أردوغان يشعل ثورة الأكراد فى تركيا .. وحرب أهلية على الأبواب

09/11/2016 - 11:30:42

بقلم - السيد عبد الفتاح رئيس مركز القاهرة للدراسات الكردية

التصعيد الخطير الذى أقدم عليه نظام حزب العدالة والتنمية الحاكم فى تركيا، تنفيذا لتعليمات زعيم الحزب الرئيس التركى رجب طيب أردوغان، ضد حزب الشعوب الديمقراطى المعارض، واعتقال رئيسيه المشتركين و٩ من أعضائه الذين هم جميعًا نواب فى البرلمان التركى، هذا التصعيد ليس إلا استكمال لخطوات المخطط الذى وضعه أردوغان لإحكام سيطرته وهيمنته على مفاصل الدولة التركية، ولتحقيق أحد أهم أحلامه بتحويل النظام السياسى فى تركيا إلى النظام الرئاسى الذى يعطى الرئيس أردوغان سلطات مطلقة لم تجتمع إلا فى يد الطغاة والجبابرة المستبدين.


ورغم ضخامة الإجراء الأخير باعتقال قيادات ونواب حزب الشعوب الديمقراطى، فإنه لم يكن مفاجئًا بل إنه يسير وفق المخطط المنطقى والمتوقع لسياسات وإجراءات أردوغان وحزبه العدالة والتنمية للسيطرة التامة على تركيا بكل مؤسساتها السياسية والبرلمانية والإدارية والعسكرية والقانونية وغيرها.


وكالعادة فإن أردوغان يواصل حروبه المزعومة الداخلية والخارجية التى لا مكان لها إلا فى خياله المريض، وهى الحروب التى ستقضى عليه فى النهاية لا محالة فى ذلك، لكن هذا سيحدث بعد أن يكون أردوغان قد أودى بتركيا وشعبها إلى الانهيار، وأدخل المنطقة كلها فى أتون الاشتعال وعدم الاستقرار.


لم يهتم أردوغان ـ وهذا ليس جديدًا عليه ـ بخطورة ما يفعله، ولم يعبأ بأى ردود أفعال يمكن أن تتمخض عن هذه القرارات الديكتاتورية التدميرية التى يتخذها، فهو لا يهمه إلا تحقيق ما يخطط له مهما كان ذلك جالبًا للغضب والتنديد الدولى والإقليمى، أو مهددًا بإشعال حرب أهلية تأكل الأخضر واليابس فى تركيا والمنطقة.


إبادة سياسية جماعية وإنقلاب أردوغانى جديد


إن ما شهدته تركيا يوم الجمعة الماضى ٤ نوفمبر ٢٠١٦، من اعتقالات شنتها أجهزة الأمن فجرًا وطالت صلاح الدين دميرتاش وفيجان يوكسك داغ،الرئيسين المشتركين لحزب الشعوب الديمقراطى المعارض، ومعهما ٩ من أعضاء الحزب ونوابه فى البرلمان، والاتهامات الموجهة لهم بدعم الإرهاب والتحريض على المؤسسة العسكرية وإسقاط الدولة، كل ذلك يعد بمثابة إبادة سياسية جماعية بحق هذا الحزب ونوابه، تستهدف القضاء على الحزب والتخلص من معارضته التى تشكل عقبة كبيرة فى طريق تحقيق المشروع الاستبدادى لأردوغان وحزبه، فحزب الشعوب الديمقراطى هو صاحب القوة الثالثة فى البرلمان والحياة السياسية التركية، بعد حزبى العدالة والتنمية الحاكم، وحزب الشعب الجمهورى، فقد نجح حزب الشعوب فى تخطى عقبة نسبة الـ١٠٪ لدخول البرلمان واقتنص ٥٩ مقعدًا فى الانتخابات الأخيرة، كما أنه يعد بحق الحزب المعارض الأكثر ازعاجًا للنظام التركى وللرئيس رجب طيب أردوغان، نظرًا لدفاعه المستميت عن الديمقراطية والحرية، ولتصديه للمخططات الأردوغانية الهادفة للسيطرة والهيمنة على تركيا، كما أن هذا الحزب يمثل مختلف شرائح الشعب التركى سواء العلمانية أو اليسارية أو القومية علاوة على أنه الداعم الأكبر للأقليات الموجودة فى تركيا سواء الأكراد أو الأرمن أو العلويين وغيرهم، وبالتالى ينظر إليه حزب العدالة والتنمية باعتباره عقبة كبيرة فى سبيل فرض النظام الإسلامى الأردوغانى الذى لا يعترف بتعدد قوميات الشعب التركي.


كما أن هذه الاعتقالات الأخيرة وما سيتلوها من إجراءات تصعيدية من جانب أردوغان ونظامه، تمثل انقلابًا من الرئيس التركى، يحاول من خلاله استكمال السيطرة على مفاصل الدولة التركية، وهو انقلاب يأتى بعد إنقلاب ـ ربما يكون مصطنعًا ـ قام به عدد من قادة الجيش التركى قبل بضعة شهور.


وإذا كان أردوغان تمكن من توجيه ضربة قاصمة للمؤسسة العسكرية التركية التى كان لها الكلمة الأولى فى تركيا طوال العقود الماضية، ونجح فى تصفية عشرات الالاف من جنودها وضباطها وقوادها، بما يعجزها مستقبلا عن محاولة التدخل فى الحياة السياسية، وتعطيل تنفيذ مخططاته، فإنه ـ أردوغان ـ يواصل خطواته فى هذا الشأن، بالتخلص من كل معارضيه السياسيين، بدأها أولا بجماعة فتح الله كولن، التى زعم وقوفها خلف الانقلاب العسكرى الفاشل، ما أتاح له بعدها شن حملات اعتقالات بين من يعتقد أنهم أنصار أو أعضاء فى جماعة الخدمة، فى مختلف المؤسسات سواء العسكرية أو الأمنية أو الحكومية والإعلامية والقضائية. لينتقل بعد ذلك إلى الخصم القوى الثانى وهو هنا حزب الشعوب الديمقراطى الذى يعتبره الذراع السياسى لحزب العمال الكردستانى، الذى يتهمه أردوغان ونظامه بالعمل على الانفصال، ويصنفه حزبا إرهابيًا.


وبالتوازى مع الحرب الضخمة التى يشنها أردوغان ضد الشعب الكردى فى تركيا، والعمليات العسكرية التى يقوم بها فى المناطق الكردية جنوب شرق البلاد، والقتال المشتعل بين قوات الجيش والشرطة من جانب ومقاتلى حزب العمال الكردستانى من جانب آخر، وهى حرب طاحنة تكبد فيها الجيش التركى خسائر لا يستهان بها. بالتوازى مع ذلك شن أردوغان ونظامه حربًا سياسية قضائية ضد السياسيين الأكراد وحزب الشعوب الديمقراطى، فقد سبق الاعتقالات الأخيرة، عزل واعتقال رئيسى بلدية دياربكر جولتان كيشاناك وفرات أنلى فى الأول من شهر نوفمبر الجاري.


قائمة الاتهامات الموجهة للقيادات الكردية


أعد النظام قائمة ضخمة من الاتهامات ضد قيادات حزب الشعوب، فالرئيس المشارك للحزب صلاح الدين دميرطاش متهم بـ: تشكيل منظمة بهدف ارتكاب الجرائم، والانتماء والترويج لمنظمة إرهابية مسلحة، وتحريض الشعب على الكراهية والعداء، الإهانة، التحريض علنا على ارتكاب الجرائم وانتهاك القوانين، ومحاولة الاخلال بوحدة الدولة.


والرئيسة المشاركة للحزب فيجان يوكسك داغ متهمة بـ: تشكيل منظمة بهدف ارتكاب الجرائم، الترويج لمنظمة إرهابية، التحريض علنا على ارتكاب الجرائم، الإهانة العلنية للدولة التركية وحكومتها وقضائها وجنودها وجهازها الأمنى، الإخلال بوحدة الدولة والبلاد، ومدح الجرائم ومرتكبيها.


أما النائب فى البرلمان عن أنقرة «سرّى سريا أوندر» فيواجه تهم: مخالفة القوانين فى الاجتماعات والمظاهرات، تشكيل منظمة بهدف ارتكاب الجرائم، والتحريض العلنى على الكراهية والعداء.


والنائبة عن ولاية هكّارى «سلنى إرماق» متهمة بـ: الترويج لمنظمة إرهابية، ونقل جثة إرهابى قُتِل خلال عمليات قوات الأمن التركية من المشرحة والمشاركة فى مراسم دفنه.


فيما تم اتهام النائب عن ولاية ديار بكر «إدريس بالوكين» بمدح الجرائم ومرتكبيها، الترويج لمنظمة إرهابية، ارتكاب الجرائم باسم المنظمة، والاهانة العلنية للدولة التركية وشعبها ومؤسساتها.


ولا تبعد الاتهامات الموجهة للنائب عن ولاية شرناق «فرحات أنجو» كثيرا عن زملائه فهو متهم بـ: الترويج لمنظمة إرهابية، تحريض الشعب على الكراهية والعداء، الدخول إلى مناطق حظر عسكرية، ومحاولة قتل الموظفيين الحكوميين.


وهى نفسها الاتهامات التى كانت من نصيب النائب عن ولاية هكارى «عبدالله زيدان» بالترويج لمنظمة إرهابية.


والنائبة عن شرناق «ليلى برليك» بالترويج لمنظمة إرهابية، تحريض الشعب على الكراهية والعداء، مدح الجرائم ومرتكبيها، والدخول إلى مناطق حظر عسكرية.


والنائب عن ديار بكر «ضياء بير» بالترويج والانتماء لمنظمة إرهابية، والتحريض على ارتكاب الجرائم.


والنائبة عن ديار بكر «نورسل أيدوغان» بارتكاب الجرائم باسم المنظمة.والنائبة عن ماردين «غولسر يلدريم» بالترويج لمنظمة إرهابية، ومدح الجرائم ومرتكبيها.


والواضح من قائمة الاتهامات بالإضافة إلى خطورتها، هو محاولة النظام التركى توريط هؤلاء فى دعم حزب العمال الكردستانى، المصنف إرهابيا من جانب الدولة التركية، ليستفيد النظام من حملات كراهية وتشويه تعرض لها الحزب ومقاتليه طوال العقود الماضية، حتى يسهل على أردوغان تمهيد وتمرير العقوبات والإجراءات التى يريدها ضد هؤلاء.


أهداف أردوغان من اعتقال دميرتاش ورفاقه


يهدف الرئيس التركى أردوغان ونظامه، إلى تحقيق عدة أهداف من وراء حملة الاعتقالات التى طالت صلاح الدين دميرتاش ورفاقه فى حزب الشعوب الديمقراطي. لعل أول هذه الأهداف وأبرزها هو محاولة القضاء التام على هذا الحزب الذى منذ صعوده وهو يمثل «صداعًا» فى رأس أردوغان وعقبة كبيرة فى سبيل تحقيق مشروعه، فمع حجم ونوعية التهم الموجهة إلى دميرتاش ورفاقه والتى يمكن أن تزج بهم فى السجون لقرون حسب العقوبات المقررة لهذه الاتهامات، فإنه سيكون سهلًا على أردوغان أن يقرر حل الحزب وإغلاقه نهائيًا بحجة أنه يدعم الإرهاب ويشكل تهديدًا لاستقرار تركيا وأمن وأمان شعبها ونظامها. وبحجة أنه يمثل الوجه الآخر لحزب العمال الكردستانى الإرهابى حسب التصنيف التركي.


أما الهدف الثانى فهو أن يتحول اعتقال دميرتاش ورفاقه إلى ورقة يتفاوض بها أردوغان مع الأكراد وخاصة حزب العمال الكردستانى، ليحاول أن يفرض عليه وقف العمليات العسكرية والرضوخ لما يقدمه أردوغان لعملية السلام بين الطرفين.


وهناك هدف ثالث لايقل أهمية إطلاقًا، يتمثل فى أنه بالتخلص من هذا الحزب سيكون الطريق ممهدًا أمام أردوغان وحزبه لإقرار النظام الرئاسى، سواء عن طريق البرلمان وهنا سيتم التصويت عليه بمعرفة نواب حزب العدالة والتنمية ومعهم نواب حزب الحركة القومية. أو من خلال الاستفتاء الشعبى، وإجراء انتخابات مبكرة يتمكن خلالها حزب العدالة من الفوز بالأغلبية المطلقة التى تحقق له التفرد والهيمنة على تركيا.


كذلك فإن أردوغان يحاول من خلال التصعيد الأخير ضد حزب الشعوب الديمقراطى، التأثير على النجاحات التى يحققها الأكراد فى سوريا، سواء سياسيًا بترسيخ تجربتهم فى الادارة الذاتية ومن بعدها الفيدرالية، أو عسكريا بالانتصارات التى يحققها الأكراد وقوات سوريا الديمقراطية فى الحرب ضد داعش، وزيادة رقعة الأرض التى باتوا يسيطرون عليها، والتى وضعتهم على الحدود مباشرة مع تركيا، وهو ما يعتبره أردوغان بمثابة الخط الأحمر، والتهديد الخطير للأمن القومى التركي.


سيناريوهات التصعيد وتداعيات الأزمة


تشير كل المؤشرات والإجراءات التى شهدتها الأزمة الأخيرة، إلى أن أردوغان ونظامه قد اختارا منذ البداية سيناريو التصعيد وتوصيل الأزمة إلى نهايتها إلى حافة الهاوية، فما تعرض له الحزب وقادته يستهدف القضاء عليهم ومحو الحزب من الخريطة السياسية، وكذلك فإن هذه الإجراءات تؤكد أن أردوغان اختار بلا تردد سيناريو التصعيد والمواجهة العسكرية لحسم الخلافات مع الأكراد وبصفة خاصة حزب العمال الكردستانى، فطوال الفترة الماضية كان دميرتاش وحزبه يلعبان دورًا ملحوظًا للتهدئة ولتقريب وجهات النظر بين النظام التركى وحزب العمال، وهو ما كان يعنى أن الباب مازال»مواربًا» وهناك فرص لأى محاولات ودية أو سياسية للتهدئة ولإنقاذ عملية السلام التى تلقت ضربات قاضية الفترة الماضية.


وفى المقابل فإن حزب العمال الكردستانى يجد نفسه مضطرًا ليذهب مع أردوغان فى طريق المواجهات الدموية والعمليات العسكرية، التى بلا شك تزيد من أمد الصراع وتعميق الأزمة. حيث أن الحزب وطوال الشهور الماضية تمكن من إيقاع خسائر فادحة فى صفوف الجيش والشرطة التركية خاصة فى المناطق الكردية جنوب شرق البلاد، مع عمليات نوعية استهدفت مبان ومعسكرات للشرطة والجيش، وأخرى فى العاصمة أنقرة ومدينة اسطنبول تمت بالقرب من مقرات رئاسة الأركان والحكومة والمخابرات ووزارة الداخلية فى رسائل واضحة من الحزب بأننا قادرون على الوصول إلى العمق وضربه بشدة.


وعقب الاعتقالات الأخيرة لم يتوان حزب العمال وقادته فى التهديد بمواصلة العمليات العسكرية. وقال أحد كبار قادة الحزب فى تسجيل مصور يوم الجمعة الماضى، أن الحزب سيصعد صراعه ضد تركيا، وقال مراد قريلان، القيادى الكبير بـ»الكردستاني»، فى التسجيل المصور الذى نشر على موقع مقرب من الحزب على الإنترنت، أن من «المهم جدا» أن يرد الكرد على احتجاز نواب حزب الشعوب الديمقراطي. وهو ما يشير إلى أن الحزب قد اختار هو الآخر طريق المواجهة العسكرية وخيار القوة، بما يعنى أن تركيا باتت على شفا حرب أهلية خاصة مع اتساع رقعة المواجهات وجبهات العمليات العسكرية، ومع الممارسات الحكومية ضد المدنيين العزل الأكراد فى مناطقهم. يضاف إلى ذلك أن الجبهة تتسع وتمتد إلى خارج الأراضى التركية، أى إلى الأراضى السورية وخاصة شمالها الذى صار ساحة كبيرة للصراع بين الأكراد والأتراك.