بعد الاعتقالات الأخيرة .. الأكراد خارج العملية السياسية

09/11/2016 - 11:59:03

تقرير: عزة صبحى

يواصل أردوجان استغلال قانون الطوارئ، الذى فرضه عقب محاولة الانقلاب الفاشلة فى يوليو الماضى فى ملاحقة خصومه ومنافسيه السياسيين وكل من يعتقد أنه قد يهدد حلم خلافته العثمانية، اعتقال نواب البرلمان الأكراد وزعماء حزب الشعوب الديمقراطى الكردى يخرج الأكراد من العملية السياسية ويفسح الطريق أمام انفراد حزب العدالة والتنمية بالبرلمان، لكنه ينذر بتصاعد الأعمال العسكرية لحزب العمال الكردستانى ويزيد الاستقطاب فى المجتمع ويهدد السلم الاجتماعى فى تركيا.. ..


فى تصعيد خطير للصراع التركى الكردى المستمر منذ سنوات طويلة ألقت الشرطة القبض على أحد عشر نائبًا فى البرلمان من حزب الشعوب الديمقراطى من بينهم زعيما الحزب صلاح الدين دميرطاش وزميلته بوكسيك داج، فضلا عن عدد من الشخصيات السياسية البارزة، الذين يحظون بالاحترام فى الأوساط السياسية الكردية والتركية بصفة عامة..


زعيما الحزب ألقى القبض عليهما فى منزلهما، بينما ألقى القبض على بعض النواب من داخل البرلمان نفسه فى سابقة خطيرة فى تركيا..


وكان البرلمان الذى يسيطر عليه حزب العدالة والتنمية قد وافق فى مايو الماضى على رفع الحصانة القانونية، التى تحمى النواب من الملاحقات القضائية، ويبدو أنه كان استعدادًا لمثل هذه الإجراءات بعد دعوة أردوجان أكثر من مرة إلى محاكمة نواب البرلمان الموالين للأكراد..


التهم التى وجهت للنواب الأكراد هى نشر دعاية إرهابية والانتماء إلى منظمة إرهابية مسلحة..


وتتنافى هذه الاتهامات تمامًا، خاصة أن ترشح هؤلاء النواب فى الانتخابات جاء بعد التأكد من عدم انتمائهم إلى أى تنظيمات أو جماعات مسلحة فى تركيا.. ويعتبر حزب الشعوب الديمقراطى، الذى ينتمى إليه كل النواب المعتقلين هو ثالث قوة فى البرلمان التركى، حيث تملك تسعة وخمسين مقعدًا ويعتبر أول حزب سياسى كردى يحقق هذا النجاح الكبير.


وكانت الشرطة التركية قد اعتقلت على مدى الشهرين الماضيين أعدادًا كبيرة من رؤساء بلديات منتخبين فى مناطق الأكراد فى ديار بكر ومناطق شرق تركيا ومسئولين حكوميين، كما أقالت أعدادًا أخرى كبيرة وعينت فى أماكنهم مسئولين تابعين لحزب العدالة والتنمية، وكان الاتهام الموجه للجميع هو الانتماء لحزب العمال الكردستانى دون أى دلائل على ذلك..


جاء تصعيد أردوجان المستمر ضد الأكراد سياسيًا وعسكريًا عقب فشل محاولات حل المشكلة الكردية سلميا، والتى استمرت لأكثر من ثلاث سنوات توقفت خلالها أى هجمات مسلحة ضد حزب العمال الكردستانى فى سنة هدنة عسكرية بأوامر من الزعيم الكردى عبدالله أوجلان المسجون حاليًا، والذى كان يدير المفاوضات من سجنه فى جزيرة ايميرالاى وسمح بالتمثيل السياسى للأكراد من خلال الأحزاب المختلفة..


لكن سرعان ما توقفت هذه المفاوضات بعد إصرار أردوجان وحكومته على رفض كل المطالب الكردية وأهمها الحكم شبه الذاتى لمناطق الأكراد، التى تضم خمسة عشر مليون نسمة.


ليعود الوضع إلى ما كان عليه ويعود الأكراد إلى استخدام السلاح فى كفاحهم للحصول على حقوقهم وتعود الحكومة التركية إلى سابق سياساتها بضرب مناطق الأكراد بالطائرات وحصار القرى والمدن الكردية وفرض سياسة التجويع والقتل العشوائى والاعتقال غير المبرر واتهم الأكراد الحكومة التركية بارتكاب عدة مجازر فى قرى كردية فى محاولة للقضاء على حزب العمال الكردستانى.


التصعيد التركى ضد الأكراد اتخذ شكلًا أكثر عنفًا عقب فشل حزب العدالة والتنمية فى الحصول على الأغلبية المطلقة فى الانتخابات التشريعية فى يونيه عام ٢٠١٥ وبالتالى فشله فى الحصول على موافقة البرلمان على تعديل الدستور لتغيير نظام الحكم فى تركيا إلى نظام رئاسى، كما رفض حزب الشعوب الديمقراطى الكردى، الذى يملك تسعة وخمسين مقعدًا تأييدًا لهذا المطلب رغم الضغوط الشديدة، التى مارسها أردوجان على الحزب وعلى قيادته، حيث كانت موافقتهم تكفى لتمرير هذا التغيير فى البرلمان..


ثم جاء ما سمى “بعريضة السلام” والتى وقعها أكثر من ١٢٠٠ أكاديمى تركى وأجنبى منددين بالمجازر التركية ضد الأكراد فى شرق تركيا لتثير غضب أردوجان الذى حذر علنا من أن كل هؤلاء سيدفعون ثمن خيانتهم.


وكان الرئيس التركى أردوجان قد استغل الانقلاب العسكرى الفاشل فى يوليو الماضى أسوأ استغلال للإطاحة بخصومه السياسيين وكل من يعتقد أنهم من الممكن أن يؤثروا على حلمه فى تغيير نظام الحكم فى تركيا إلى نظام رئاسى والانفراد بالحكم بهدف إعادة الخلافة العثمانية على العالم الإسلامى، وهو حلمه الذى لم يتوقف يوما عن تحقيقه.


أردوجان وسع مفهوم الإرهاب ليشمل جميع منافسيه وأعدائه وخصومه السياسيين، حيث أكد أنه لا فرق بين إرهابى يحمل سلاحًا أو قنبلة وأولئك الذين يستغلون مواقعهم وأقلامهم لخدمة أهداف الإرهابيين.


ومن الواضح أنه تحت هذا التعريف يضع أردوجان كل من يخالفونه فى الرأى فى السجون، حيث بلغ عدد الذين تم اعتقالهم منذ الانقلاب الفاشل أربعين ألف مواطن، هذا غير فصل ١١٥ ألف موظف من وظائفهم الحكومية، وآلاف آخرين فى الجيش والشرطة، انتقام أردوجان امتد ليشمل الإعلام، حيث تم إغلاق جمعية زمان العلمانية، وتم اعتقال عشرات الصحفيين من ضمنهم رئيس تحرير صحيفة جمهوريات العلمانية، كما تم إغلاق عشرات الوسائل الإعلامية بين قنوات فضائية وصحف ومواقع إلكترونية، هذا فضلًا عن مراقبة الفيس بوك والتويتر وكل شبكة الإنترنت وتعطيلها من آن لآخر.


قمع حرية الصحافة والقبض العشوائى على مخالفى أردوجان فى الرأى واعتقال النواب الأكراد أسفر عن موجة واسعة من الانتقادات الحزبية لانتهاك حقوق الإنسان فى تركيا خاصة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوربى، الذى هدد بوقف تام لمباحثات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوربى.. لكن لا يبدو أن الرئيس التركى أردوجان لديه النية للتراجع عن سياسته القمعية، حيث أكد أنه لا شأن لأى دولة فى العالم بما يحدث فى تركيا.. وذلك رغم كل التحليلات التى تؤكد أن الأزمات والصراعات الداخلية فى تركيا ستفقدها يوما بعد يوم قوتها ونفوذها الإقليمى، وذلك لأن ملف الأكراد سيبقى سببًا لاستنزاف تركيا لسنوات طويلة قادمة، مما يؤثر على نموها الاقتصادى، الذى كان من أهم أسبابه الاستقرار السياسى والأمنى.. سياسة أردوجان تزيد من خطورة الوضع الداخلى فى تركيا وتؤدى إلى تلاشى السلم الاجتماعى..


كانت البداية فى عام ٢٠١٣ عقب عنف الشرطة ضد مظاهرات منتزه جيزى، وزاد الأمر عقب الانتخابات البرلمانية فى يوليو عام ٢٠١٥.. ويظهر انعدام السلم الاجتماعى الآن من خلال حالة الاستقطاب الحاصل بين مكونات الشعب التركى بين الشباب وكبار السن بين التيار السياسى اليسارى وتيار المحافظين، والأهم هو الاستقطاب بين الأتراك والأكراد.


سياسة حزب العدالة والتنمية وأردوجان فى هذا الشأن بالخصوص تزيد من الاستقطاب وذلك حفاظًا على مصلحة الحزب ولخدمة حلم أردوجان حتى لو كان على حساب استقرار تركيا..