«المصور» اقتحمت عالمهم السرى بزنس «الغوازى»!

09/11/2016 - 11:03:56

الشرقية: سناء الطاهر - الغربية: مصطفى الشرقاوى

«دنيا الغوازى» عالم خاص جدا، مليء بالأسرار والحكايات والقصص، منها الإنسانية ومنها المخجلة، منهن من تعتبر نفسها مكافحة من أجل لقمة العيش، ومنهن الساقطة التى احترفت بيع جسدها مقابل المال الذى هى ليست فى حاجة إليه أصلا.. «المصور» تقتحم هذا العالم السري للغوازي، الذي لا نرى منه سوى القشرة الخارجية.


دنيا الغوازى تبدأ من الشرقية، من مركزي كفر صقر، وأولاد صقر، وأشهرها «العزبة» بكفر صقر، حيث يعمل كل أهلها من النساء في هذا الكار، والرجال دورهم الحماية، والاتفاق علي الأجرة، وتنتهى على أرض «السناجرة»، وهى قرية تتبع مركز أبوحماد، وبها مساكن تعرف باسم مساكن طابا، وهي منطقة عشوائية جاء سكانها من أماكن مختلفة من خارج مدينة أبوحماد، وأحيانا تكون مأوى للهاربين والمطاردين، وتتخذ منها الساقطات أحيانا مأوى لهن، وأغلبهن يعشن بأسماء مستعارة، فمنهن من هربت من أهلها وهى طفلة، ووقعت فى يد إحدى ريّسات الرقص، وتولت أمرها، وأخرى هربت من زوجها مع حبيبها، وتركت وراءها حياتها وعالمها الحقيقى لترحل إلى عالم الليل.


محمد، وشهرته «اللول»، واحد من أشهر متعهدى الغوازى بالشرقية، فتح لنا حقيبة أسرار هذا العالم، وقال: غالبا يكون الزوج أو الأخ هو من يتولى المقاولة والاتفاق على الليلة، مع متعهد الأفراح، أو متعهد توريد الراقصات، مشيرا إلى وجود متخصصين فى جلب الراقصات، من كل مكان فى مصر.


وكشف اللول عن وجود منافسة شرسة بين هؤلاء المتعهدين، إلا أنه أصبح يعمل كشافا وهو ذلك الذى يبحث عن الراقصات الجدد فى الأفراح التى يتردد عليها، موضحا أنه لا يترك فرحا يعلم بوجود راقصات فيه إلا ويحضره لاستكشاف الراقصات الجدد اللاتى يصلحن للعمل معه، وهو يستمد صيته وشهرته من إحكام قبضته على سوق الراقصات، لذا فهو يحرص على التعرف عليهن، والحصول على أرقام هواتفهن، ويبرم بنفسه الاتفاقات مع زوج أو شقيق الراقصة، ويكون مسئولا عنها، منذ أن يأخذها من منزلها، وحتى يعيدها مرة أخرى بعد انتهاء الفرح، وذلك بحسب روايته.


وأضاف اللول: أن الأب والأم العاملين فى مهنة الرقص، يشعران بسعادة بالغة عند إنجاب البنات، لأن هذا يعنى باباً جديداً لجلب المال، وهو ما يعنى أن الصبيان عندهم ليسوا مطلوبين، ويصبح «يوم أسود» حينما تنجب الزوجة ولدا، خاصة أنه سيمارس البلطجة على أمه وأخواته الفتيات عندما يشتد عوده، أو سيعترض على عملهن فى الرقص على أقل تقدير.


أغلب الراقصات إما من كفر الإشارة، أو مركز الزقازيق أو العزبة بكفر صقر، ويتركز وجودهن فى السناجرة بمركز أبوحماد، ومساكن طابا لدرجة أنها أصبحت معروفة ببلد الغوازي.


ويؤكد اللول أن الراقصة تكون بمثابة عهدة، وعند تسليمها للشخص الذى اتفق معى لابد أن أسألها أمامه، «حد كلمك، حد ضايقك، أخذتى باقى فلوسك»، حيث يكون مدفوعا النصف مقدما للشخص المسئول عن الراقصة، موضحا أن أغلبهن لا يملكن إثبات شخصية، وهناك ساقطة القيد والتى نطلق عليها «سريحة» ويكون سعرها أقل، كاشفا عن أن «ريس الفرقة» يحضر سيارة وممنوع على أى شخص أن يركبها من خارج الفرقة، وفى طريق العودة من الفرح يتم الحديث عن كواليس ما جرى فى تلك الليلة، ويتم تقسيم النقطة، وهذه أسرار لا يجوز الاطلاع عليها.


وأوضح أن هناك مصطلحات لا يفهمها غير أولاد الكار، يتم استخدامها أحيانا، وقال: حينما يكون من بين أفراد الفرقة من لا يركز فى عمله، نطلق عليه «مهى النهارده»، وفلوس الفرقة تسمى «سوبيج أناناس» والراقصة اللي ملهاش فى الكار» يعنى اتزنقنا فاضطرينا نستعين بها تقضى الليلة، وخصوصا فى الأفراح الوقيع بنسميها «حتة» أما «الهزازة» فهى الراقصة المحترفة.


وأضاف: عند الاتفاق مع أحد المسئولين عن بنات السناجرة، يسألنى عايز حتة ولا هزازة، ودى بتكون راقصة محلية، وأنا اللى أحدد سعرها، أما الراقصة اللى بتكون رقصت فى بارات بير السلم فى شارع الهرم، فهى الأعلى سعرا، لكن غالبا بتكون مضروبة ملهاش سعر هناك». وتابع: «ولاء كشافة» هي أعلى الراقصات أجرًا، واللى يفرق راقصة محترفة عن غيرها أن المحترفة تستطيع التعامل مع الوقت، وتعلم كيف تضيع وقتها على المسرح فهى غالبا ترقص ٨ ساعات أى ما يعادل ٣٢ رقصة على المسرح، وتستريح فى أثناء السلامات وكشف عن أن السناجرة بها ريسة كانت راقصة وكبرت وتحت يديها الآن ١٥ راقصة يعملن لحسابها مقابل جزء من الإيراد.


ويوضح أمين، أحد المتعهدين، أنه من الأفضل أن يحيى الفرح راقصتان، لأن هذا يخلق تنافسا بينهما على الزبون، وتكون المحصلة النهائية نقطة أكبر ويعم الخير على الفرقة، مشيرا إلى أن المعجبين يتبعون الراقصة فى كل مكان تذهب إليه، وحينما تنزل من على المسرح، فكأنها لم تكن موجودة فى المنطقة من قبل.


أما سنباط، فهي إحدى القرى الكبرى التابعة لمركز زفتى بمحافظة الغربية، والتى تعد مقصدا لراغبي إحياء الليالى الأفراح، فكانت قبلة الأعيان لجلب الغوازى التى كانت شهرتهن تجوب الوجه البحرى حتى بات اسم القرية معروفا للقاصى والدانى.


القرية تبعد عن مدينة طنطا بنحو ٢٥ كيلو مترا، وعن مدينة المنصورة بحوالى ٣٠ كيلو مترا، واكتسبت من قربها من محافظة الدقهلية ووقوعها فى محافظة الغربية موقعا هاما لجلب متعهدى الأفراح والفنانين والغوازى.


ماجد فودة، أحد متعهدى الأفراح من أبناء قرية سنباط، يقول إن فكرة شهرة القرية بالغوازى يعود إلى الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى، حينما توطدت فى القرية بعض الراقصات وأسرهن، بعد أن رفض الكثير من القرى استضافتهن بحجة أن الريف كان يرفض فكرة مهنة الرقص، وكان الشارع الوحيد لهن هو شارع الغجر الذي يقع على أطراف القرية من ناحية طريق شراشابه طنطا، وكان أهالى القرية يعطفون على تلك الأسر ويقدمون لهم بعض الطعام وبعض المساعدات، وكان أهالى القرية يؤمنون أن الرقص هى مهنة الغجر، وبالتالى لم يحاول أحد فى القرية التعرض لهن أو مضايقتهن، ومع مرور العشرات من السنوات والأجيال، أصبح شارع الغجر الآن فى وسط القرية، والذى يقع أمام الجامع الكبير، وظل  ذلك الشارع هو مقصد الأعيان ومتعهدى الأفراح لجلب الغوازى فى المناسبات المختلفة حتى التسعينيات.


ويضيف أن تلك الأسر كانت تستقبل الفتيات والسيدات الراغبات فى امتهان الرقص، فكانت أى فتاة تفكر فى أن تسلك تلك المهنة كانت تأتى إلى سنباط للتعرف على الراقصات، وفتح مجال لهن فى العمل فى الأفراح.


بينما تقول لواحظ السنوسى، إحدى الراقصات فى تلك القرية، والتى تبلغ من العمر ٦٠عاما،  إن أشهر الأسماء التى كانت معروفة من الراقصات فى سنباط  كلهن موجودات على قيد الحياة ولكن أعمارهن كبيرة فأصغرهن تتجاوز الـ ٥٥عاما وكلهن راقصات درجة تالتة، أى راقصات باليومية  فلم يحالف أحد منهم الحظ، وتصبح مشهورة، لأن الفكرة كانت تقوم على أكل العيش، وهى مهنة تتفنن بها تلك السيدات، ولم يكن هناك تفكير فى الشهرة، ولهذا فإن أغلب تلك الراقصات امتهن الشحاتة والتسول بعد أن كبرن فى السن.


وتضيف لواحظ السنوسى أن ليلة الراقصة كانت تتراوح مابين ١٢٠ إلى ١٥٠جنيها، وكان دخل أحسن راقصة فى تلك الفترة مابين ٨٠٠ إلى ١٠٠٠جنيه فى الشهر، وكانت تلك القيمة تكاد تكون كافية لتعيش منها الراقصة وأسرتها وبالتالى لم تتمكن أي واحدة من تلك الراقصات من تكوين ثروة.


محمد بطة، متعهد أفراح، يقول إن المهنة انتهت تماما فى نهاية التسعينيات بعد ظهور الدى جى والكمبيوتر، ولم يعد هناك طلب على الراقصات، وأيضا فإن الأجيال الصغيرة من أسر الراقصات رفضت الدخول فى المهنة، وشيئا فشيء لم تعد سنباط هى مقصد طلب الراقصات، بسبب أن الراقصات بدأن فى الظهور فى المجتمعات الجديدة،  وظهرت الراقصات من الفتيات المتعلمات، وتغير نمط الرقص، فلم تعد الراقصة الممتلئة فى الجسم يرضين الذوق العام وظهرت موضة الراقصات النحيفات.


ويضيف «بطة» أن أغلب الراقصات الآن من المنصورة، ومن منطقة الجمهورية بالمحلة الكبرى، حيث إن الراقصات يرفضن فكرة العيش فى القرى.