خريطة الفقر فى مصر

07/10/2014 - 10:42:29

صوره أرشيفيه صوره أرشيفيه

كتب – عبد القادر شهيب

خريطه الفقر  فى بلادنا تنطق بالكثير ، تنطق بالظلم الاجتماعى الفادح الذى يعانى منه أهلنا من سكان المحافظات الحدودية وأهلنا فى الصعيد وأيضاً أهلنا فى عشوائيات المدن المختلفة وعلى رأسها عشوائيات القاهرة عاصمة


البلاد.. وتفسر لنا لماذا زاد العنف فى بعض مناطقنا خلال السنوات الأخيرة، واستوطن التطرف والإرهاب مناطق أخرى، وأيضاً لماذا لا نمضى قدما - كما نطمح - فى إنجاز التحول الديمقراطى الذى ننشده. 


وأول شىء تنطق به خريطة الفقر فى بلادنا (أى خريطة من يعيشون تحت خط الفقر) أن عدد الفقراء زادوا فى الأغلب الأعم من محافظات الجمهورية ابتداء من قنا جنوبا مرورا بالأقصر والجيزة حتى الإسكندرية ومطروح شمالا وأيضاً الوادى الجديد .. لقد زادت نســبة الذين يعيشــــون تحت خط الفقر فى كـــل محـــافظــــات الوجــه البحرى خلال عامين من 10/2011 و 2012/2013 باستثناء البحيرة التى انخفضت فيها النسبة من 23% إلى20% والقليوبية التى انخفضت النسبة فيها من 22% إلى 21% والمنوفية من 16% إلى 15%. 


أما محافظات الوجه القبلى فقد زادت نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر فيها كلها فى ذات الفترة باستثناء المنيا التى انخفضت فيها النسبة من 32% إلى 30% والفيوم التى انخفضت فيها النسبة من 41% إلى 36% وسوهاج التى انخفضت فيها النسبة من 59% إلى 55% وأسيوط التى انخفضت فيها النسبة من 69% إلى 60%، غير أن أكبر انخفاض حدث فى نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر، فقد حدث فى أسوان حيث وانخفضت النسبة من 54% إلى 39% .. غير أن هذا الانخفاض فى نسبة الذين يعيشون تحت الفقر فى تلك المحافظات التابعة للوجه القبلى لم يصل إلى درجة إحداث تغيير ينتشل أهل هذه المحافظات من قائمة المحافظات الأكثر فقراً كما سنوضح ذلك فيما بعد. 


وبالنسبة لمحافظات القناة فقد زادت نسبة الذين يعيشون فيها تحت خط الفقر من 3% إلى 5% بينما كانت نسبة الزيادة فى محافظة بور سعيد لافتة وكبيرة حيث قفزت من 6% إلى 19%، وهذا يكشف سوء الأوضاع المعيشية لأهالى تلك المدينة الباسلة .. بينما انخفضت النسبة من 18% إلى 15% فى الإسماعيلية. 


ويضاف إلى ذلك أن الزيادة فى نسبة الذين يعيشون تحت الفقر زاد فى محافظة كانت تشتهر بانعدام البطالة فيها تقريباً وهى دمياط ، حيث ارتفعت النسبة فيها من 3% إلى 10% .. وذات الأمر ينطبق على مطروح التى ارتفعت فيها النسبة من 11% إلى 23% ، وكذلك الجيزة التى ارتفعت فيها النسبة من 18% إلى 32% .. وربما هذا يساهم فى تقديم تفسير لنا لزيادة حوادث العنف فى الجيزة وأيضاً مطروح. 


وإذا حاولنا تلخيص تلك النسب فى صورة شبه إجمالية لحال الفقر ونسبة الفقر فى أنحاء بلادنا سوف نكتشف أن ريف الوجه القبلى يستأثر بأعلى نسبة فقر تصل إلى 4.49% .. وهذا يعنى أن من بين كل فردين يعيشان فى ريف الصعيد يوجد واحد منهما تحت خط الفقر أى يجد صعوبة فى توفير احتياجاته الأساسية من غذاء وكساء ومسكن وخدمات أخرى مثل الصحة والتعليم ونقل وغيرها.


 


وذات الأمر سوف نجده بدرجة أقل قليلا فى ريف الحدود أى المحافظات الحدودية حيث تبلغ نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر 6.46%. 


وفى المقابل فإن أقل نسبة فقر توجد فى حضر الوجه البحرى حيث لا تتجاوز هذه النسبة 7.11% وكذلك حضر الحدود .. وهنا تكمن المفاجأة .. حيث تصل نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر فيه نحو 4.11% وربما تكون التجارة غير المقننة والبعيدة عن تنظيم الحكومة مع التهريب أحد أسباب توفير دخول لأهالى هذه المناطق أنقذت كثيرين منهم من الوقوع تحت خط الفقر. 


وإذا حاولنا ترتيب محافظات الجمهورية طبقاً لنسب الفقر وأعداد الفقراء «الأعلى فقرا» والأقل فقرا سوف نجد أن أكبر محافظة يعيش فيها مواطنون تحت خط الفقر على الإطلاق هى محافظة أسيوط التى وصلت فيها النسبة 60% بما يعنى أن من بين كل عشرة سكان فى أسيوط يوجد ستة يعيشون تحت خط الفقر، ولا يستطيعون توفير احتياجاتهم الأساسية من الغذاء والكساء والملبس والخدمات الأخرى الضرورية ، ويلى أسيوط قنا فى ارتفاع نسبة الفقر حيث تبلغ نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر فيها إلى 58% ، ثم سوهاج 55%، فالأقصر 47% ، ولا شك أن انكماش وتراجع السياحة قد ألحق الأذى كثيرا بأهل الأقصر، حيث ارتفعت فيها نسبة من يعيشون تحت خط الفقر خلال عامين (10 - 2011 -2012/ 2013) بدرجة كبيرة من 39% إلى 47%. وبعد الأقصر تأتى محافظة شمال سيناء التى وصلت فيها نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر إلى 46% ، ولعل هذا يفسر لنا لماذا زاد التطرف والارهاب فى تلك المحافظة، وأيضاً الخروج على القانون وجرائم الاتجار فى السلاح والمخدرات والجرائم الأخرى المتنوعة. 


وتأتى بعد هذه المحافظات الخمس الأكثر ارتفاعا فى نسبة الفقر والتى ينهش الفقر فى نصف سكانها على الأقل وربما أكثر، محافظات أخرى ترتفع فيها أيضاً نسبة الفقر وأعداد الفقراء، وهى محافظات أسوان وبنى سويف (39%) الفيوم (36%) والجيزة (32%) والمنيا (30%) ، والوادى الجديد (25%) ومطروح (23%). 


أما على الجانب الآخر فإن أقل محافظة من محافظات الجمهورية يوجد بها فقراء هى محافظة البحر الأحمر التى انخفضت فيها نسبة من يعيشون تحت خط الفقر إلى 2% ، وهذا يعنى أن كل مائة من سكان هذه المحافظة يوجد اثنان فقط من المواطنين لا يقدرون على تدبير وتوفير احتياجاتهم الأساسية من الغذاء والمسكن والملبس والخدمات الضرورية. 


وبعد البحر الأحمر تأتى محافظة السويس فى انخفاض نسبة من يعيشون فيها تحت خط الفقر، حيث تصل هذه النسبة فيها إلى 5% ثم بعد ذلك محافظة الغربية حيث تصل نسبة الفقراء فيها 11% فالإسكندرية 13% فالشرقية 14% فالإسماعيلية 15% فالمنوفية 15% أيضاً . 


وهناك محافظات أخرى تقل فيها نسبة الفقر عن 20% أى «الخمس» مثل القاهرة وكفر الشيخ وبور سعيد .. ولكن مع ذلك يظل أمرا ضروريا التوقف أمام نسبة الفقر فى القاهرة والتى تبلغ نسبة 18% فهى نسبة كبيرة لأنها هى عاصمة البلاد والتى تجذب الكثير من هجرة أهالى المحافظات الأخرى ، خاصة الصعيد، أملا فى الحصول على رزق ودخل مناسب لا يتوفر لهم فى محافظاتهم ، ولعل ذلك كان أحد أسباب ارتفاع نسبة الفقر فى القاهرة.. فالمهاجرون سكنوا عشوائيات اتسمت بالفقر ونقص الخدمات أو انخفاض مستوى المعيشة.. والخطير أن هذه العشوائيات شكلت حزاما يحاصر العاصمة من كل جانب .. ومن بين شباب هذه العشوائيات جندت جماعة الإخوان من تستخدمهم الآن فى ممارسة العنف وارتكاب جرائم الإرهاب ضد عموم المصريين ولحرق وتدمير وتخريب منشآتهم. 


وهكذا فى نهاية المطاف .. أمكن لخبراء التعبئة والإحصاء من خلال هذه الأرقام التى استخلصوها من حيث الدخل والإنفاق الأخير من رسم خطوط خريطة للفقر فى بلادنا .. وهذه الخريطة تتضمن تحديد أعداد الفقراء فى شتى المناطق بالبلاد على مستوى المحافظة والمركز والشياخة والقرية، مع تحديد قيمة استهلاك الفرد فى هذه المناطق بالجنيه فى السنة، وذلك لاختلاف متوسط خط الفقر فيها .. كما تتضمن الخريطة أيضا معلومات أخرى مهمة مثل خصائص المسكن ومدى اتصاله بالمرافق العامة، وممتلكات الأسرة من الأجهزة، وخصائص أفراد الأسرة وفقا للعمر والالتحاق والتسرب من التعليم ومعدلات البطالة ، ومعلومات أيضاً تتعلق بخصائص القرية ومدى توافر الخدمات بها مثل المدارس والمستشفيات والوحدات الصحية ومراكز الإسعاف والبنوك ومكاتب البريد وغيرها. 


وبهذا المعنى، فإن خريطة الفقر تفيدنا فى تحديد المناطق التى يقطن بها أكثر السكان احتياجا ونوعية احتياجاتهم الأساسية الضرورية ، وتحديد المناطق الأقل تطورا لتوجيه برامج التنمية لهذه المناطق. 


باختصار، خريطة الفقر تفيدنا بتحديد من هم المواطنون الأولى بالرعاية والاهتمام من قبل الدولة والانحياز لهم فى سياساتها للأخذ بيدهم وانتشالهم من فقرهم وإنقاذهم من معاناتهم الناجمة عن عدم قدرتهم على توفير احتياجاتهم الأساسية من غذاء وكساء ومسكن والخدمات الأخرى. 


وإذا طبقنا كل ذلك الذى توفره لنا خريطة الفقر فى البلاد على المحافظة التى تحتل المركز الأول فى عدد الذين يعيشون تحت الفقر وهى أسيوط سوف نعرف الكثير عن أحوال فقرائها الذين يبلغ عددهم ستة على الأقل من بين كل عشرة يعيشون فى هذه المحافظة ومناطقها المختلفة. 


سوف نعرف مثلا - وتلك مفاجأة فى حد ذاتها تستحق البحث عن أسبابها - ارتفاع نسبة الفقر فى مدينة أسيوط الجديدة ، حيث تمثل المنطقة الأكثر فقرا فى محافظة أسيوط ، حيث تزيد هذه النسبة على 80% ، ويليها معظم مناطق المحافظة ومراكزها (مركز صدفا - الغنايم - أبوتيج - الفتح - أبنوب - منفلوط) وفيها تتراوح نسبة الفقر ما بين 60 إلى 80 % . ثم تنخفض هذه النسبة إلى ما بين 40 إلى 60% فى مركزى القوصية وديروط . أما أقل مناطق أسيوط فقرا فهى قسم أول وقسم ثانى أسيوط أى مركز مدينة أسيوط حيث تقل نسبة الفقر من 20% وهى منطقة صغيرة بالقياس إلى مساحة كل المحافظة. 


والآن تعالوا نرتب النتائج المهمة جداً التى نستخلصها من قراءة خريطة الفقر الخاصة ببلادنا التى أعدها جهاز التعبئة والإحصاء. 


ويأتى على رأس هذه النتائج أن أهل الصعيد وسكان المناطق الحدودية فى بلادنا هم الأكثر فقرا، وكأن فعلاً البعيد عن العين هو البعيد عن القلب، أى الذى لا يحظى بالاهتمام .. وهذا وضع تاريخى يتعين علينا أن نسعى وفورا إلى تغييره بالعمل المنظم المخطط والممنهج لتحسين الأحوال المعيشية لأهالى هذه المناطق الذين طال حرمانهم من الاحتياجات الإنسانية الضرورية من غذاء وكساء ومسكن وخدمات ضرورية مختلفة. 


وعلى الجانب الآخر فإن لدينا عدداً من المحافظات ساءت الأحوال المعيشية لأهلها وزاد عدد الفقراء فيها خلال الأعوام الماضية ويأتى على رأس هذه المحافظات دمياط وبور سعيد والأقصر.. وهذا يقتضى أن نسارع بمواجهة ذلك، حتى لا تستفحل مشكلة الفقر فى محافظات كانت معاناتها من هذه المشكلة أقل قبل عام 2011. 


أما العاصمة (القاهرة) فإن عدد من يعيشون فيها تحت خط الفقر رغم انخفاضه بالمقارنة بمحافظات أخرى عديدة يعد كبيرا، حيث يوجد من بين كل مائة يعيشون فى القاهرة نحو 18 مواطنا سقطوا تحت خط الفقر ، وهؤلاء موجودون جنبا إلى جنب مع مواطنين آخرين يتمتعون بثراء واضح وصارخ فى أماكن متجاورة حيث توجد العشوائيات بجوار أحياء تسمى راقية مثل مصر الجديدة والزمالك والمهندسين ، بل وحتى أيضاً بالقرب من القاهرة الجديدة.. وهذا فى حد ذاته أمر خطير، بل شديد الخطورة على استقرار الأوضاع الاجتماعية وكان خطيرا طوال الأعوام الماضية على الاستقرار الأمنى والسياسى، حيث كان بعض فقراء العاصمة جاهزين للاستئجار من قبل الجماعة الإرهابية للإخوان. 


ويتبقى فى النهاية أن نذكر أنفسنا أننا هنا نتحدث عن الذين يعيشون تحت خط الفقر فقط.. أما إذا أضفنا إليهم من يعيشون بالقرب من هذا الخط وفوقه فإن حجم المشكلة والخطورة سوف يتزايد ، خاصة أن هؤلاء ينضم منهم سنويا أعداد إضافية لمن يعيشون تحت خط الفقر. 


ولذلك .. آن الأوان لحشد كل قوانا لنخوض حربا شاملة ضد الفقر وإنقاذ بلادنا من مخاطره وأضراره العديدة والمتنوعة على كل المستويات الاجتماعية والسياسية والأمنية.