وقتها كان من الأخطاء التى ندفع ثمنها حتى الآن.


ويبدو أن كلامه معى وقتها كان مذكرة تفسيرية للإجراءات التى داهمتنا مؤخرًا.


ليفعلوا ما يشاءون، لكن حقيقة الحقائق التى لا يجب أن تغيب عن البال لحظة واحدة أن الفقراء هم جسم المجتمع المصرى الآن، بعد أن تآكلت الطبقة الوسطى ولم يعد لها وجود إلا فى خيالات الكتاب وأبحاث علماء الاجتماع، أما فى الواقع فلا يوجد فى مصر سوى الأثرياء جدًا والفقراء جدًا.


ومن يذكر أدبيات المسرح والرواية والقصة، بل والشعر الذى كتب فى خمسينيات وستينيات القرن الماضى كان يجد تقسيمة طبقية تحدد المجتمع بثلاث فئات – لأن الطبقة بمعناها السياسى والاجتماعى والاقتصادى لم تعرفها بلادنا أبدًا – الفقراء والأغنياء وبينهما الفئة الوسطى التى كنا نقول عنها صمام الأمان فى المجتمع المصرى فى كل تاريخه منذ أقدم العصور وحتى الآن.


ليفعلوا ما يشاءون، لكن لا يجب أن تغفل أعينهم عن الفقراء، فهم الحقيقة الأولى والأخيرة، وهم جيش الرئيس عبد الفتاح السيسى الحقيقى، ثم إنهم صمام الأمان من أجل أن تبقى مصر وأن تستمر مصر ولا نسلمها لمصير مجهول.


انظروا أمام محلات الفول والطعمية فى الأحياء الشعبية أو الأحياء المتوسطة، ولاحظوا من يترددون على محلات الكشرى لتعرفوا أن فى مصر الآن من يعانى أشد المعاناة بحثًا عن لقمة العيش التى تشكل الحد الأدنى لأى إنسان فى كل زمان وكل مكان.


بقى أن أقول أنه ليس من حق أحد أن يتكلم باسم الفقراء، وأن يجعل نفسه وليًا لأمرهم ولا يحدد لهم خطاهم، فهم يعرفون ما يريدون، ويرفضون ما لا يريدون، ولا وصاية لأحد عليهم.


حذار من الكلام باسم الفقراء، واستغلال فقرهم لتحقيق أمور سياسية بعيدة عنهم، لأن من يتكلمون باسمهم ظلوا ضدهم على طول الخط، والتفاصيل كثيرة، والهم على القلب يوشك أن يوقفه عن الخفقان.