مستشفى الأطفال الوحيد فى الشرق الأوسط يُعانى الإهمال «أبو الريش».. «وجع قلب»!

09/11/2016 - 1:11:41

  الطبيبات يتابعن حالات الأطفال فى غرف المستشفى -عدسة: إبراهيم بشير الطبيبات يتابعن حالات الأطفال فى غرف المستشفى -عدسة: إبراهيم بشير

تحقيق: إيمان النجار

من أمام المستشفي، التقت «المصور» بعضا من الأهالى التى أكل الوجع قلوبهم المفطورة على أطفالهم ، منهم والد الطفل أحمد محمد، البالغ عمره ٧ سنوات، قال أبوه «أحمد يعانى من ورم فى المخ، وموجود فى الرعاية، ومطلوب منّا تحاليل نجريها خارج المستشفى بقيمة ١٧٠٠ جنيه، وكذلك أشعة بنحو ٣٠٠ جنيه، وتدخل فى الحديث عم الطفلة ملك رابح، من أسيوط، قال «جئنا إلى مستشفى أبو الريش بعد حجز ملك ٣ أشهر فى أسيوط، وهى محجوزة لثالث شهر على التوالى لأنها تعانى من لين فى العظام، والتهاب رئوي، ويطلبون إجراء تحاليل خارج المستشفي».


فى قسم الأشعة التقينا والد طفلة لم تتجاوز العاشرة، حجزها المستشفى للأشعة منذ ٨ أيام لعمل سونار على الكبد، ومنه إلى قسم رعاية حديثى الولادة، حيث افترشت والدة الطفل الرضيع إياد محمد الأرض أمام الحضّانة بعد قدومها من العياط، قالت «الحمد لله، أجريت لابنى الجراحة، وانتظرنا أربعة أيام حتى وجدنا مكانا فى الرعاية (الحضانة)».


نقلنا هذه الحقائق إلى المسئولين بالمستشفي، فكذبوا بعضها، وقاموا بتقديم التبريرات والأعذار للبعض الآخر، وطالبوا بتوفير الدعم المالى للمستشفى، وسد عجز التمريض، وتوفير الأجهزة، وتدريب العاملين.


لماذا لا يوجد سوى أبو الريش مستشفى واحدا للأطفال على مستوى الجمهورية؟، سؤال تطرحه «المصور» بعد جولة استمرت نحو أربع ساعات داخل مستشفى أبو الريش، فالمستشفى يعانى من ضغط شديد يستقبل فيه ما بين ١٥٠٠، إلى ٢٠٠٠ طفل يوميا، من مختلف محافظات الجمهورية، منها الحالات البسيطة، ومنها الحالات الحرجة، ويعد ملاذا لأطفال الجمهورية، فالرد على الآباء والأمهات بعدم وجود مكان، يعنى ببساطة شديدة الحكم بالموت على طفل.


القصة نبدؤها بنقص المستلزمات الطبية والأدوية وعدة التمريض وتعطل أجهزة الأشعة والتحاليل وغياب إمكانات توفير التغذية اللازمة للأطفال، وننهيها بضرورة إيجاد نموذج مواز لمستشفى «أبو الريش» فى محافظات الدلتا والصعيد .


الدكتورة رانيا حجازي، أستاذ قلب الأطفال، مديرة مستشفى أبور الريش الجامعى التخصصى (الياباني) قالت لـ «المصور» إن المستشفى واحد من المستشفيات التابعة لكلية الطب بجامعة القاهرة، وتم بناؤه بمنحة من اليابان عام ١٩٨٣، طاقته لا تتعدى ٤٥٠ سريرا، منها ١١٣ سريرا للرعاية المركزة ، ويعتبر المستشفى أكبر مستشفى تخصصى للأطفال فى الشرق الأوسط، ويتردد عليه يوميا ما بين ١٥٠٠ إلى ٢٠٠٠ طفل، لتقديم خدمات علاجية مجانية، منها استقبال وطوارئ وعيادات خارجية، ويجرى بها ١٤ ألف عملية جراحية سنويا فى جميع تخصصات الجراحات الدقيقة، منها جراحات قلب، ومخ وأعصاب، ومسالك بولية، ورمد، وعظام، وجزء كبير مخصص لمرضى القلب، فعلى سبيل المثال يتم إجراء نحو ألف قسطرة علاجية وتشخيصية سنويا، هذا إلى جانب وحدة ذات طابع خاص جدا، تستقبل الحالات التى تحتاج تدخلات جراحية دقيقة، وأوزانهم قليلة، وهى جراحات حديثى الولادة، وبها ٢٤ حضانة، ودائما كاملة العدد، وهذه الوحدة يتميز بها المستشفي، ويأتى هذا كله ضمن الدور العلاجى للمستشفى وتقديمه للخدمة العلاجية مثل أقسام الكبد، وضعف المناعة، والباطنة، والكلي، ودور المستشفى فى الأساس تعليمي، فكل طلبة كلية الطب الذين يتخصصون فى طب الأطفال، لابد أن يمروا على المستشفى للحصول على التدريب العملي، كما يخدم بالمستشفى نحو ٢٥٠ عضوا من أعضاء هيئة التدريس فى كلية الطب، فلا توجد مشكلة لدينا فى عدد الأطباء.


المشكلة الأساسية فى قلة عدد التمريض، فلدينا نحو ٧٠٠ ممرضة، منهن ٤٠٠ ممرضة يعملن فعليا، ونحو ٣٠٠ ممرضة فى إجازات لأسباب مختلفة، ونحتاج على الأقل ١٢٠٠ ممرضة، فالعجز يصل لنحو ٨٠٠ ممرضة، وهذا تحدٍ كبير فى تقديم الخدمة ،خاصة مع تضاعف طاقة المستشفى خلال السنوات الأخيرة ، وأحد أسباب اتجاه الممرضات للحصول على الإجازات هو العمل فى القطاع الخاص، فالمقابل المادى لـ«شفت» الممرضة نحو ١٨٠ جنيها فى أبو الريش، مقابل ٤٠٠ جنيه فى القطاع الخاص، والبديل المتاح أن نوفر تمريضا بالتعاقد، خصوصا أن هناك بعض الأماكن لا تعمل بالطاقة الاستيعابية الكاملة، لعدم توافر ممرضات بها، منها على سبيل المثال وحدة جراحات حديثى الولادة، فطاقته الاستيعابية نحو ٣٦ حضّانة، وما نستطيع تشغيله هو ٢٤ حضّانة فقط، لعجز عدد التمريض، مع الأخذ فى الاعتبار أن كل ممرضة مسئولة عن سريرين، فى حين أن المفترض فى هذه الحالات الحرجة، وفى الرعايات يكون لكل ممرضة حضّانة واحدة.


الدكتورة حجازى استطردت قائلة إنه بجانب مشكلة التمريض، نعانى من نقص شديد فى الأدوية والمستلزمات الطبية، وليس لنا أن نطلب من الجامعة ما نريده، إلا فى حدود ميزانية المستشفى وهى محدودة للغاية، لا تتعدى ١٥ مليون جنيه سنويا، بينما نحتاج على الأقل لنحو ٦٠ مليون جنيه، بالإضافة إلى ميزانية المرتبات، ويتم تعويض هذا العجز البالغ ٤٥ مليون جنيه من التبرعات، ففى العامين الأخيرين وجدنا وعيا أكبر بدور المستشفى من قبل أهل الخير والمتبرعين ومؤسسات المجتمع المدني، ولكن ليس لدينا إمكانية عمل حملات إعلانية، كما أن مواردنا محدودة وبالتالى لا يمكن استغلال أموال التبرعات فى الإعلانات، بخلاف أن الإعلانات فى التليفزيون مكلفة جدا».


مدير مستشفى أبو الريش قالت إن هناك مشكلة أخري، وهى أن بعض التحليلات معقدة ومكلفة جدا، فيتم إجراؤها فى المعامل المركزية بقصر العيني، أو الفرنساوي، ونفس الأمر بالنسبة للأشعة، فليس لدينا جهاز رنين مغناطيسي، بينما يوجد فى قصر العينى فيتوجه له المرضى، وفى حال وجود انتظار يضطر المريض لإجرائها على نفقته الخاصة، ونوجهه لمراكز حول المستشفى بتكلفة أقل باتفاق مع الخدمة الاجتماعية فى المستشفي».


الدكتور خالد حسين بهاء الدين، أستاذ جراحة الأطفال، رئيس وحدة جراحة حديثى الولادة، نائب مدير مستشفى أبو الريش لشئون الجراحة، قال إن المستشفى استقبل منذ إنشائه نحو ١٢ مليون و٥٠٠ ألف طفل، ويوجد به عدة تخصصات طبية للأطفال، كما يوجد به أكبر وحدة رعاية لحديثى الولادة فى مصر، وطاقته ٢٨ حضّانة، وبسبب كل هذه المزايا يعانى المستشفى من ضغط كبير جدا، ونحاول قدر الإمكان خدمة أكبر عدد ممكن من الأطفال المحتاجين للجراحة.


واتفق الدكتور بهاء الدين مع رأى الدكتورة حجازى فى وجود عائق كبير فى توفير التمريض، ويرى أن العجز يشكل قضية قومية حيث يصل إلى نحو ٤٠ فى المائة فى الدولة، وذلك بسبب ثقافة المجتمع ، بخلاف من يتجهون للعمل فى القطاع الخاص أو السفر.


ويصف الدكتور بهاء الدين العاملين بالتمريض بأنهم «أبطال» ولا يحصلون على التقدير المستحق، فالتمريض فى المستشفى الحكومى يعمل أضعاف الساعات المحددة له، ويناظر عددا من المرضى أكبر بكثير من المفترض متابعته، وبمقابل مادى قليل جدا، لذا لابد من وضع كل هذه الأمور فى الاعتبار عند تقييم الخدمة الطبية، لأن أى نتيجة رعاية صحية معتمدة بالأساس على التمريض.


واستطرد الدكتور بهاء الدين بقوله «إن قوائم الانتظار بها مشكلتان، الأولى تتمثل فى أن الطاقة الاستيعابية غير كاملة بسبب قصور فى عدد التمريض والمستهلكات والإمكانات، والثانية مرتبطة بأن المستشفى ضحية سمعته الجيدة فى تخصص الأطفال، سواء العلاجى أو الجراحي، بمعنى أن الإقبال كثير، ورغم شكاوى البعض التى نقدرها ونلتمس لهم العذر فيها، إلا أن المستشفى ملاذ الأطفال فى مختلف أنحاء الجمهورية، وبالنسبة للشكاوى، هنا لابد أن نفرق بين الخدمة الطبية التى يلاقيها ذو المرضى، وبين سوء المعاملة، والأمران مهمان بالنسبة لنا، فالمريض لا يتذكر الخدمة الطبية فى غرفة العمليات مثلا، والتى تكون على أعلى مستوى، ويتذكر فقط أن الطبيب لم يبتسم فى وجهه.


وعن إمكانية التوسع فى تقديم الخدمة، يقول مدير مستشفى أبو الريش لشئون الجراحة، إن لها بعدين، البعد الأفقي، ويتمثل فى زيادة عدد الأسرَّة، وعدد المستشفيات، وبعد رأسى هو زيادة الطاقة الاستيعابية للمكان، من خلال تقليل عدد أيام حجز المريض، وسرعة دخوله وخروجه، وكلاهما يحتاج طاقما بشريا مدربا وأنظمة لدورات المريض داخل المستشفي، وفى معظم المستشفيات المعوق هو العامل البشري، فتوفير حضانة أقل مشكلة من وجود الممرضات.


قوائم الانتظار كبيرة جدا، يتحدث عنها الدكتور بهاء فيقول «لدينا قوائم متعددة، فمثلا قائمة جراحات اليوم الواحد التى يخرج منها الطفل فى نفس اليوم، لدينا قائمة انتظار منها تصل لمدة ٨ أشهر، فلو بدأت تسجيل القائمة من شهر يناير ، فى شهر أبريل تكون قائمة العام كاملة وبها آلاف الأطفال ، فمثلا الفتق الإربى لدى الأطفال، حيث يولد فى مصر نحو ٤٠ ألف طفل سنويا يعانون من فتق إربي، وكثير منهم يحضرون للمستشفي، على الرغم من أن الغرض الأساسى للمستشفى هو تدريب الأطقم البشرية من أطباء وتمريض وفنيين فى تخصص طب وجراحة الأطفال فى مختلف أنحاء الجمهورية.


ويستطرد استشارى الجراحة، الدكتور بهاء بقوله إن المستشفى يستقبل ما بين حالتين إلى ثلاث سنويا من الحالات الملتصقة، لكن لا يتم تسليط الضوء الإعلامى عليها، وبالنسبة لجراحات حديثى الولادة، فإن طاقته ٢٨ حضانة، وتعد هذه مأساة لأننى لا أستطيع أن أستقبل أكثر من ذلك العدد، مما يعنى الحكم على طفل بالموت.


الدكتور بهاء قال إنه يوجد ٨ جامعات بها أقسام أطفال، وتم تدريب الأطقم بها، لكن مازال المواطن يصر على تلقى الخدمة فى أبو الريش، وهذا يشكل ضغطا كبيرا، ففى العام الماضى استقبل المستشفى نحو ٣٩٠ ألف طفل فقط، سواء ترددا، أو حجزا، أو جراحة، وهذا رقم ضخم، من بينها تم إجراء نحو ١١ ألفا و٦٠٠ حالة جراحة بالمستشفي، منها ٤٨٠ جراحة قلب مفتوح، وهذا أكبر رقم فى جراحات قلب الأطفال، و١٢٠٠ جراحة رمد أطفال، و٨٠٠ حالة جراحة مخ وأعصاب، و٣ آلاف جراحة طارئة، ونحو ٦٨٠ حالة جراحات لحديثى الولادة.


الحل من وجهة نظر الدكتور بهاء يندرج ضمن


إعادة توزيع الأحمال، على حد قوله، فالمفترض أن المستشفى يأخذ جزءا من الحالات وليس كلها، فمثلا الحالات البسيطة، أو جراحات اليوم الواحد، لا يستقبلها المستشفى حتى يتفرغ لمتابعة العمليات الحرجة، ويساعد فى ذلك التوعية بأن بعض هذه الخدمات العلاجية تقدم فى أماكن أخرى بخلاف أبو الريش، فالطفل متوسط بقائه ١٨ يوما فى رعاية جراحات حديثى الولادة، ولو نزلنا بالمتوسط إلى ١٢ يوما، سوف تزيد الطاقة الاستيعابية بنسبة ٣٠ فى المائة، ونحاول فى نفس الوقت تطبيق أنظمة حديثة فى إدارة دورة المريض بتحويل الملفات للنظام إلكترونيا، وإجراء الفحوصات إلكترونيا، مما يساعد على توفير الأموال وتوجيهها لخدمات أخرى».


الدكتورة هناء راضي، أستاذ مساعد طب الأطفال، نائب مدير المستشفى للشئون الإدارية، قالت لـ»المصور»: مشكلتنا الرئيسية أننا لا نريد أن نقول لأم أو أب أنه لا يوجد مكان، وفى نفس الوقت لا نستطيع زيادة عدد الأسرَّة، فالتقسيمة والمسافات بين الأسرة لها ضوابط لمكافحة العدوى، وبالتالى لا أستطيع زيادة سرير، فلدينا ١١٣ سرير رعاية مركزة، ما بين رعاية قلب قبل وبعد العملية، والباطني، والمخ والأعصاب، وغيرها من الرعاية المتخصصة، بينما السرير الواحد فى المستشفى الخاص يتكلف ٣ آلاف جنيه، ولنا أن نتخيل حجم التكلفة لنحو ١١٣ سريرا، فمتوسط تكلفة المريض فى الرعاية ١٥ ألف جنيه قابلة للزيادة والنقصان، مشكلة أخرى أن المريض يظل وقتا طويلا فى الرعاية، كما أن الممرضة تعمل على ٣ أسرة، مما يطيل مدة بقاء الطفل، بخلاف لو كان لكل سرير ممرضة واحدة، الأمر شبيه بمضاعفة عدد الأطفال بدون زيادة عدد الأسرة.


من ضمن المشاكل التى ذكرتها الدكتورة راضي، المضادات الحيوية، حيث نضطر لانتظار نتيجة تحليل «المزرعة» لإعطائها للأطفال، وهى المدة التى تستغرق ٥ أيام، وذلك بسببب نقص تكنولوجيا المعامل، علما بأن المعامل الحديثة تظهر نتيجتها فى خلال ٤٨ ساعة فقط، مما يسمح بإعطاء الطفل المضاد الحيوى المناسب له بشكل أسرع، ومما يعيق تطوير المعامل، أن المتبرع يوجه تبرعاته فى سرير رعاية، أو حضّانة، وكذلك فى الأدوية، لكن فى حال ترك لى المتبرع حرية توجيه التبرع سوف استغله فى الأماكن المهملة مثل المعمل والأشعة على سبيل المثال.


الدكتور راضى تحدثت عن الأماكن التى تعانى من الإهمال، ومن بينها المطبخ مهمل لم يتم تطويره منذ عام ٨٣ إلا مرة واحدة، على الرغم من أنه يقدم تغذية علاجية لا غنى عنها، خاصة أن كل طفل له نظام تغذية حسب مرضه، فمريض السكر له أكل معين، وكذلك مريض الكلي، والأقل من سنة يكون طعامه مضروبا فى الخلاط، والمفترض أن يوضع فى وعاء محكم معقم، لكن الإمكانات غير متوفرة، كما أننا نحتاج إلى تجديد الثلاجات وتقسيمها، لدينا أوانى الطهو تحتاج تجديدا منذ عام ٨٣ بسبب التسريب، ولدينا قسم مخصوص للتغذية الإكلينيكية، طلبنا منه وضع روشتة للعلاج بالأكل، وتم إعدادها، لكن لم نستطع تنفيذها لأننا ننتظر البدء بمرحلة تجهيز المطبخ، فالرسومات موجودة منذ عام ونصف، بتكلفة ٤.٥ مليون جنيه، والتجهيز مهم، فالمطبخ قطعة واحدة، لكن المفترض أن يتم تخصيص مكان لفرز الخضراوات، ووضع البيض نفسه فى الثلاجات يوضع بطريقة معينة فى حاويات بلاستيك مخصصة، ووضع الخضراوات فى الثلاجات مهم فى قفص بلاستيك مخصص وبطريقة معينة، وأنا شخصيا رأيت هذه الأمور فى مستشفى ٥٧٣٥٧، كما أن تنظيف اللحوم والدواجن يحتاج إلى مكان معين مختلف عن أماكن تنظيف الخضراوات، لأن اللحوم والدواجن يمكن أن تنقل أمراضا معينة.


تجهيز الأكل فى «أبو الريش» يعانى هو الآخر من خلل، فالسلطة الخضراء مهمة للأطفال، لكنها ليست موجودة بصفة دائمة، ولا توجد غسالة أطباق معقمة، علما بأن التنظيف يمر بثلاث مراحل، مرحلة برشاش كبيرة لإزالة البواقي، ثم وضعها فى الغسالة المخصصة، لأن المكان به أكثر من ٤٠٠ سرير مضروب فى ٢ لوجود الأم مع الطفل، بالإضافة إلى غسالة أطباق، ثم مروحة التهوية لتقليل فرص نقل العدوى من طفل إلى آخر، كل هذا لا يمكن تطبيقه لأن المطبخ لدينا غير معد لذلك، وحاولنا أن نستخدم الأطباق الصغيرة، لكن مع الوقت وجدنا نقصا فى عددها، مما اضطرنا أن نقدم فى أطباق من «الفل»، وهذه غير صحية خاصة مع الأكل الساخن، وعربة نقل الأكل المفترض أن بها أرففا للأكل الساخن، ليظل ساخنا، وأخرى للبارد، ليس لدينا منها سوى عربة تشبه السحارة نضع فيها كل الأكل، المطبخ تجهيزه فى غاية الصعوبة، لأنه أثناء العمل سوف أضطر إلى أن أوفر الأكل بطرق أخري، كما أننا أيضا نحتاج إلى عمالة مدربة على استخدامها، ومراقب صحي، وكلها مهن مرتبطة ببعض، وتقدمنا لإدارة قصر العينى منذ سنة ونصف بهذه الطلبات ولم يأتنا الرد إلى الآن.


وتستكمل الدكتورة راضى حديثها بقولها إن المعمل يحتاج نظرة، كما أن جهاز تحاليل المزرعة يحتاج أيضا لتدريب العاملين، وأذكر أنه فى إحدى المرات تعطل الجهاز بسبب أنه لم يتم غلقه بعد نهاية العمل، وهذا يعود إلى أن الناس غير مدربة، ومعروف أن التدريب يحتاج إلى نفقات خاصة به، وعندما حاولنا تدريب عمال النظافة وجدنا أنه سيتطلب مبلغا كبيرا، لولا تدخل الدكتورة رانيا بعلاقتها وتواصلها مع متخصصين فى كليات السياحة والفنادق للقيام بالأمر، نحن لا نريد التبرع فقط بالأموال، لكن بالجهد والخبرة والوقت.


المعمل أيضا يحتاج إعدادا بشريا، فهو يعمل فقط بالطوارئ وبأعداد قليلة، فمن الممكن أن يحضر مريض ليلا، ويضطر أن ينتظر للصباح لإجراء تحليل ما، مما يعنى زيادة تكلفة على المستشفي، وأذى قد يلحق بالطفل، فالمعمل يعمل «شفت» صباحا وليلا طوارئ بعدد تحاليل قليلة، وبنوعيات بسيطة من التحاليل، لكنها غالية الثمن، كما أنى لا أريد تشغيل المعمل الرئيسى ليلا وتركه فى يد عامل واحد، حتى لا تتأثر الأجهزة ، فلابد من قوى بشرية مدربة، فعلى سبيل المثال لدينا مريض غاضب أنه منذ أسبوع ينتظر ولم يدخل العمليات، لأن فحوصاته تأخرت، لعدم وجود جهاز رنين مغناطيسي، فإذا أحتاج المريض رنينا إما يخرج بالطفل ويجريها على نفقته الخاصة فى مراكز أشعة أخرى، أو يتوجه لقصر العينى حجز دور لا يقل عن أسبوع، لأنه جهاز واحد يخدم ٨ مستشفيات، وغالبا الطفل الذى يحتاج رنينا يكون فى غيبوبة، ويحتاج إلى جهاز تنفس، وكلها أمور مهمة، أما توفير جهاز رنين فسوف يساعد فى التشخيص السريع وبالتالى التدخل السريع دون الانتظار وتأخر الحالة والتدخل المناسب، ومع ذلك فهو أهم جهاز ناقص فى الأشعة.


وردا على شكاوى الانتظار قالت الدكتورة راضى «إن شكاوى الناس من الانتظار من أول الكشف، فمثلا فى عيادة العظام ٢٠٠ تذكرة لطبيب فى ساعتين، ويمتد الانتظار فى مراحل الفحوصات ثم الجراحة، والمشكلة أن المرضى يحضرون من أماكن بعيدة، ونجدهم ينتظرون أمام المستشفي، وبالنسبة لشكوى الجلوس أمام المستشفى ، من يحضر من المحافظات توجد جمعيات أهلية تقدم خدمة لتوفير سكن للأمهات وأطفالهن فى الحضّانة، فأنا كمستشفى لا أقدر أن أوفر للأم سريرا، والحل يتلخص فى ضرورة إنشاء مستشفى متخصص فى المحافظات، فالمبانى موجودة، مما يساعد فى حل مشكلة قوائم الانتظار لمن يأتون من المحافظات، مع الوضع فى الاعتبار عمل اتفاق تعاون لتدريب كوادر أخرى، وجزء من المشكلة الأخرى أن الأطباء فى بعض المستشفيات يقولون للأهالى إن علاج أبنائكم فى مستشفى أبو الريش من باب الاستسهال، رغم أنها يمكن أن تكون حالات بسيطة يمكن إجراؤها فى مكان آخر.


وبالتالى الحالة تضطر لشراء الأدوية من الخارج، وفى محاولة للحل عملنا ثلاجة طوارئ نضع فيها أدوية، كما ننصح المريض الذى يشترى من الخارج بإحضار فاتورة لصرفها من التبرعات، فعلى سبيل المثال ٢٦ ألفا و١٥٢ طفلا، هم إجمالى المترددين على قسم الاستقبال خلال النصف الأول من العام الجاري، وبالنسبة للعمل ليلا فالمعمل الرئيسى يغلق، والصيدلية تغلق، وأنا أترك الدكتور ليلا «يغزل برجل حمار»، ومطلوب منه مقابلة المريض وعمل اللازم، ورعاية الحالات الخطيرة، والمعاملة الجيدة، وتشغيل وقت إضافي، كل هذا يحتاج إلى موارد مالية.


وبالنسبة لنقص الأدوية والمحاليل، قالت الدكتورة راضي، إن نقص المحاليل مشكلة قومية ونعانى منها، فأكبر شركة كانت تورد لقصر العينى توقفت عن الإنتاج لمشاكل فى منتجها، وتم سحب كل الكميات الموجودة لدينا، ولم يتم توفير البديل، ومازالت المشكلة قائمة، وأحتاج كل شهر محاليل بما لا يقل عن ٣٠ ألف جنيه، لكن المشكلة الآن أن لدينا المال، ولا نجد محاليل، ومشكلة نقص الدواء تختلف من يوم لآخر، ففى يوم ينقص دواء معين، ويتم تداركه سريعا، لكن تزيد المشكلة فى المضادات الحيوية غالية الثمن، والتى زادت أسعارها بعد ارتفاع الدولار، فالشركات الموردة لقصر العينى رأت أنها تدفع غرامة عدم التوريد، أفضل لها من أن توفر الدواء بعد ارتفاع سعره، فالمضادات الحيوية نأخذها بالقطارة لأن الكميات غير متوفرة، وما نأخذه على دفعات لا يكفي، وهذه مشكلة، كما أن هناك مشكلة أخرى تتمثل فى سوء المعاملة، وقمنا بتنظيم دورات تدريبية للنواب الذين يتعاملون مع المرضى، وكيفية التعامل مع الأهالي، وكيفية توصيل المعلومة، فمثلا دربناهم على إبلاغ الأخبار غير السارة لأولياء الأمور.


ميرفت محمد أبو السعود، مدير إدارة التغذية، قالت لـ»المصور»: نعانى من عجز فى عدد العمالة بشكل كبير، أيضا عربات الأكل قديمة ومتهالكة، بجانب ما تتطلبه البوتاجازات للصيانة غير متوفرة، أيضا تكرار الأعطال فى الثلاجات لقدمها أمر بالغ الأهمية لحفظ الأكل، وليس لدينا غير خلاط واحد تم توفيره كتبرع، ويستخدم لخلط أغذية الأطفال فى الرعاية، ولكن لا يكفى لباقى الأطفال، هذا بجانب تعطل الشفاط الأساسى بالمطبخ، مما يؤثر على بيئة العمل وحرارة المطبخ.


دكتورة بسنت صلاح، رئيس وحدة رعاية الدور السادس بالمستشفي، وقفت وسط مجموعة من شباب الأطباء لتقول «هذه المجموعة جاءت ضمن كورسات تدريبية بالتعاون مع وزارة الصحة للتدريب على عمل الرعاية، وذلك فى إطار تكوين كوادر وخبرات يتم الاستفادة بها فى أماكن أخرى، وبالنسبة لوضع الرعاية، فيعد التمريض هو الأساس فى عمل الرعاية المركزة، ولكن عجز عدد التمريض مشكلة متكررة فى أقسام الرعاية، بالإضافة إلى نقص المستلزمات الطبية».


دكتورة بسنت خلال حديثها توقفت عند حالة الطفل عبد الرحمن، ويعانى من عيب خلقي، عبارة عن ضعف فى العضلات، وموجود فى الرعاية بالمستشفى منذ عامين، وأهله يرفضون خروجه لأنه تحت سيطرة جهاز التنفس الصناعى وأجهزة أخري، لكن الأهالى لا يعرفون التعامل مع هذه الأجهزة، وهذا بدوره معناه حجز سرير رعاية باستمرار، وهكذا عدد من الحالات المتكررة، وإذا كان بعض الأسر من القادرين يستطيعون التعامل مع هذه الحالات، ويوفرون له تمريضا خاصا، أو حتى غرفة مخصصة له، لكن يبقى الحل فى إنشاء مركز متخصص يتعامل مع هذه الحالات التى تحتاج وقتا طويلا على الأجهزة».


أسماء فضل، مشرفة تمريض الرعاية، قالت «الممرضة تعمل ١٢ ساعة، والمفترض أن لكل سرير ممرضة، لكن مع عجز الأعداد من الممكن أن تتابع الممرضة ثلاثة أسرة، «الشفت» بمقابل نحو ١٨٠ جنيها، فى حين أنه فى القطاع الخاص يتعدى ٤٠٠ جنيه، ولكن المشكلة تقل تدريجيا مع لجوء إدارة المستشفى للتعاقد وتوفير تمريض إضافى من خلال عمل إعلان للحاجة إلى تمريض، ويتم توفير رواتبهم من التبرعات، مشكلة أخرى تواجه التمريض بخلاف ضغط العمل وضعف المقابل المادى وهى التعرض للعدوى سواء عدوى الجهاز التنفسي، وهى الأكثر شيوعا، أو عدوى فيروسات عن طريق الدم، وفى المقابل لا يوجد نظام علاجى محدد للممرضات، وفى حال حدوث ذلك يكون العلاج إما على نفقتها الخاصة، أو بمساعدة الطبيب بتوفير العلاج، وهذا أمر يحتاج إلى إعادة نظر».


وأنهت الدكتورة رانيا حجازي، مديرة المستشفي، جولة «المصور» قائلة «لدينا خطة شاملة لتطوير المستشفى من ناحية البنية التحتية، وتعاونت معنا القوات المسلحة فى البدروم، ونريد مزيدا من الوعى ومساهمة المتبرعين فى المشروعات الكبيرة بالمستشفى مثل تطوير قسم الجراحة والقلب، كما نريد تعاونا أكبر من قبل كلية التمريض، ليكون المستشفى من أولويات توجيه التمريض لسد العجز لدينا، ونريد مزيدا من دعم المجتمع المدني، فالتبرعات تساهم بثلثى حجم الإنفاق على الخدمة، لكن بزيادتها سوف تتضاعف الخدمة المقدمة، وسوف تقل الشكاوي، وبالتالى تقل قوائم الانتظار خصوصا فى جراحة القلب والصدر والتى تصل إلى خمسة أشهر، ففى الوقت الذى تجرى فيه العمليات لـ ٥٠ حالة فى الشهر، المطلوب أن يصلوا إلى ٧٥ حالة شهريا، وفى محاولة لتعويض نقص الإمكانات فإن نصف وقتنا كأساتذة ضائع فى التواصل لجمع تبرعات، لتحقيق أمل مساعدة كل الناس، والتبرع لصالح لجنة زكاة مستشفى أبو الريش ٣/٤٦٦٧ بنك ناصر الاجتماعى.