راسبوتين فى القصر الأزرق.. تهديد خطير لرئيسة كوريا الجنوبية

09/11/2016 - 12:10:20

تقرير: إيمان عبدالله

بات المستقبل السياسى لرئيسة كوريا الجنوبية “بارك جيون هى” على المحك بعدما خرجت تظاهرات عارمة فى سول تطالبها بالرحيل على إثر فضيحة سياسية مدوية تنذر بالإطاحة بها، ورغم اعتذار الرئيسة بارك وإجرائها تعديلا وزاريا لتهدئة الرأى العام الغاضب، فإن إقالة الرئيسة أو عزلها لا يزال أمرًا مستبعدًا، حيث السيناريو الأقرب تصورا أن تصبح “بارك جيون هى” كالبطة العرجاء فى البيت الأزرق حتى نهاية ولايتها فى عام ٢٠١٧..


تواجه “بارك جيون هى” رئيسة كوريا الجنوبية أكبر أزمة سياسية منذ توليها الرئاسة فى عام ٢٠١٣ بسبب أقرب صديقاتها والملقبة بـ”راسبوتين”، بطلة الفضيحة السياسية هى “شوى سون سيل” ، التى كانت موضع ثقة الرئيسة وكانت تستشيرها فى أمور تتعلق بسياسة الدولة وتطلعها على الوثائق السرية رغم أنها لا تشغل أى منصب سياسي..


وفى المقابل فإن شوى سيل، التى تمثل أمام جهات التحقيق بعد إلقاء القبض عليها الأسبوع الماضى استغلت نفوذها وعلاقتها ببارك لابتزاز كبرى الشركات مثل سامسونج وهيونداى والتحصل على مايوازى ٧٠ مليون دولار لصالح مؤسسات أنشأتها لحسابها، وسائل الإعلام ظلت حتى وقت قريب تصف شوى بأنها مستشارة بارك وفى أحيان أخرى تنعتها بزعيمتها الروحية حتى تم العثور مؤخرًا عى جهاز كمبيوتر خاص بها كشف عن الدور المؤثر، والغريب الذى تلعبه فى حياة الرئيسة إلى حد قيامها بتفتيح خطاباتها السياسية وإملاء آرائها فيما يتعلق بقضايا السياسة الخارجية والدفاع والاقتصاد..


العلاقة الوطيدة بين رئيسة كوريا الجنوبية وأسرة “شوى سون سيل” تمتد لأكثر من أربعة عقود وتثير حولها الكثير من اللغط والغموض، فشوى سون سيل هى ابنة “شوى تاى مين” وهو قس مسيحى أنشأ جماعة دينية أطلق عليها كنيسة الحياة الأبدية تتزعمها ابنته بعد وفاته منذ عام ١٩٩٤، أكثر ما يثير الجدل فى قصة بارك وشوى أنها تعد نموذجًا متطابقًا ومتشابها لحد كبير للعلاقة القديمة بين والد بارك وهو الرئيس الأسبق “بارك تشامنج هى” و”القس شوى تاى مين” ، الذى كان يوصف بالمستشار الروحى للأسرة لينطبق على الابنة المثل القائل من شابه أباه فما ظلم، الرئيس “بارك تشانج هى” يعد الرجل العسكرى الصارم، الذى أسس دولة كوريا الجنوبية الحديثة خلال فترة الستينيات والسبعينيات ليضعها فى مصاف الدول الصناعية المتقدمة رغم الانتقادات الموجهة لسجله فى حقوق الإنسان، وقد اغتيل بارك تشانج هى فى عام ١٩٧٩ على يد رئيس جهاز المخابرات ويقال إن اغتياله تم بسبب التخوف من تأثير شوى تاى مين عليه، حيث كان يشبه أيضا براسبوتين الراهب الذى سيطر على قيصر روسيا قديمًا.. .. زاد التقارب بين الرئيسة بارك والقس وابنته بعد وفاة والدتها التى اغتيلت أيضًا فى عام ١٩٧٤ برصاصة كانت تستهدف زوجها الرئيس السابق.. وكان شوى تاى مين يتقرب من بارك جيون هى بدعوى أن والدتها تظهر له فى الأحلام وتطالبه بمساندتها ودعمها، هذا الدعم والتأثير ظل مستمرًا بعد وفاته على يد ابنته إلى الحد، الذى دفع بعض أعضاء حزب ساينورى الحاكم، الذى تتزعمه بارك الادعاء بأنها تقع تحت تأثير سحر شوى سون سيل التى تسيطر على مجريات الأمور مثل اللاعب بعروسة الماريونيت..


حاولت بارك ذات التوجه المحافظ تجاوز الأزمة، التى تهددها بإعادة تنظيم إدارتها فقامت بإقالة عشرة من كبار مساعديها وعينت وزيرًا جديدًا للمالية، كما اختارت رئيسًا جديدًا للوزراء هو كيم بيونج جون، رئيس الوزراء الجديد كان نائبًا للرئيس الليبرالى السابق روه موهيون، ومن ثم فهو نظريًا يعد معارضًا سياسيًا..


لذا فإن المحللين السياسيين يرون أن مغازلة المعارضة وتشكيل حكومة وحدة وطنية حيادية أمر يستهدف تهدئة الرأى العام وامتصاص حالة الغضب العارم فى الشارع، الذى فقد ثقته فى الرئيسة..


استطلاعات الرأى الأخيرة كشفت عن انخفاض شعبية الرئيسة إلى ٥٪ فقط، وهى أقل نسبة حصل عليها أى رئيس منتخب ديمقراطيًا فى كوريا الجنوبية منذ نشأتها قبل ٦٨ عامًا، بعض أعضاء حزب سانيورى الحاكم قرروا الانفصال عن بارك، حيث شكل ٢٠ عضوا بالبرلمان تكتلًا للضغط على زعيم الحزب للاستقالة.. ويعتقد المحللون أن بارك سوف تقضى العام المتبقى من رئاستها بدون حزب يدعمها خاصة أن من آثروا الابتعاد عنها باتوا يكيلون لها الاتهامات فى وسائل الإعلام المحافظة، التى كانت تدعمها بشدة.. يساندهم فى ذلك فشل بارك فى الوفاء بوعودها الانتخابية، مما أدى إلى تراجع شعبيتها فى ظل تباطؤ معدلات النمو الاقتصادى وارتفاع نسبة البطالة وتزايد التوتر مع الطرف الشمالى، على الجانب الآخر فإن معارضى الرئيسة من حزب مينجو مترددون فى الضغط عليها من أجل الرحيل لعدم وجود مرشح قوى فى الوقت الحالى يمكنه الفوز بالانتخابات.. فإذا ما آثرت بارك الرحيل مبكرًا فسوف يتم اختيار خليفة لها فى غضون ستين يومًا..


وخلال عشرة أيام ألقت بارك خطابى اعتذار للشعب أكدت فيهما أن دور صديقتها اقتصر على مراجعة بعض خطاباتها فى بداية رئاستها وتقديم دعمًا لها فى مجال العلاقات العامة فى فترات صعبة، لكنها نفت إفشاء أى معلومات سرية تخض أمن الدولة ونصت بارك كذلك أنها أجرت أى طقوس دينية فى قصر الرئاسة لتحضير الأرواح وأعربت عن استعدادها الخضوع لأى استجواب من قبل النيابة العامة فى الفضيحة التى تتحمل مسئوليتها كاملة.


ويتولى حاليًا فريق من النيابة التحقيق مع شوى سون سيل، التى صدر بحقها مذكرة اعتقال بتهم الفساد واستغلال السلطة.. الاتهامات طالت أيضًا شقيقتها وابنتها التى وفرت لها مكانًا فى جامعة عريقة عن طريق التلاعب فى شروط القبول وهو أمر أثار حالة من الغضب الشديد فى دولة يواجه طلابها معاناة ومنافسة شديدة للالتحاق بالجامعة..


اعتراف بارك بخطئها لن يدع لها أى فرصة للمناورة وبعد أن فقد حزبها الأغلبية البرلمانية مؤخرا سيكون استمرارها فى السلطة خلال الخمسة عشر شهرًا المتبقية كما يقول الخبير “شو كاك” من جامعة سول الوطنية مثل “البطة الذبيحة” وليس فقط “البطة العرجاء”..



آخر الأخبار