غناها منذ ٣ سنوات ثم انبعثت فينا الآن من جديد: لطفى بوشناق .. ما أحوجنا لقصيدتك «ياوطن أنت أعظم »

09/11/2016 - 11:15:23

بقلم : محمد الحنفى

يا الله على هذه الكلمات الرائعة التى صاغها الشاعر التونسى الجميل مازن الشريف فى قصيدته « يا وطن أنت أعظم من الكراسى»، وأبكانا بها الفنان التونسى الكبير لطفى بوشناق قبل أن يبكى!


يا لها من كلمات لمَّست مع مشاعر ملايين المصريين الغلابة رغم مرور ٣ سنوات على غنائها، ضمن فعاليات مهرجان «المدينة» بتونس، فأخذوا «يشيّرونها» الآن عبر «الواتس آب « وكأنها لسان حالهم الناطق دوما بحب الوطن الذى تكالبت ومازالت تتكالب عليه ذئاب كثيرة فى الداخل والخارج منذ الخامس والعشرين من يناير حتى اليوم!.


يبدو أن هؤلاء المصريين البسطاء وجدوا ضالتهم فى أغنية «أنا المواطن» لتمنحهم العزيمة والصبر والتحمل فى مرحلة عصيبة لابد أن يعبروها مهما بلغ حجم التضحيات!.


نعم أنا واحد من ملايين المصريين الذى استمتعوا بهذه الأغنية فاستمعوا لها عشرات المرات، وفى كل مرة أجدنى مشدودا لكلماتها التى تقول:


أنا مواطن وحاير .. أنتظر منكم جواب
منزلى فى كل شارع .. فى كل ركن وكل باب
وأكتفى بصبرى وصمتى .. وفروتى حفنة تراب
ما أخاف الفقر لكن ..كل خوفى من الضباب
ومن غياب الوعى عنكم .. كم أخاف من الغياب
ما أخاف الفقر لكن .. كل خوفى من الضباب
ومن غياب الوعى عنكم .. كم أخاف من الغياب
سادتى وأنتم حكمتم .. حكمكم حكم الصواب
وثورتى كانت غنيمة .. وافرة لحظرة جناب
سادتى وأنتم حكمتم .. حكمكم حكم الصواب
وثورتى كانت غنيمة .. وافرة لحظرة جناب
مايهم ولا أبالى ..الدنيا دايسها بمداسى
لكن خلولى بلادى
لكن خلولى بلادى
لكن خلولييييى بلاديييي
وكل ما قلتم على راسى
يا هناه اللى كان مثلى ..ما يهمو من ومن
أنتم أصحاب الفخامة والزعامة ..وأدرى لن
لن أكون فى يوم .. منكم يشهد الله والزمن
ثم يأتى هذا المقطع المؤثر للغاية فى القصيدة :


أنا حلمى كلمة وحده
أن يضل عندى وطن
لن أكون فى يوم منكم ..يشهد الله والزمن


أنا حلمى بس كلمه ..أن يضل عندى وطن
لا حروب ولا خراب .. لا مصايب لا محن
خدو المناصب والمكاسب ..لكن خلولى الوطن
خدو المناصب والمكاسب ..بربى خلولى الوطن
يا وطن وأنتا حبيبى ..أنت عزى وتاج راسى
يا وطن وانتا حبيبى ..وانتا عزى وتاج راسى
أنت يا فخر المواطن ..والمناظل والسياسى
أنت أجمل أنت أغلى ..أنت أعظم من الكراسى !


حقا ما أجمل وأغلى وأعظم الوطن وما أحوجنا له وما أحوجه لنا !


هذه الكلمات المؤثرة التى أبكت الفنان لطفى بوشناق وهو يشدو بها وأبكتنا معه، عندما كتبها الشاعر التونسى مازن الشريف لبلده تونس التى انطلقت منها شرارة ثورات الربيع العربى، ربما لم يكن يعلم الاثنان أنها ستقفز فوق الحدود وتمس مشاعر المصريين البسطاء العاشقين لكل ذرة من تراب أوطانهم! ربما لم يكونا يعلمان أن أغنيتهما سيكون لها مفعول السحر عند المصريين الذين أنهكهم الإرهاب الغادر وهبرت ثرواتهم حفنة من الرأسماليين المسعورين الاحتكاريين واكتوت جيوبهم بنار الأسعار، وأصبحوا يصارعون من أجل البقاء على قيد الحياة والتفافهم حولها يعنى أن كلماتها زادهم وزوادهم لتحمل الوضع الاقتصادى الصعب مهما بلغت ذروته فداء للوطن الذى يجرى فى دمائهم ويعشعش فى قلوبهم !


حقيقة لا أخفيكم سرا أننى شعرت بالغيرة من هذا الشاعر وذاك الفنان التونسيين اللذين نجحا فى صنع أغنية ألهبت مشاعرنا الجياشة تجاه وطننا الغالى، وكم تمنيت أن يكون مؤلفها ومطربها مصريين !! تمنيت أن يتحرك فنانونا ويبدعوا لنا أعمالا تشعل حماسنا بحب الوطن كى نتحمل الصعاب من أجله حتى لا يركع لأحد!، ولكنهم للأسف خذلونا .. لم يتعلموا من أغنية « قوم يا مصرى مصر دايما بتناديك .. خد بنصرى نصرى دين واجب عليك « التى كتبها بديع خيرى ولحنها وغناها موسيقار الشعب سيد درويش أثناء ثورة ١٩ بقيادة الزعيم سعد زغلول، ولا يزال مفعولها ساريا حتى الآن رغم مرور مايقرب من مئة عام على صدورها !


ولم يستدعوا أيضاً أغنية «يا حبيبتى يامصر» التى غنتها الفنانة الكبيرة شادية عام ١٩٧٠ من كلمات الشاعر الراحل محمد حمزة وألحان الموسيقار الراحل بليغ حمد ، حافظين كلماتها ؟ من فضلكم تذكروها ورددوها معى :


يابلادى
يا أحلى البلاد يا بلادى
فداكى أنا والولاد يا بلادى
بلادى يا حبيبتى يا مصر يا مصر
يـــــــــا مصر
ما شفش الأمل فى عيون الولاد
وصبايا البلد
ولا شاف العمل سهران فى البلاد
والعزم أتولد
ولا شاف النيل فى أحضان الشجر
ولا سمع مواويل
فى ليالى القمر
أصله معداش على مصر
يا حبيبتى يا مصر يا مصر
يا بلادى يا أحلى البلاد يا بلادى
فداكى أنا والولاد يا بلادى بلادى
مشفش الرجال السمر الشداد
فوق كل المحن
ولا شاف العناد فى عيون الولاد
وتحدى الزمن
ولا شاف إصرار فى عيون البشر
بيقول أحرار ولازم ننتصر
أصله معداش على مصر
يا حبيبتى يا مصر يا مصر
يا حبيبتى يا مصر
يا بلادى يا أحلى البلاد يابلادى
فداكى أنا والولاد يا بلادى
يا حبيبتى يا مصر يا مصر !


لا شك أن أغنية «أنا المواطن « للفنان الكبير لطفى بوشناق كشفت عن احتياجنا الشديد للمزيد من الأغانى الوطنية الجديدة فى وقت الشدائد، والمحن حتى تزيد التهاب حماسنا وحبنا لمصر، وتمثل دعوة صريحة لشعرائنا أمثال سيد حجاب وفاروق جويدة كى يبدعوا لنا قصائد وطنية يغنيها مطربونا الكبار منير وهانى شاكر وعلى الحجار وأنغام وشيرين وأمال ماهر وغيرهم!


وبهذه المناسبة دعونى أعرفكم بالفنان التونسى الجميل لطفى بوشناق الذى ينتمى لزمن الفن الجميل وهو واحد الأصوات الطربية الدسمة التى تتلمذت على يد عمالقة الغناء فى تونس ومصر!


لقد تعلم بوشناق الموسيقى فى سن مبكرة، حيث التحق بمدرسة الرشيدية للموسيقى، وتتلمذ على يد الموسيقار و عازف العود على السريتى وورث عنه عشق العود فأصبح رفيقه فى كل حفلاته .


وخلال فترة قصيرة نضجت أفكار لطفى بوشناق وأصبح قادرا على استخدام تقنيات الموسيقى الشرقية بأنواعها من المقامات العراقية والأغانى الصوفية، والموشحات الأندلسية، مع الموسيقى الكلاسيكية المصرية .


وانطلقت مسيرته الفنية منذ منتصف الثمانينيات، إذ استطاع خلال رحلته الفنية أن يؤدى كافة أنواع الموسيقى ابتداء من ال٠أغانى التونسية الشعبية وانتهاء بالأغانى الحديثة، وتعاون مع عدد كبير من الأسماء اللامعة فى الوطن العربى مثل الكاتب آدم فتحى، الذى ساعده على أداء عدد لا بأس به من الأغانى العاطفية والوطنية، التى استخدم فيها لطفى بوشناق كافة التقنيات التى تعلمها، فتراه تارة يؤدى القدود الحلبية، وتارة أخرى يغنى على النمط المصرى، وكذلك الخليجى .


وغنى للعديد من الشعراء القدماء منهم عمر بن الفارض وقصيدته المشهورة «تواضعت ذلا» ، كما غنى قصيدة ” رسالة إلى الأمة” للأمير محمد بن راشد آل مكتوم، واشتهر بعدد من الأغانى منها ليلى، اثنين عايشين، غناية ليهم، أنا المواطن، بيدى جمعت النوار، وأنت الغلى، وغيرها


واهتم منذ بداياته بالموروث الشعبى التونسى وغناء الشعر الصوفى والموال والقدود الحلبية وطوال مشواره الفنى الذى تجاوز ال٣٥ عاما لم يجرفه تيار الأغانى الهابطة، معتمدا على نفسه دون شركة إنتاج تدعمه، كما أنه من عشاق أرض الكنانة وغنى لها «عمار يا مصر» التى تقول كلماتها:


(( عمار يا مصر يا مصر عمار، وساعة الخطر بتصدى الريح، يا حضن بيضم المجاريح، يا حضن حنين بصحيح، يا معلمانا نكون أحرار، عمار يا مصر والمسلمين فيكى والأقباط، طول عمرهم الباط فى الباط، عمال وطلبة على ظباط))


ويرى أن مصر هى وتد الأمة العربية، لو انهارت لقدر الله لأنهار الجميع وهذا الكلام ليس للشعارات لكنها الحقيقة.


وقد لا يعرف الكثيرون أن لطفى بوشناق عاش مرحلة شبابه فى مصر حيث كان يعمل موظفا فى مكتب الخطوط الجوية التونسية فى القاهرة لفترة طويلة، تعرف خلالها على عدد كبير من كبار الموسيقيين والشعراء المصريين، وتتلمذ على أيديهم، أمثال جمال سلامة وحلمى بكر ومحمد سلطان وبليغ حمدى وسيد مكاوى وهانى شنودة، فمصر هى بلده الثاني، الذى يأتى إليه كلما شعر بالاشتياق إلى الزمن الجميل الذى نشأ فيه.


ولا ينسى بوشناق فضل الموسيقار الراحل بليغ حمدى عندما استمع إليه للمرة الأولى فى منزله خلال جلسة جمعتهما بعدد من أصدقائه، وحينما عرف أنه يمتلك صوتاً جيداً، طلب أن يستمع إليه فقدم له أغنية «أنا عشقت»، للفنان الراحل سيد مكاوي، وحينما أُعجب بصوته، قرر أن يلحّن له أغنية؟»، كما كان لسيد مكاوى فضل كبير فى مسيرته لا يستطيع أن يختزلها فى كلمات.


كما أنه عاشق للمطرب الراحل محمد عبد المطلب لأنه تلقائى ويمتلك صوتاً عبقرياً، ولن يتكرر مجدداً فى عالمنا العربى فهذا الرجل كان يغنى بطبيعته وكم تمنى أن يغنى له «ساكن فى حى السيدة»! وهو أيضاً من محبى الفنان الراحل زكريا أحمد ويحفظ كل أغنياته وأعماله، وكان مرشحا لتجسيد شخصيته فى مسلسل تليفزيونى لكن المشروع توقف بعد ثورة يناير ولا يعلم مصيره إلى الآن !


وفى تعليق لبوشناق على أسباب نجاح أغنية «أنا المواطن « واستمرار هذا النجاح إلى الآن قال فى حوار أجرته معه إحدى المجلات الخليجية : الأغنية لم تحقق نجاحاً من فراغ، فالعمل الصادق لا بد أن ينجح، وهذه الأغنية صادقة بكل معنى الكلمة، لأنها أوضحت المرارة وتحدثت عن الواقع الذى نعيشه حالياً فى عالمنا العربي، فالكلمات تدور حول قصة المواطن البسيط الذى يتمنى أن يعيش حياة كريمة بعيداً عن الكذب والسرقة والنفاق