بميزانية ٦٥٠ ألف جنيه فقط: متحف «كوم أوشيم» .. قصة حضارة الفيوم

09/11/2016 - 11:19:38

  أطلال مدينة «كرانيس» الأثرية أطلال مدينة «كرانيس» الأثرية

من الفيوم : أمانى عبد الحميد

عند مدخل إحدى المناطق الأثرية التى تقترب مساحتها من ٦٠٠ فدان، وأمام منطقة آثار «كرانيس» المطلة على مشارف واحة الفيوم، وقف دكتور خالد العنانى، وزير الآثار، يدعو أهالى المنطقة لزيارة متحف «كوم أوشيم» للتعرف على تاريخ مدينتهم التى ظلت على مدار العصور ملتقى الثقافات منذ العصر الحجرى الحديث، مرورا بالألف الخامس قبل الميلاد، حتى العصر اليونانى الرومانى.


المتحف الذى ظل عشر سنوات مغلقا، قررت وزارة الآثار أخيرا إعادة افتتاحه بعد الانتهاء من مشروع تطويره الذى لم تتعد ميزانيته ٦٥٠ ألف جنيه.


حالة من الفرح سادت بين عدد من شباب الكشافة الذين جاءوا يحملون أعلامهم وراياتهم من مركز أبشواى للاحتفال بافتتاح متحف «كوم أوشيم»، المتحف الوحيد المقام داخل محافظة الفيوم, تلك هى المرة الأولى التى يزور فيها شباب الفيوم المتحف الذى يحكى تاريخ بلدتهم التى لا تبعد عن القاهرة أكثر من ٨٠ كم، ويؤرخ لعاداتها وتقاليدها وفكرها الدينى الذى اعتنقه أهلها منذ أقدم العصور، بالتأكيد لن تكون زيارتهم هذه هى الأخيرة، خاصة بعد أن طالبهم «العنانى» بضرورة زيارة المتحف بشكل منتظم على أمل أن يكون سببا فى محاربة الفكر المتطرف والإرهاب بين قرى المحافظة الأكثر فقرا بين محافظات مصر.


الوزير أوضح خلال زيارته للفيوم أن افتتاح متحف «كوم أوشيم»، جاء ضمن خطة وزارة الآثار التى تمتد إلى الانتهاء من ترميم المتاحف المغلقة، وافتتاحها بما يساهم فى زيادة عدد المناطق الأثرية المفتوحة، وتشجيع السياحة العالمية لمصر، والأهم تشجيع حركة الزيارة المحلية لمختلف محافظات مصر, وأكد العنانى لـ»المصور» أن دور وزارة الآثار ينحصر فى ترميم الآثار والحفاظ عليها والقيام بسرعة الانتهاء من مشروعات المتاحف المغلقة، بما يتناسب مع الميزانيات المالية المتوافرة، أما وضع تلك الأماكن الأثرية أو المتاحف على خريطة السياحة المصرية فهو من اختصاص وزارة السياحة والمنوط بها تسويق المناطق الأثرية فى الخارج لتشجيع حركة السياحة الأجنبية, لكن العنانى أوضح أن عدد المناطق الأثرية الضخمة فى مصر يصعب وضعها فى برنامج سياحى واحد، لأن السائح فى الأغلب يأتى لمدة محدودة قد لا تزيد عن ٧ أيام يحتاج خلالها التعرف على أهم ما تملكه مصر من حضارة، وبالتالى ينحصر اهتمامه فى عدد محدود من المناطق الأثرية، مثل مناطق القاهرة والأهرامات والأقصر وأسوان أو جنوب سيناء, ويقف هذا السبب وراء عدم الإقبال السياحى على مدينة الفيوم باستثناء السائح المثقف، أو الذى زار مصر أكثر من مرة, لذا قررت وزارة الآثار توفير تصاريح زيارة سنوية لكل آثار مصر بشكل مجمع، وتخفيض سعرها من ٣٩٠ دولارا إلى ٢٩٠ دولارا، على أمل تشجيع زيارة الأماكن الأثرية حول مصر كلها وعدم الاكتفاء بالمواقع التقليدية.


العنانى قال إن وزارته تحاول تسليط الضوء على كل المواقع الأثرية فى الدلتا والصعيد والمواقع غير معروفة عالميا، مع العلم أن الوزارة قامت بتوفير تصاريح الزيارة للمصريين أيضا بمبالغ زهيدة وبالمجان لتلاميذ المدارس, وطلبة الجامعات، بـ ١٠٠ جنيه سنويا، و٤٠٠ جنيه سنويا للمصريين والعرب المقيمين.


فى المقابل، أكدت الأثرية إلهام صلاح، رئيس قطاع المتاحف، أن متحف «كوم أوشيم» يحتوى على ٣٢٠ قطعة أثرية، بعضها يعرض لأول مرة أمام الجمهور مجلوبة من المخزن المتحفى بكوم أوشيم، ومخزن المتحف المصرى بالقاهرة، إلى جانب القطع الأثرية التى كانت معروضة بالمتحف قبل إغلاقه,
وأضافت أن سيناريو العرض المتحفى يحكى تاريخ محافظة الفيوم على مر العصور، حيث كانت مركزا حضاريا وشهدت قيام حضارتين متعاقبتين خلال العصر الحجرى الحديث، وتم العثور على رءؤس سهام وسكاكين وأدوات من الفخار، علاوة على أدوات تجميل وأدوات للصيد، خاصة وأن طبيعة الفيوم تعتبر جاذبة لأصناف من الحيوانات مثل التماسيح، وفرس النهر، والظباء، والأفيال، والغزلان، مما شجع أهلها على ممارسة حرفة الصيد, وأشارت إلى أن بطليموس الثانى أولى اهتماما كبيرا بالفيوم، وجعلها إقليما منفصلا أطلق عليه اسم «إقليم أرسينوى»، نسبة إلى زوجته, وأن المنطقة اشتهرت بالرخاء الاقتصادى والاجتماعى نظرا لاحتراف سكانها فى تطبيق تجارب جديدة فى الزراعة والمياه ـ لذا اهتم بها ملوك البطالمة مع بدايات القرن الثالث قبل الميلاد, وإن كان أهم ما يميز الفيومـ والذى تسبب فى شهرتها عالميا هو العثور على آلاف من لوحات وجوه الفيوم, حيث ارتبط اسمها بطراز فنى لرسم بوتريهات لوجوه المتوفين انتشر ما بين القرنين الأول والثالث الميلاديين، وتم العثور عليها داخل جبانة رومانية شمال هرم هوارة الذى بناه «امنحات الثالث»، وكذلك فى منطقة الروبيات شمال الفيوم.


وعلى الرغم من انتشار فن البورتريهات فى جميع أنحاء مصر من سقارة الى أسوان، إلا أنها اشتهرت فى الفيوم, لكنها أخذت فى الزوال مع انتشار الديانة المسيحية واختفاء عادة تحنيط الموتى فى مصر, وكان رسم البوتريه مرتبطا بالمعتقدات المصرية القديمة والرغبة فى حياة أبدية تستمر بعد الموت، حيث اعتقد المصريون بضرور وجود وسيلة لكى تتعرف الروح على صاحبها حتى ينعم بحياة خالدة فى العالم الآخر، لذا قاموا برسم الأقنعة المختلفة التى تحمل ملامح موتاهم ووضعوها فوق المومياوات, مما جعل بورتيريهات الفيوم تعتبر من أهم المصادر العلمية لدراسة الملابس والحلى وتصفيف الشعر المختلفة خلال تلك الفترة الزمنية من تاريخ مصر.


الأثرية الكبيرة كشفت عن أن هناك تنسيقا يجرى مع كلية السياحة والفنادق بجامعة الفيوم، لإعداد بروتوكول تعاون مشترك يهدف إلى استغلال المتحف فى التنمية السياحية ونشر الوعى الأثرى لدى مختلف سكان المحافظة عن طريق استغلال المنطقة المفتوحة حوله فى إقامة العديد من الفعاليات والأنشطة الثقافية لمختلف الفئات العمرية والمجتمعية لتحقيق الهدف المرجو من المتاحف فى كونها مؤسسات توعوية وتعليمية وتثقيفية.


من جانبه، قال المهندس وعد الله أبو العلا، رئيس قطاع المشروعات، إن تكلفة مشروع ترميم وإعادة تأهيل المتحف بلغت نحو ٦٥٠ ألف جنيه مصرى بتمويل ذاتى من وزارة الآثار، لافتا إلى أنه يأتى من بين أعمال الترميم والتطوير بالمتحف، تعلية السور الحديدى حوله بارتفاع ٣ أمتار، وعمل أبراج حراسة، وتغيير منظومة الإضاءة، وتركيب كاميرات للمراقبة، وتغيير دهانات الواجهات، وإعداد وتطوير فتارين العرض المتحفى.


يذكر أن متحف كوم أوشيم يقع وسط منطقة أثرية تزيد مساحتها عن ٦٠٠ فدان تبدأ بمدينة كرانيس الأثرية بمحافظة الفيوم، وتم إنشاؤه عام ١٩٧٤ ليحكى تاريخ محافظة الفيوم على مر التاريخ, وفى عام ١٩٩٣ تم زيادة مساحة المتحف فألحق به دوراً علويا، وفى عام  ٢٠٠٦ أغلق المتحف أبوابه لإجراء أعمال الترميم به، والتى بدأت فى أوائل العام الجارى, ويضم المتحف ٣٢٠ قطعة أثرية، منها على سبيل المثال تماثيل التراكوتا التى كانت مستخدمة بكثرة خلال العصر اليونانى الرومانى والمصنوعة من مادة الطين المحروق، والذى أصبح صناعة شعبية توضح ملامح الحياة اليومية والدينية لدى الطبقة العامة فى مصر, وهو تصور الآلهة والحيوانات والنساء, وكانت تستخدم أو يتم تقديمها كنذور أو كزينة فى المنازل، وأحيانا لعب أطفال، ومن أشهرها المعبود «حريوقراط» وهو النسخة اليونانية للمعبود حورس الطفل والذى يصوره كالأطفال وإصبعه على فمه.


ويعرض المتحف أدوات للزينة وحلى، خاصة أن المصريين اهتموا بالزينة الشخصية، سواء لأغراض جمالية أو دينية، حيث كان علية القوم يرتدون قلادات وأساور وخواتم متقنة الصنع من الذهب والأحجار الكريمة, كما شاع استخدام مستحضرات التجميل كالكحل والزيوت العطرية واستخدمها الرجال والنساء سواء.


ويستعرض المتحف أيضا الصناعات اليدوية، مثل صناعة الأوانى والأوعية، والتى اختلفت مواد صناعتها ما بين الزجاج والفخار والأحجار والمعادن، منها أوعية تخزين الأطعمة، والمشروبات، وتخزين مواد التجميل والزيوت، علاوة على الأوانى الفخارية المصنوعة من طمى النيل أو طين الصحراء، والتى يتم تشكيلها يدويا باستخدام عجلة الفخرانى, كما يقدم المتحف من خلال القطع الأثرية كيف أبدع المصرى القديم فى تصوير الإنسان من خلال اتباع عدد من القواعد الثابتة، والتى تطورت خلال العصر اليونانى الرومانى وأصبحت أكثر تفصيلا وأقرب الى الطبيعية، فظهرت منحنيات الجسد البشرى وخصلات الشعر، وغيرها من التفصيلات التى بدت على التماثيل المصنوعة من الحجر والخشب والمعادن والرخام.