الموقف التركي في الحرب علي داعش حسابات المكسب والخسارة

07/10/2014 - 10:52:50

صوره أرشيفيه صوره أرشيفيه

تحليل اخباري تكتبه – عزه صبحي

اتسم الموقف التركي إزاء المشاركة العسكرية في التحالف الدولي ضد تنظيم داعش الإرهابي بالغموض أحياناً والتردد أحياناً أخري.. مصالح تركيا الداخلية والإقليمية وعلاقتها بالقوي الكبري والمتغيرات التي تتحكم في تلك المصالح كانت سبباً وراء هذا الموقف. 


تحسم تركيا موقفها من المشاركة العسكرية في التحالف ضد داعش والذي تعقده الولايات المتحدة خلال الأيام القليلة القادمة وذلك عندما يقر البرلمان التركي التفويض الذي طلبته الحكومة لاشتراك للجيش التركي في العمليات العسكرية ضد داعش في سوريا والعراق.. تركيا أخرت موقفها في هذا الشأن إلي ما بعد لقاء الرئيس أردوجان والرئيس الأمريكي أوباما الذي تم في نيويورك علي هامش اجتماعات الأمم المتحدة، حيث بحث الرئيسان الطلبات والشروط التركية للمشاركة في العملية العسكرية إلي جانب حدود الدور التركي في هذه القضية خاصة أن لتركيا حسابات مختلفة تماماً عن الحسابات الأمريكية والغربية. 


من الناحية الواقعية فتركيا مشاركة في التحالف الدولي ضد داعش بحكم كونها عضواً في حلف شمال الأطلنطي.. كما أن وجود قواعد الحلف علي أراضيها بالإضافة إلي أنها الدولة الوحيدة من بين أعضاء حلف الناتو التي تملك حدوداً تمتد للكيلو مترات طويلة مع كل من سوريا والعراق أرض المعارك المتوقعة ضد داعش كل ذلك جعل عدم مشاركتها عسكرياً أمراً مستبعداً، لكن الأمر توقف علي أسباب ومتغيرات عديدة. 


الأسباب المعلنة لتأخر المشاركة العسكرية التركية في ضرب داعش كثيرة أهمها الانتظار حتي الإفراج عن الرهائن الأتراك لدي تنظيم داعش في العراق بعد مهاجمة القنصلية التركية في الموصل.. والخوف من حدوث أعمال انتقامية ضد داعش في الداخل التركي وأيضاً احتمالات وجود تعاطف شعبي بدرجة أو بأخري مع التنظيم بحكم رعاية تركيا للتنظيمات المتطرفة في الفترة الأخيرة.. لكن المؤكد أن المتغيرات غير المعلنة التي تحكم الموقف التركي هي الأكثر أهمية. 


أول هذه المتغيرات هو الموقف من نظام الحكم في سوريا.. ذلك أن ضرب داعش في سوريا والقضاء عليه يعني عملياً تخفيف الضغط علي نظام بشار الأسد بصورة كبيرة حيث يعد هذا التنظيم من أهم التنظيمات المتطرفة التي يحاربه الجيش السوري النظامي.. وهنا اختلاف واضح من الموقف التركي والموقف الأمريكي والعربي بصفة عامة.. الغرب لا يملك رؤية واضحة حتي الآن لإرغام بشار الأسد علي التنحي لأنه لا يملك البديل حتي الآن وبالتالي فإن عملية إسقاط بشار الأسد ليست من أولوياته بينما تري تركيا أن إسقاط نظام بشار الأسد أولوية قصوي لديها في إطار تخطيطها للمنطقة إقليمياً، المتغير الثاني يتعلق بالمشكلة الكردية في العراق وسوريا وبالتالي في تركيا.. حيث يلعب الأكراد في العراق في إقليم كردستان دوراً أساسياً وهاماً ولا غني عنه في محاربة تنظيم داعش علي الأرض في العراق. وتلقي قوات البشمرجة الكردية دعماً عسكرياً ومادياً ولوجستياً واستخبارياً في الغرب الآن لملاحقة قوات تنظيم داعش، وهذا الدور مرشح للتطور داخل عدم وجود قوات برية لأي دولة من دول التحالف في أرض المعركة مع داعش مع إدراك الجميع استحالة حسم المعركة من الجو وتفضل الولايات المتحدة ومعها الغرب وبعض دول المنطقة أن تتولي قوات البشمرجة الكردية السنية هذا الدور بدلاً من الجيش العراقي خوفاً من تحول الصراع هناك إلي صراع سني شيعي خاصة أن الجيش العراقي ذو أغلبية شيعية. 


وتخشي تركيا من التسليح المتطور لقوات البشمرجة الكردية في العراق واحتمال تسرب هذا السلاح إلي قوات حزب العمال الكردستاني في تركيا.. كما تخشي مما تردد من حصول أكراد العراق علي وعد بإنشاء دولة مستقلة كمكافأة لهم علي مشاركتهم في التحالف الدولي، مما قد يثير حماس أكراد تركيا علي معاودة النشاط المسلح في تركيا للانفصال عن الدولة أما المتغير الثالث والذي تتحدث عنه بعض مراكز الأبحاث حتي داخل تركيا فهو مدي استفادة تركيا من تنظيم داعش.. ذلك أن دعم أنقرة لداعش وغيره من التنظيمات المتطرفة الأخري في سوريا معروف للجميع وذلك عن طريق تسهيل مرور شحنات السلاح إلي هذه التنظيمات عبر الحدود التركية إلي سوريا كذلك تسهيل مرور الأعضاء الجدد القادمين من كل دول العالم.. تري مراكز الأبحاث هذه أنه في حال نجاح تنظيم داعش في فرض سيطرته علي الأجزاء السنية في العراق وامتداد هذه السيطرة إلي أجزاء من سوريا عندها يمكن تكوين دولة سنية علي الحدود الجنوبية الشرقية فإن تركيا تكون حليفة لها ويزيد نفوذ تركيا في العراق وسوريا مما يمثل خصماً ضد نفوذ إيران في تلك الدولتين. 


المتغير الرابع يتعلق بالعواقب الاقتصادية التي قد تلحق بتركيا إزاء مشاركتها في العمل العسكري ضد داعش.. فمن المؤكد أن احتدام العمليات العسكرية ضد داعش سيؤدي إلي زيارة اللاجئين إلي الحدود التركية والذين قد يصل عددهم طبقاً لبعض التقديرات إلي مليونين بما يشكله ذلك من أعباء اقتصادية وسياسية وأمنية علي تركيا.. ذلك أن تركيا بنت نهضتها الاقتصادية خلال العشر سنوات الماضية علي ركيزة أساسية هي «الاستقرار» مستفيدة من موقعها المتوسط بين أوربا وآسيا والدول العربية وفق نظرية «صفر مشاكل» مع الجيران وهي النظرية التي أرساها رئيس الوزراء التركي داوود، وأغلو عندما كان وزيراً للخارجية.. لكن تلاحق الأحداث وتطور الدور التركي وفقاً للإستراتيجية التي رفضها أردوجان جعل تركيا طرفاً فعالاً ومشاركاً في كل مشاكل المنطقة سواء للدول المجاورة أو حتي الإقليمية.. مما سيؤثر بالتأكيد علي فرص جذبها لمزيد من الاستثمارات بل قد يؤدي إلي جعلها طاردة لرؤوس الأموال. 


لكل هذه الأسباب والمتغيرات جاء الموقف التركي حذراً وغامضاً تجاه التحالف الدولي ضد تنظيم داعش رغم فخامة هذا الحدث وخضرمته وآثاره المحتملة علي كل دول المنطقة.