أساتذتى

09/11/2016 - 10:54:18

بقلم : شادية

إذا تحدثت عن أستاذتى فسوف تضيق صفحات «الكواكب» كلها، لأن فى كل يوم من أيامى درسا، وفى كل تجربة أمر بها درس وفى كل نجاح درس..بل فى كل فشل درس أكبر وأقوى أثرا.


ولكنى سأكتفى بأساتذتى الكبار..أبى وأمى وزوجى والسينما.


أبى مهندس له روح الفنان الصادق، منظم دقيق فى كل ما يقوم به من أعمال .. كان يحضر لى اللعب فأهتم كثيرا بأن أرتبها وأنسقها، ويجيء هو فيهدينى لعبة أخرى كلما وجد النظام والذوق متجليا فى دولابى الصغير وأحببت النظام والترتيب منه..النظام درس ينفع كل امرأة فى حياتها..النظام وحده أناقة وأنا أنيقة بفضل أبى..وتعلمت من أمى درس الحب..ليس الحب الذى تنصرف إليه أذهانكم وإنما هو حب كل الناس، حب الخير، حب الجمال، حب المخلوقات، الحب فى المعاملة وفى المعاشرة وفى شئون الحياة، فبالحب يستطيع كل إنسان أن يتغلب على متاعبه، وبالحب يستطيع أن يغفر للناس وينسى أحقاده..كنت أكره القطط..فتدخلت أمى لتنشئ علاقة حسنة بينى وبين القطط..وكنا إذا انصرفنا إلى ألعابنا أنا والبنات من عمرى، أعتدى على كل واحدة تحاول أن تأكرنى بشيء أو تتزعمنى وكنت أكره بعض الضيوف الذين يجيئون عندنا لمجرد أنهم لا يداعبوننى.


وقد اقتلعت أمى كل بذور الكراهية من نفسى وعلمتنى درس الحب الخالد فى حياتى حب كل الناس وحب كل شيء.


وأخيرا يأتى فى أساتذتى من الناس زوجى..الناس يحسدون عمادا لأنه يتمتع بأعصاب هادئة، أنا أيضا صارت لى أعصاب عماد حمدى، وأعتقد أننا سعداء بأعصابنا الهادئة لأننا لو أطلقنا العنان لأعصابنا وانفعلنا بكل ما يفعله أو يقوله الناس حولنا لصرنا أعداء للدنيا كلها..


إن درس الرزانة والهدوء درس بليغ من عماد استطعنا به سويا أن نجتاز عقبات كثيرة وأن نكذب مختلقات كثيرة أشيعت عنا، وأصرح هنا بأن الهناء يرفرف على بيتنا وأننا أوصدنا بابه تماما فى وجه كل من يحاول أن يثير على البيت عاصفة.


أما السينما فقد علمتنى قوة الاحتمال، فهذا العمل الشاق الذى يتصل فيه الليل بالنهار وهذا الجهد الكثير المبذول فى غير ضيق ولا غضب لا يستطيعه إلا أناس لهم جلد وصبر، وهو جلد وصبر ينتقل من البلاتوه إلى حياتنا فيكون لنا جلد على متاعبها وصبر على مضايقاتها..وهما جلد وصبر لا يتوافران على الإطلاق للمرأة العادية التى تسير فى حياتها ناعمة هنية.


وعلمتنى السينما أن الدنيا حظوظ، وأن كل واحدة ستنال الحظ المقسوم لها.


إن السينما علمتنى الطموح، وعلمتنى طباع كل الناس، وعلمتنى الصبر والجلد، علمتنى أيضا أن سعادة المرأة فى بيتها أحسن عندها بكثير من الشهرة.


إن العاقل هو الذى يستطيع أن يستخرج الدروس من حياته، فأمام أعيننا دروس بالعشرات ولكن لا ننتفع منها..


وأنا سعيدة..لأننى انتفعت ببعضها.


نشرت فى الكواكب ٢٢ نوفمبر ١٩٥٥