تركيا ما بين «درع وغضب الفرات»

09/11/2016 - 11:28:56

بقلم - السفير حسين هريدى مساعد وزير الخارجية الأسبق

أعلنت قوات سوريا الديمقراطية يوم الأحد الماضى بدء عملية تحرير مدينة الرقة السورية من قبضة تنظيم «الدولة الإسلامية»، فى الوقت الذى تتقدم فيه بعض الجماعات المسلحة الموالية لتركيا بالتقدم تجاه مدينة «الباب» السورية لتحريرها هى الأخرى من سيطرة التنظيم المذكور، عملية تحرير «الرقة» السورية تعرف باسم «غضب الفرات»، بالمقابل أطلقت تركيا على توغلها فى الأراضى السورية فى أغسطس الماضى عملية «درع الفرات».


وفى ذات الوقت، تتقدم فيه القوات العراقية وعلى عدة محاور صوب مدينة «الموصل» بهدف القضاء على تنظيم «داعش» بها، ونجحت قوات مكافحة الإرهاب فى التوغل فى بعض الأحياء بها.


وتوقعا لبدء عمليات تحرير كل من «الموصل» و»الرقة» دخلت القوات التركية الأراضى السورية لتشارك فى العمليات العسكرية ولتكون متواجدة على الأرض بعد تحرير المدينتين العراقية والسورية من قبضة «داعش».


عند غزوها لسوريا فى أغسطس المنصرم أعلنت تركيا أن مهمة قواتها مزدوجة، المهمة الأولى هى محاربة «داعش»، والثانية هى القضاء على إرهاب حزب العمال الكردستانى من ناحية وقطع الطريق على أكراد سوريا من إقامة دويلة كردية على الأراضى السورية بمحاذاة الحدود السورية-التركية من ناحية أخرى، ولقد طالبت تركيا بالفعل بالمشاركة الفعلية فى العمليات العسكرية ، لكن رفضت الحكومة العراقية هذه المشاركة التركية حيث أكد رئيس وزراء العراق
أن عملية تحرير «الموصل» هى عملية عراقية بحتة، وفى هذا السياق يلاحظ أن رجب طيب أردوغان الرئيس التركى، كان قد أعلن أن الموصل كانت تابعة لتركيا قبل التوقيع على معاهدة «سيفر» فى عام ١٩٢٠.


ومن ضمن الحجج الأخرى التى رددتها الحكومة التركية لتبرير «درع الفرات»، هو حرصها على سكان «الموصل» من التركمان وأهل السنة تخوفا من قوات الحشد الشعبى الشيعية والحيلولة دون تكرار ما سبق وأن حدث فى «الفلوجة» من عمليات ثأر وانتقام ضد العراقيين السنة.


لكن واقع الأمر يشير إلى أن التواجد العسكرى التركى فى كل من العراق وسوريا، الذى يعتبر غزوا لأراضى دولتين ذات سيادة، يتعلق فى الأساس بصراع إقليمى ودولى على تقاسم مناطق النفوذ فى منطقة الشام والشرق الأوسط من جانب، ووضع منطقة الخليج وشبه الجزيرة العربية تحت تهديدات مستمرة تستنفد موارد الدول الخليجية من النفط والغاز الطبيعى، كما ترتبط أيضا برسم الخريطة الجديدة للحدود الجغرافية السياسية فى الشام والشرق الأوسط بما فى ذلك حدود إسرائيل.


ومن وجهة نظر المصالح الاستراتيجية التركية الأولوية القصوى هى للحيلولة دون نشأة دولة للأكراد، أما الأولوية التالية فى الترتيب فهىّ إقامة حزام جغرافى يحتوى المد الإيرانى -الشيعى جنوب وشرق تركيا، بمعنى آخر التواجد بقوة سواء بطريقة مباشرة أو عن طريق وكلاء وعملاء على الأرض فى كل من العراق وسوريا فى سياق مواجهة عربية -إقليمية على أسس طائفية، وربما يفسر هذا الصمت التام من الدول الأعضاء فى مجلس التعاون الخليجى وبصفة خاصة المملكة العربية السعودية وقطر على الغزو التركى لسوريا والعراق، بل إن مراجعة التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الخليجية تبين أن هناك تأييدا غير مباشر وعلى استحياء لهذا الغزو، فهو يحقق، على الأقل على المدى المتوسط، مصالح بعض الدول الخليجية فى التعامل مع التهديدات الإيرانية على أمل أن تكون الإدارة الأمريكية الجديدة فى يناير القادم أكثر حزما فى التعامل مع طهران، وأن تقوم بالفصل بين أهمية تنفيذ الاتفاق النووى بين إيران ومجموعة الخمسة +١ الموقع فى يوليو ٢٠١٥ وسياسات إيران التوسعية فى الشرق الأوسط والخليج وشبه الجزيرة العربية.


والتقديرات التركية بالنسبة للمخططات الإيرانية تقوم على أن طهران تسعى إلى إنشاء ممر برى يمتد من «الموصل» شرقا إلى ساحل البحر المتوسط غربا، وهذا بالإضافة إلى أن بعض المنظرين الاستراتيجيين الأتراك يذهبون فى القول إن تركيا أخطأت فى التنازل عن «الموصل» وشمال سوريا عقب الحرب العالمية الأولى، من ناحية أخرى، وهذا هو الأخطر بعض القادة العرب يتحدثون اليوم عن الماضى المشترك مع تركيا، ويؤمنون أن العلاقات مع تركيا هامة فى توازن القوى مع إيران، ولها أهميتها أيضا فى الوقوف فى وجه الميليشيات الشيعية، وربما يفسر هذا الموقف الملتبس تاريخيا واستراتيجيا توسع تنظيم «الدولة الإسلامية» فى العراق وسوريا خلال العامين الماضيين.


البعض فى تركيا وبصفة خاصة داخل الحزب الحاكم الذى لا تختلف تصوراته ورؤيته لمستقبل تركيا والشرق الأوسط عن التصورات الخليجية الحالية أو تصورات ومصالح جماعات الإسلام السياسى فى العالم العربى وفى مقدمتها جماعة «الإخوان»، البعض يرى أن الدفاع عن تركيا «السنية» يبدأ بالتصدى للأخطار التى تهددها يتطلب نقل المعركة خارج الأراضى التركية، ويرون أن عملية «درع الفرات» تجسد، من الناحية الاستراتيجية، هذه الرؤية على أرض الواقع، ويذهبون فى الاعتقاد إلى أن العراق وسوريا فقدا، وربما للأبد، شمالهما الجغرافى فلا العراق يبسط سيادته على شماله والموصل، ولا سوريا تسيطر على حلب أو الشمال، فالتدخلات الدولية والإقليمية فى حلب والموصل أقوى وأكثر نفوذا من نفوذ بغداد ودمشق فيهما.


وفى هذا الإطار، تشير التقديرات الاستراتيجية التركية إلى أن الخط الرابط بين حلب والموصل هو خط الدفاع الجديد عن تركيا، وبالتالى ومهما كان الثمن الذى يمكن أن تتكبده أنقرة، على تركيا أن تبسط هيمنتها الأمنية والعسكرية حول هذا الخط المزعوم، بما فى ذلك تل الأبيض فى سوريا وتلعفر فى العراق.


هذا التفكير والسلوك التركى هو عدوانى وتوسعى النزعة تجاه مصالح عدة قوى دولية وعربية، وفى مقدمتها دون أدنى شك مصر، وأذهب فى القول إلى أنه إذا حاولت تركيا تنفيذ هذا المخطط التوسعى بالقوة على الأرض، فعلى مصر فى هذه الحالة إعادة النظر فى نمط تحالفاتها الحالى مع بعض الدول الخليجية التى اقتربت ومازالت تقترب من تركيا «السنية» فى سبيل استخدامها فى مواجهة هذه الدول مع إيران، ومصر لها مصالحها الحيوية فى شمال سوريا وفى العراق، وتلك المصالح تتطلب منا أن تبقى هذه المناطق تحت سيطرة الحكومتين العراقية والسورية، وأن نقف بقوة وراء سيادتهما على أراضيهما، ليس فقط احتراما والتزاما منا لميثاق جامعة الدول العربية وميثاق الأمم المتحدة، وإنما لا ينبغى أن نسمح لتركيا أردوغان بتحويل شمال العراق وشمال سوريا إلى خنجر يهدد الأمن القومى المصرى فى الأمد المتوسط والبعيد، وعلى الدول الخليجية أن تضع المصالح الاستراتيجية والأمن القومى المصرى فى حساباتها وتحركاتها الاستراتيجية فى الشام والعراق، ولا ننسى أن لتركيا مصالحها التجارية والاقتصادية مع إيران، علاوة على أنها لا تستطيع على المدى الطويل أن تنتهج سياسات مناوئة على طول الخط مع سياسات حلف الأطلنطى والسياسات الأمريكية تجاه إيران وفى المنطقة، أى أنه على دول الخليج أن تعيد حساباتها فى إطار لعبة التوازنات الاستراتيجية الخطرة الإقليمية والدولية الجارية الآن فى المنطقة، وأن تنظر أبعد من مستقبل ومصير الرئيس بشار الأسد فى دمشق وحكومة حيدر العبادى فى بغداد.


أما بالنسبة لمصر وتحركاتها المستقبلية فى الشام والشرق الأوسط، القاهرة مطالبة أن تضع خطوطها الحمراء بصراحة وشفافية أمام الجميع، وان تدرك كافة الأطراف العربية والإقليمية والدولية أن مصر لها مصالحها فى الحاضر والمستقبل وستدافع عنها، وهذا دون أدنى اعتبار لظروفها الاقتصادية الحرجة اليوم، سنرسم المستقبل من اليوم ولن ننتظر حتى يقوم الآخرون بذلك على حساب تاريخنا المشترك مع سوريا والعراق وفلسطين الغد، فى هذا السياق، لا مناص أمامنا إلا أن نقف فى نفس الخندق مع بغداد ودمشق لمواجهة خطط التقسيم والتفتيت الجارية على قدم وساق فى العراق وسوريا حاليا، لنا مصالح حيوية فى معركة الموصل وكيف ستجرى وكيف ستنتهى، ولنا مصالح حيوية فى معركة حلب الشهباء ومعركة الرقة، كيف ستدور وكيف ستنتهى، على السياسة الخارجية المصرية أن تكشر عن أنيابها.