سلام ما بعده سلام مدريد ما بين الوهم والحقيقة

09/11/2016 - 11:37:30

بقلم: السفير د. رضا شحاتة

على امتداد التاريخ الطويل للصراع العربى الإسرائيلى يتواصل تاريخ مواز للنشاط الدبلوماسى الدولى عابراً لحروب متتالية ما بين أعوام ١٩٤٨، ١٩٥٦، ١٩٦٧، ١٩٧٣، ومن خلال هذه السلسلة المترابطة بالأسباب والنتائج من حروب عربية إسرائيلية، تناثرت مساعٍ للمباحثات أو المفاوضات الثنائية أحياناً، ودولية أحياناً أخرى تجرى بين حكومات مصر، إسرائيل، الأردن، والفلسطينيين، وكانت أحياناً تتسع لتضم السوريين بل وبعض الأطراف العربية من الخليج إلى شمال أفريقيا والمغرب العربى.


هذه المساعي الثنائية أو الإقليمية أو الدولية كثيراً ما اتخذت شكل المبادرات الرائدة، أو كما تسمى أحياناً القرارات القيادية أو التاريخية من القوى الإقليمية أو القوى الكبرى على حد سواء، وربما كانت أحدث هذه الموجات فى الخضم الهائل من جهود ـ ربما بلا طائل ـ تسعى لتدويل الصراع العربى الإسرائيلى من جديد، بعد انحساره داخل دوائر إقليمية ضيقة ربما آخرها ما كان من تدشين البرلمان الأوروبى فى صيف ٢٠١٤ لرؤية عن أسس «الحل النهائى» أو الوضع النهائى ـ بتعبير أدق، للصراع العربى الإسرائيلى، وذلك حين تلقفت الدبلوماسية الفرنسية هذه الرؤية أو تلك الأسس لتضع لها ـ كعادة الفرنسيين فى المنهج الدبلوماسى المنطقى ما يقوم على مبادئ القانون الدولى ـ فى صياغة قرار لمجلس الأمن، لم يكتب له الصدور لاعتراضات إسرائيلية، أدت إلى اعتراضات فلسطينية رفضت تحديداً أى تشويه إسرائيلى للصياغة الفرنسية، بل وبسبب اعتراضات وزير الخارجية الأميريكية «كيرى» الذى نادى بالتركيز على الجهود الأميريكية التى باءت بالفشل فى نهاية المطاف.


ولعلنا لم نزل نذكر أن روسيا أيضاً، وكذلك القيادة المصرية دفعت بمقترحات أو مبادرات مثيلة تركز فى الجوهر على الدور الدولى والمسئولية الدولية للخروج من معضلة هذا الصراع الذى لا تريد له إسرائيل أن ينتهى إلا طبقاً لرؤيتها واستراتيجياتها وعقيدتها القائمة على «العقيدة الصهيونية» الخالصة، وقوامها باختصار وتركيز شديدين، اعتراف العرب جميعاً، ومن قبلهم الفلسطينيون «بيهودية الدولة، أو بإسرائيل وطناً قومياً لليهود».


وفى هذا السياق بالتحديد، يجب ألا يكون غائباً عمن يتصدى للتحليل السياسى أو القارئ الدارس للعلاقات الدولية ولتاريخ الشرق الأوسط المعاصر، أن هذا «الشرط الاسرائيلى» كما يتمسك به ويصر عليه اليمين الإسرائيلى (وكنت شاركت فى مؤتمر مدريد للسلام عضواً فى الوفد المصرى الذى ترأسه السيد عمرو موسى وزير الخارجية عندئذ ١٩٩١) المتطرف، وحكومة بنيامين ناتانياهو تحديداً ليس إلا صدى مباشراً صريحاً لا لبس فيه لوثيقة ـ هى الوثيقة الأخطر فى تاريخ الصراع العربى الإسرائيلى، وهو ما عرفناه باسم «إعلان بلفور أو كما يسمى فى المصطلح العام «بوعد بلفور» تلك الرسالة المؤرخة فى الثانى من نوفمبر ـ فى مثل هذا الشهر (عام ١٩١٧) من وزير الخارجية البريطانى «آرثر جيمس بلفور» إلى البارون «روتشيلد» رئيس الجالية اليهودية فى بريطانيا، لكى يقوم بدوره لنقلها إلى «الاتحاد الصهيونى « لبريطانيا العظمى وأيرلندا، تلك الرسالة الأخطر التى وجدت طريقها إلى الصحف البريطانية فى التاسع من نوفمبر (١٩١٧) لتغير من الخريطة السياسية فى المشرق العربى والشرق الأوسط كله على إنقاص الامبراطورية العثمانية، التى لم تكن تزال تخوض معارك الحرب العالمية الأولى ضد بريطانيا فما كان من الحكومة البريطانية، طبقاً لتأويلات وتفسيرات تاريخية عديدة إلا أن دفعت بهذا الإعلان أو «الوعد» بدعم إقامة وطن قومى لليهود فى فلسطين، لكى تضمن الولاء والدعم المالى والمادى لليهود فى بريطانياً، والولايات المتحدة وفى بعض الروايات فى روسيا «المتحالفة مع بريطانيا ضد الامبراطورية العثمانية» وصولاً لتحقيق النصر ضد دولة الخلافة فى العالم العربى ودفع (فلسطين) عربوناً لهذا التحالف.


ودون الدخول فى تفاصيل تأويلات (إعلان بلفور) ودوافعه وعواقبه التى وصفها القادة العرب فى الحجاز والمتحالفون مع بريطانيا فى ثورتهم على الامبراطورية العثمانية بأنه (خدعة كبرى) ضللت بها بريطانيا «الشريف حسين» أمير مكة انتهاكاً لاتفاقاته معهم فى مراسلات «ماكماهون» (المندوب السامى فى مصر) لمنح الاستقلال لأمير مكة مقابل الثورة ضد (الأتراك).


(الخدعة الكبرى ) فى مطلع القرن العشرين وهى الوصف التاريخى الدقيق لوثيقة إعلان بلفور فى الثانى من نوفمبر (١٩١٧) ولا تقل عنها، من حيث النتائج والآثار الموعودة، خدعة تاريخية أخطر وأحدقت، تزامنت أو توافقت زمنياً مع نفس التاريخ ولو مصادفة فى الثانى من نوفمبر ١٩٩١، وهى ما أصبح علماء السياسة الدولية يطلقون عليه (عملية السلام) التى انعقد لها « مؤتمر دولى حاشد فى مدينة مدريد التاريخية بعد إعداد دبلوماسى متعدد الأطراف والأبعاد، على خلفيتين، خلفية إقليمية وخلفية دولية هامة تتمثل فى نتائج وآثار حرب الائتلاف العربى الدولى بقيادة الولايات المتحدة لتحرير الكويت من الغزو العراقى فى عهد صدام حسين أغسطس ١٩٩٠ فبراير ١٩٩١، وخلفية دولية أقرب إلى الزلزال فى الموازين الدولية، هى انهيار الاتحاد السوفيتى وتفكك دعائمه الجيوسياسية فى آسيا وأوروبا الشرقية، وتداعى نفوذه الدولى والإقليمي فى ظل سياسة جورباتشوف (أغسطس ١٩٩١) .


المسرح الإقليمى الشرق أوسطى والمسرح الدولى أصبحا مهيأين لتحرك دبلوماسى أميريكى طوال الشهور الأولى لعام ١٩٩١ حتى انعقاد المؤتمر التاريخى فى مدريد، الذى جاء أيضاً بوعدٍ وتعهد، بل وضمانات، تقوم بالإعداد لعملية سلام تحقق التسوية بين الدول العربية وإسرائيل والفلسطينيين فى المقام الأول فى مصالحة تاريخية كبرى أعد لها إطارها ومحتواها وقواعدها الحاكمة خبراء البيت الأبيض والخارجية الأميريكية ومجلس الأمن القومى الأميريكى فى عهد الرئيس الأميريكى الأسبق جورج بوش (الأب) ووزير خارجيته جيمس بيكر، ومستشاريه (اليهود) «دنيس روس» «آهارون ديفيد ميللر»، « دان كيرتزر» الذين كادوا يحتكرون المشورة السياسية ويستأثرون بعقول وآذان الإدارة الأميريكية فى توجيه إدارة ما سمى «بعملية السلام» وفعاليات الصراع العربى والفلسطينى الإسرائيلى منذ ذلك التاريخ.


وإذا كان انتصار بريطانيا فى الحرب العالمية الأولى وانهيار الخلافة العثمانية وتوزيع الغنائم والأقاليم الخاضعة لها فى مصر وفلسطين والعراق وسوريا، أتاح لبريطانيا أن تفى (بوعدها) التاريخى ليهود بريطانيا ولأتباع الصهيونية العالمية، للدخول بهجراتهم المتعاقبة إلى فلسطين تحت الانتداب ـ لإقامة وطن قومى يتحقق به حلم (تيودور هرتزل) فى كتابه « الدولة اليهودية» (وليعلن بن جوريون استقلاله فى مايو ١٩٤٨). فقد كان ذلك الانتصار البريطانى ـ كما وصفه «ديفيد فرومكين» عام (١٩٨٩) بمثابة «سلام ما بعده سلام» أى السلام الذى دفع بمنطقة الشرق الأوسط ومنذ ذلك التاريخ لصراع لم ينته بعد قيام دولة إسرائيل مروراً بالحروب العربية الإسرائيلية الأربعة وصولاً إلى كامب ديفيد والانتفاضة الفلسطينية الأولى ثم بمؤتمر مدريد للسلام ١٩٩١، والانتصار الأميريكى فى الحرب على العراق ثم اتفاقيات أوسلو، ومبادئ كلنتون عام ٢٠٠١ والتى انتهت بانتهاء ولايته، حتى الانتفاضة الفلسطينية الثانية.


وحتى اليوم نوفمبر ٢٠١٦ لم تزل الخدعة الكبرى (الثانية) بعيدة التأثير برغم قيام السلطة الفلسطينية وتولى قيادة وطنية جديدة (أبومازن) بعد القيادة التاريخية لعرفات، ولم يعد ثمة فى الحقيقة ما ينطبق على (عملية السلام) الذى يمثل هذا الشهر نوفمبر الذكرى الخامسة والعشرين على إطلاقها، لم يعد ثمة وصف ينطبق عليها أدق من وصف أطلقه عليه أحد مخططيها وصناعها فى مطبخ الدبلوماسية الأميريكية «دنيس روس» فى كتابه «السلام المفقود» أو السلام الضائع الذى أصدره عام ٢٠٠٥ ثم عاد ليؤكده فى تفسير جديد يبشر فيه بضرورة تغيير نظم الحكم فى دول المشرق العربى والشرق الأوسط ـ (تحققت نبوءته فى مصر بعد ذلك) فى كتاب جديد كان قد أصدره عام (٢٠٠٩) .


واستقراءً جديداً لدلالات هذا السلام المفقود وصف « دينيس روس» عملية السلام، أو كما وصفها بجرأة أكبر»أهارون ديفيد ميللز» فى كتابه «الأرض الموعودة»، المساعى الأميريكية المراوغة نحو السلام بين العرب وإسرائيل (عام ٢٠٠٨) يحاول فيه تحليل مواطن الخلل التى تسللت منها خطوات الخديعة التاريخية الثانية فى نهاية القرن العشرين فى إطار استراتيجية أميريكية عليا مخططة ومبرمجة استثمرت استثماراً أمثل صراعا عربيا عربيا (غزو العراق للكويت عام ١٩٩٠) ومن وراء هذا الصراع، استغلت وقوف القيادة الفلسطينية ـ الرئيس عرفات آنذاك منحازاً إلى الجانب الخطأ من التاريخ ـ بوقوفه داعماً لصدام حسين (الذى أطلق صواريخه الاستعراضية على إسرائيل ـ ومستغلاً أقصى درجات الاستغلال قرار التدخل العسكرى الأميريكى لصالح تحرير أرض دولة عربية مستقلة هى الكويت ودعم جهود التحالف العربى بقيادة السعودية ومصر لتدمير العراق عسكرياً واقتصادياً وتكنولوجياً، فى وقت استثنائى فى العلاقات الدولية، انفردت فيه واشنطن بالقرار الاستراتيجى فى الحرب والسلام، وافتقر فيه العرب نظماً وحكومات إلى حليف داعم فى قوة ونفوذ الاتحاد السوفيتى المنهار.


ـ كانت تلك هى اللحظة التاريخية المواتية استراتيجياً لإدارة الرئيس بوش للسير فى الطريق نحو مدريد؛ لينعقد هذا الاجتماع الدولى ـ بعيداً عن الرموز الدولية فى جينيف ـ مقر الأمم المتحدة، أو فيينا ـ المقر الأوروبى الثانى للأمم المتحدة ـ أو حتى فى «لاهاى»، مقر محكمة العدل الدولية حتى لا يكون لهذا المؤتمر الدولى أى دلالات قانوينة دولية مباشرة أو غير مباشرة. فينعقد مؤتمر مدريد للسلام فى الشرق الأوسط منذ خمسة وعشرين عام فى الفترة من ٣٠ أكتوبر إلى الأول من نوفمبر ١٩٩١ ليجلس القادة الإسرائيليون (بقيادة شامير رئيس الوزراء) والقادة من الدول الكبرى (بوش وجورباتشوف) وكبار المسئولين والوزراء، من مصر وسوريا ولبنان والأردن، ومن قبل هؤلاء جميعاً ولأول مرة شخصيات وطنية فلسطينية دارت مباحثات شاقة ومعقدة لاختيارهم من الداخل بعيداً عن القدس (وبعيداً عن منظمة التحرير) للتفاوض من أجل التوصل لسلام يضع نهاية لحروب بين العرب إسرائيل كتب حروفها الأولى وزير الخارجية البريطانى «جيمس بلفور» فى إعلانه فى نوفمبر (٢٠١٧) منذ أقل من مائة عام بعام واحد، ثم كرستها ووسعت نطاقها ومسارحها خديعة أكبر وأخطر فى تاريخ هذا الصراع عبر أجيال متعاقبة .


تمثلت الخديعة الثانية فى أطروحة عملية السلام تبدأ ولا تنتهى فى دائرة لا تحدد فيها نقطة النهاية يسمونها دائرة مفرغة أو دائرة الشر»، هدفها إعادة اجتذاب قوى عربية رائدة، السعودية ومصر ودول الخليج العربية إلى تحالف دولى تقوده واشنطن تخترق من خلاله جدران الرفض العربى للتطبيع مع إسرائيل، من خلال التلويح بالاستجابة لطموحات فلسطينية مشروعة بحق تقرير المصير، واستعادة الأرض المحتلة ونهاية بإقامة دولة مستقلة، والتى لم تخرج فى نهاية المطاف، رغم كل النوايا العربية الصادقة ـ ربما الصادقة بأكثر مما ينبغى ـ عن تطبيع فى علاقات اقتصادية وتجارية بين إسرائيل وبعض الدول العربية ـ الخليجية وفى المغرب العربى ـ وعن فتح قنوات اتصال معلنة وغير معلنة بين عواصم عربية وإسرائيل حتى وضعت السلطة الفلسطينية ـ التى انتهت إليها المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية بعد سنوات عدة فى موقف يكاد يكون شبه ضامن للأمن الإسرائيلى، برغم استمرار توسيع وبناء المستوطنات على الأرض الفلسطينية، وبرغم جدار عازل يقطع الأراضى الفلسطينية المحتلة، وبرغم اختراقات وانتهاكات المستوطنين للأراضى المقدسة وللقدس الشريف، حتى انتهى الأمر إلى تجميد مقصود ومرسوم لأى تقدم لمسار العملية التفاوضية.


وبرغم ذلك لم تزل محاولات الاستراتيجية الأميريكية تحت عنوان (خارطة الطريق) أو اللجنة الرباعية الدولية، تدير تلك العملية المكشوفة حتى تنتهى (عملية السلام) إلى ما كان قد وصفه «دينيس روس» إلى (خرافات) تقضى على أى خطط لحل الدولتين، أو لدولة (ثنائية القومية)، وتنتهى إلى دولة عنصرية تسيطر فيها أكثرية يهودية مستوطنة على ما لا يقل عن مليونين من الفلسطينيين المطالبين بحقوقهم المشروعة فى الاستقلال والسلام القائم على العدل، وهى صيغة متكاملة والسيطرة العنصرية اليهودية على الفلسطينيين فى الأراضى الفلسطينية المحتلة) وجاهزة وقابلة لنمو كل أنواع الإرهاب بمختلف ألوان الطيف، وفى ذلك ما يحقق نبوءة (ديفيد فرويكين) منذ ثلاثة عقود مضت بأنه سوف يؤدى إلى سلام ما بعده سلام .


وإذا عدنا بالذاكرة قليلاً، أو استرجعنا بعض كلمات «جيمس بيكر» وزير خارجية واشنطن عندئذ(١٩٩١)، لرأينا كيف اختارت واشنطن تلك اللحظة التاريخية لانهيار جدار برلين، واختفاء الاتحاد السوفيتى من المعادلة الدولية، لتقتحم الإدارة الأميريكية أكثر مناطق الأزمات فى العالم استعصاءً على الحل (الشرق الأوسط) لكنه بعد ثلاثة أسابيع من نهاية حرب عاصفة الصحراء (٩ مارس١٩٩١) أدرك «جيمس بيكر» وهو فى طريقه إلى الكويت (المحررة) أن الولايات المتحدة من خلال تلك الحرب قد عززت أمن إسرائيل، ودعمت سياسات حلفائها (مصر والسعودية والأردن) بل استطاعت ضم الاتحاد السوفيتى ـ الداعم السابق لجبهة أو سياسة الرفض العربية إلى جانب واشنطن.


ومن خلال طرح صيغة (مؤتمر مدريد) يراه العرب من حيث الشكل تدويلاً أو إطاراً (دولياً) للصراع العربى الإسرائيلى ولا ترى فيه إسرائيل سوى «إطار محدد لمفاوضات مباشرة ـ وجهاً لوجه مع الدول العربية، حتى سوريا والسعودية، التى يعتبر (بيكر) مجرد جلوسهما فى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل إلى ما يرقى إلى «الاعتراف» بحقها فى الوجود، وهو ما كانت الدولتان السعودية وسوريا ترفضانه، وهو الإنجاز الذى سعت إليه واشنطن وتل أبيب .


وسار فى طريق الوساطة للإعداد للمؤتمر عديد من القادة والملوك كما ورد «بيكر» فى أحاديثه وكتبه (السياسة والدبلوماسية ـ الثورة الحرب والسلام (١٩٩٥) من بينهم الملك فهد، الرئيس مبارك والملك حسين، ورئيس الوزراء الإسرائيلى شامير. ـ ولعل أعقد وأشد جولات المفاوضات التمهيدية صعوبة كانت تجرى مع دمشق ومع الرئيس السورى حافظ الأسد (ربيع عام ١٩٩١) حين قدم وزير الخارجية الأميريكية بيكر لوزير الخارجية السورى فاروق الشرع خطاب الدعوة لمؤتمر مدريد للدخول فى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل مع ضمانات أمريكية مقدمة لكل من سوريا وإسرائيل، حتى أن موقف سوريا واستجابة الرئيس الأسد كانت محوراً لتدشين المؤتمر وعقده أو عدم إطلاقه من البداية حتى يكون ذلك بمثابة إعلان بتخلى سوريا عن سياستها للجلوس مع إسرائيل منذ عام ١٩٤٨.


الدور المصرى فى مدريد، قبل انعقاد ومن خلال قنوات الاتصال مع واشنطن وتل أبيب ودمشق والرياض فى فترة الرئيس السابق مبارك كان يضطلع به ويتولاه باقتدار وحرفية رفيعة ثعلب الدبلوماسية المصرية ومفاوضها الشرس، ووزير خارجية مصر آنذاك (منذ مايو١٩٩١) عمرو موسى الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية الذى طرح الرؤية العربية أمام المؤتمر الذى رأس فيه وفد مصر ـ حيث رسخ فى خطابه التاريخى المشهود كل ثوابت ومبادئ وأسس الحقوق العربية والفلسطينية فى الأرض المحتلة وفقاً للشرعية الدولية ومبادئ القانون الدولى وقواعد العدالة وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.


كان المؤتمر فى مرحلة الإعداد يواجه عقبات وراء عقبات، اجتهد جيمس بيكر فى اجتيازها بدءًا من إصرار واعتراض (شامير) على الموافقة على تشكيل الوفد الفلسطينى ثم رد واشنطن بتأجيل ضمان القروض لإسرائيل لتليين موقفها تجاه المشاركة الفلسطينية الذى تحقق من خلال الانضمام إلى وفد (أردنى فلسطينى) مشترك من الضفة الغربية وغزة (حيدر عبد الشافى، حنان عشراوى، وصائب عريقات) دون صلة تنظيمية بمنظمة التحرير، ومع ذلك ظل الوفد عملياَ ـ يوالى اتصالاته وبتلقى تعليماته من عرفات فى قيادة المنظمة فى تونس، التى أوفدت (فيصل الحسينى) مستشاراً للوفد (وهو مقدسى الأصل والنشأة) برغم اعتراضات إسرائيل.


وإذا كان افتتاح (مؤتمر مدريد) فى الثلاثين من أكتوبر بمثابة الحركة الأولى فيما أسماه البعض (سيمفونية السلام) فى مفاوضات مباشرة، فقد جاءت كلمة الوفد السورى التى ألقاها «فاروق الشرع» فى شكل الحركة المضادة؛ ليهدم أول صروح الوهم التى حاول بيكر والدبلوماسية الأمريكية بناءها باختراع (صيغة مدريد) حين اتهم رئيس الوزراء شامير وفى حضوره (بالإرهاب) وارتكاب عمليات إرهابية جعلت منه إرهابياً مطلوباً فى ظل الانتداب البريطانى فى فلسطين.


لكن الهدف الواقعى والحقيقى من خديعة مدريد الكبرى كان هو طرح صيغة ترتيبات الحكم الذاتى المؤقت على الفلسطينيين، لتأتى بعدها مفاوضات الوضع النهائى والخديعة الأكبر، كما أفضل أن أسميها، أن (ترتيبات الحكم الذاتى تلك لم تزل مؤقتة ) سلطة الحكم الذاتى بكل قيوده ومحدوديته، أما مفاوضات الوضع النهائى فهى أقرب اليوم إلى السراب منه إلى الواقع، حتى لو كان فى إطار الافتراضات النظرية حتى بعد أن كانت هذه المفاوضات الانتقالية المؤقتة قد تحولت عام ١٩٩٣ إلى إعلان مبادئ فى واشنطن فيما سمى اصطلاحاً باتفاقيات أوسلو.


وربما كانت ثمة محاولات شبه جادة تحافظ ولو على الحدود الدنيا من الحقوق الفلسطينية أو بالأحرى تلبى جزءا غير قليل من الطموحات الفلسطينية المشروعة كما حدث فى الأيام الأخيرة لولاية كلنتون أو مبادئ كلنتون للتسوية (قمة طابا ٢٠٠١ حول الأرض واللاجئين والقدس، ثم «خريطة الطريق» لما عرف باسم «اللجنة الرباعية» صيف ٢٠٠٢، بين الاتحاد الأوروبى، وروسيا والأمم المتحدة والولايات المتحدة لوضع ما سمى «بخارطة الطريق» وربما كانت المحاولات فى هذا الاتجاه تتمثل فى السعى لإنقاذ صيغة حل الدولتين، كما جاء فى تقرير «اللجنة الرباعية» الدولية فى الأول من يوليو ٢٠١٦ الذى تحذر فيه اللجنة الدولية من المخاطر التى تهدد تحقيق تسوية سلمية تفاوضية بين إسرائيل والفلسطينيين من خلال المفاوضات المباشرة وخاصة تلك المخاطر التى تتمثل فى بناء المستوطنات وأنشطة المتسوطنين التى تؤدى إلى تفجير العنف واستشراء ظاهرة الإرهاب وزعزعة الأمن والاستقرار فى المنطقة كلها.


هذا التقرير الدولى الأحدث يكاد يختزل ما آلت إليه عملية السلام ـ الخديعة الأكبر فى تطورات الصراع العربى الإسرائيلى من مكاسب مادية على الأرض حققتها إسرائيل بدأت بشطب قرار معادلة الصهيونية بالعنصرية من قرارات الأمم المتحدة كشرط لقبول إسرائيل الاشتراك فى مدريد (إلغاء القرار ٣٣٧٩) ثم زيادة عدد الدول التى اعترفت بإسرائيل ورفع درجة التمثيل معها بمجرد انعقاد مؤتمر مدريد ومشاركة الأطراف العربية وجهاً لوجه مع إسرائيل (فضلاً عن دول عربية مثل عمان وقطر وتونس والمغرب ومورينانيا وسقوط جدار المقاطعة العربية) .


وبرغم هذا المغزى الرمزى لمدريد باللقاء العربى الإسرائيلى وجهاً لوجه منذ رودس ١٩٤٩ حتى مدريد ١٩٩١، فإن الجميع يكاد يتفق على أن مدريد، وحلم السلام الذى لم يتحقق لم يجلب معه سوى المزيد من الانشقاقات بين القوى الفلسطينية خاصة أن ما تحقق بعد ذلك من ترتيبات (أوسلو) كانت بوابة للمزيد من الانعزال والتمزق داخل الموقف الفلسطينى الذى انزلق إلى دوامة (معابر الحدود) وإجراءات الأمن، وإطلاق سراح السجناء والمعتقلين ووقف بناء المستوطنات ومحاكمة القتلة من المستوطنين (يكفى فى ذلك شهادة الدكتور «ادوارد سعيد» فى كتابه نهاية عملية السلام أوسلو وما بعدها (٢٠٠٠)


مؤتمر مدريد الذى انطلق منذ خمسة وعشرين عاما، كان يمكن أن يكون مدخلاً حقيقياً للسلام القائم على العدل والحق والشرعية والقانون، إذا كان قد حافظ على الصيغة التى اعتمد عليها فى الانطلاقة الأولى، وهى (الأرض مقابل السلام) كما اتفق عليها فى بداية المرحلة التاريخية، وكما أكدته واشنطن فى ضمانات وتعاقدات ووعود يذكرنا بوعد بلفور خديعة العرب الكبرى.


لكن استقراء آثار (مدريد) اليوم وعواقبها على الساحة الفلسطينية وعلى الساحة العربية تكاد تقول إنها لم تزد على «خديعة أكبر تكاد تماثل الخديعة الكبرى الأولى التى انطلت على الشريف حسين أمير مكة بوعده من حكومة بريطانيا العظمى بمنح الاستقلال للأرض العربية لضمان انحيازه إلى الحلفاء فى حربهم ضد الامبراطورية العثمانية فى الحرب العالمية الأولى، ذلك فى الوقت الذى كانت فيه حكومة بريطانيا العظمى من خلال وزير خارجيتها (ارثر جيمس بلفور) تقدم (وعد بلفور) ـ أو إعلان لبلفور»للبارون روتشيلد» رئيس الاتحاد الصهيونى فى بريطانيا العظمى؛ ليضمن دعم اليهود والصهيونية العالمية فى حرب الحلفاء ضد الامبراطورية العثمانية، ولترث بريطانيا واليهود بعد الحرب أرض فلسطين، فيما وصفه «عبد الناصر» منذ زمن بعيد « ليعطى من لا يملك من لا يستحق» وليقع العرب دولاً وقادة مرة ثانية وخلال قرن واحد فريسة لخديعتين مرة من بريطانيا العظمى، ومرة ثانية من الولايات المتحدة المخرج التاريخى لمؤتمر مدريد «لسلام ما بعده سلام».