شـيخ المصـــوّرين ابـــن التسـعـيـــن .. حــــالة اســتثنــائـــية محمـد صبـرى .. «لقطـة مصـر»

17/11/2016 - 3:27:39

  محمد صبرى يحكى ذكرياته للزميل محمد عبدالحافظ  -   عدسة :  إبراهيم بشير محمد صبرى يحكى ذكرياته للزميل محمد عبدالحافظ - عدسة : إبراهيم بشير

حوار - محمد عبدالحافظ

دخل بورسعيد المحاصرة فى «زى صياد»..  وارتدى «چاكت» المصوراتى الشعبى وراح يقترب من ضباط وجنود الاحتلال.. فكانت المفاجأة أنهم سلموه الأفلام التى صوّروها بكاميراتهم الخاصة لقصف المدينة.. فخدعهم ونشرتها «  المصور»


تعلق فى السابعة بالألوان.. وتقاسم مع والدته الساعات على سبورة بيضاء وطباشـــير ملــــون اشـــترتهما له لينمي موهبة الرســــم المُبكــــرة


سمكات «البساريا».. خبأت الكاميرا عن أعين الإنجليز ..والاستوديو المقصوف سهل المهمة


صادَقَ رشدي أباظة وكانا يلعبان البلياردو معًا ويتنافسان على قلوب الجميلات.. ويؤمن بأنه فنان وأن الكاميرا دخيلة على مساره الذى بدأ بالريشة ..وهو الذى صوّر «كوكب الشرق» فى حديقة منزلها


ارتبط بأحمد بهاء الديـن وفكــــــري أباظة وكـــــامل زهيري وأمينة السعيد .. وترك بصماتـــــــه الإبداعيـــــــة فى كل مجــــالات الصحافة


أسس «صبري» الأستوديو حسب اتفاقه مع «إميل زيدان» على أحدث المواصفات


كانت عقارب الساعة تستعد للعناق معلنة انتصاف نهار التاسع والعشرين من أكتوبر - تشرين الأول .. ومرور ستين عامًا كاملة على «مؤامرة» العدوان الثلاثى على مصر..


الحدث «الجلل» لم يغب عن بال القائمين على مؤسسة «دار الهلال«.. والذكرى لم تكن لتمر دون حفاوة تليق بها، فكان قرار الكاتب الصحفى غالى محمد رئيس مجلس إدارة «دار الهلال» ورئيس تحرير «المصور» بإصدار عدد تذكارى عن العدوان، ومعه كتيب «عشرة أيام مجيدة» الذى نشرته «المصور» عام ١٩٥٧ - الثمن ١٢ قرش - ووثق بالكلمة والصورة للحدث.


وعلى الغلاف الداخلى للكتاب المعاد نشره لفتتنى العبارة «التقط صور المعركة» محمد صبرى فكانت شرارة هذا الحوار.


خطوات بسيطة تفصل بين مؤسسة «دار الهلال» الصحفية - شارع المبتديان - ومنزل واحد من أبنائها اللامعين فى شارع قصر العينى، الذى وثق بكاميرته وقائع العدوان، فى «خبطة» صحفية وفنية نادرة.


سبعة عقود ملأى بالحكايات يحملها الرجل على كاهله، وهو يسير متمهلًا فى شوارع المربع الجغرافى الذى طالما شهد لحظات مجده.


قطعة من التاريخ، تمتزج فيها السياسة بالتصوير الصحفى، الفن التشكيلى، وتتزاحم فيها أسماء زعماء وقادة، نجوم وحرافيش، وفدائيون وحالمون، قطعة من التاريخ يختزلها اسم لم يفقد بريقه، رغم التغيرات المرعبة فى الواقع.


خلال خطوات قطعتها فى طريقى لمنزل الفنان محمد صبرى .. كانت أغنيات تلك الفترة الاستثنائية تتردد فى أذنى، بينما تمر أمام عينى لمحات من حياة «صبري» المولود فى الشهر نفسه «أكتوبر» قبل أعوام طويلة، تحديداً عام ١٩٢٥، لأب مستشار - أحمد محمد صبرى- شارك فى التحقيق بقضية «ريا وسكينة»، أما والدته - جميلة هانم صبرى - فكانت «ناشطة نسوية» ورفيقة درب «هدى هانم شعراوي«.. فضلًا عن مساهماتها الثقافية المتعددة..


مبكرا تفتحت موهبة صبرى، وعرف أن الرسم هو طريقه ومسار حياته، وجاءت الفوتوغرافيا بالمصادفة، وربطته بـ «دار الهلال» علاقة لا تنفصم.


لجيل لايعرف الرجل التسعينى ..


«محمد صبرى» أحد الأسماء التى دفعت بها «دار الهلال» للساحة الثقافية، والإعلامية، يمثل حالة إنسانية ومهنية فريدة، واحد ممن أتاحت لهم «المؤسسة العريقة» فرصة المساهمة فى كتابة التاريخ، كتفا إلى كتف مع أسماء منها: أحمد بهاء الدين، فكرى أباظة، كامل زهيرى ، أمينة السعيد،مكرم محمد أحمد، فوميل لبيب ، رجاء النقاش، كمال سعد، عبدالمنعم الجداوى ، أحمد رسلان.. وآخرين من نجوم إحدى أعرق المدارس الصحفية فى العالم العربى.


بمناسبة مرور ستين عامًا على «العدوان الثلاثي» تبدو اللحظة ملائمة، لا لتكريم «صبري» الذى شارك بعدسته فى المعركة، وإنما لإعادة قراءة تاريخ رجل أضاف الكثير لمهنة التصوير الصحفى، ورصدت عدسته حركة المجتمع المصرى والعربى فى واحدة من أشد مراحل التاريخ تقلبًا.


فى ذكرى «العدوان الثلاثى».. تستعيد صور «محمد صبرى» بريقًا لم تفقده عبر أكثر من نصف قرن، ويتجدد الإعجاب بشجاعته وحرفيته، وكيف حوّل الكاميرا لسلاح فى مواجهة ثلاث دول كبرى أرادت كسر مشروع مصر النهضوى، وككل جندى يستحق صبرى الحفاوة والتكريم .


ومن أجل هذا ذهبت إليه «المصور» لتقول له شكراً.


ولطبيعة الرجل .. جاء الحوار معه مختلفا، فقد اختار له أو قادنا الحوار إلى شكل أشبه ما يكون بلقطات فوتوغرافية.. مشاهد من حياته ومغامراته، يجمع بينها كونه البطل، أما شركاؤه فى تلك اللقطات فكانوا من كل الشرائح والفئات.


اللقطــة الأولــــى..


«أب مســـتشـــار.. وأم مــثــقــفــة بـــروح فــــنـــانــة»


كانت الحرب العالمية الأولى وضعت أوزارها قبل أقل من عام ولا زالت ظلالها جاثمة، عندما انطلقت فى أحد منازل شوارع الحلمية الجديدة صرخة معلنة ولادة الابن الأكبر للمستشار أحمد محمد صبرى الذى لمع اسمه عقب مشاركته التحقيق فى قضية «ريا وسكينة» السفاحتين الشهيرتين، بينما كانت الأم نموذجا استثنائيا فى عصرها، نموذج ترك أثرا لا يمحى فى حياة الابن، فــ«جميلة هانم صبرى» كما كانت تعرف، كاتبة، وناشطة نسوية، عاشت حياة حافلة، وتميزت بــ«روح الفنانة».. الأمر الذى انعكس على صغيرها، كانت مقربة من «هدى شعراوى» وعضوا مؤسسا فى جمعية «ترقية الفتاة» ومدارس «بنات الأشراف»، وتركت إرثا أدبيا تمثل فى سبع كراسات، ضمت رصدا بقلمها للتطورات السياسية والاجتماعية فى مصر وانعكاس ذلك على حياتها الخاصة، وهى الكتابات التى نشرت لاحقا تحت عنوان «تدوينات جميلة صبرى» عن مؤسسة المرأة والذاكرة، بمقدمة للكاتبة صافيناز كاظم، تركت الأم أيضا أعمالا شعرية وبعض الرسومات، وأثرا خاصا فى ابنها الأصغر الذى اكتشفت ميوله الفنية مبكرا ودعمته ليتجه نحو الفن التشكيلى، لتبقى فى قلبه دائما المرأة التى أحبها، لأنها «نموذج المرأة العظيمة» ولم ينل من حبها فى قلبه رحلاته المتعددة فى عالم الحب والغرام..


اللقطـــة الـــثـــانــيـــة..


«طفــــل مـــوهـــــوب.. ومـعلـــم أرمـــنـــى»


مبكراً جداً تعلق الطفل محمد صبرى بالألوان، وتقاسم مع والدته الساعات على سبورة بيضاء وطباشير ملون اشترتهما له خصيصا لينمى موهبته الواضحة، ويوما بعد يوم اكتشف الابن والأم أن الرسم هو الطريق الوحيد أمام الفتى الموهوب، الذى شغله الفن عن استكمال المسار التقليدى للتعليم، كما شغله عن رياضته المفضلة وهى المصارعة، وكان قرار محمد ابن السادسة عشرة هو السفر لإيطاليا لتعلم الفن، وجهز نفسه للرحلة، إلا أن ظروف الحرب منعته من استكمال مخططه، فما كان منه إلا أن واصل الرسم بفطرته، وكان يهدى لوحاته إلى افراد عائلته وأصدقائه المقربين، ولعبت المصادفة دورها فى وصول إحدى لوحاته عن طريق الإهداء إلى حائط فيلا شقيقته الكبرى «عفت»، وعندما عرضتها للبيع، جاء المصور الأرمنى «البان» الذى كان أحد أشهر المصورين الفوتوغرافيين وقتها، ورأى الصورة وسأل عن الفنان الذى رسمها وعندما أخبرته أنه شقيقها الأصغر أبدى اندهاشه ونصح بأن يتجه «صبرى» للتصوير الفوتوغرافى متوقعا أن يكون له مستقبل عظيم، وكانت تلك شهادة لها أهميتها من فنان مثل «البان» احترف تصوير العائلات المالكة فى مصر وأوربا، لم يكذب صبرى خبرا فالتحق باستديو «ارمان» بوسط البلد، حيث التقى وصادق الفنان «سحاب الماظ».


اللقطة الثالثة..


«فنـــــان عالمــــى.. ولمـــــبـــة جـــــــاز»


كانت خطوات الفتى الموهوب أسرع من الأيام، وأحلامه أرقى كثيرا من الواقع، وربما كان يدرك أو يشعر أنه مقدر له الشراكة فى تغيير الواقع، وانطلاق بلاده نحو التحديث، وبمجرد أن قرأ إعلانا عن مسابقة عالمية للتصوير الفوتوغرافى، قرر أن مصر يجب أن تشارك، وكانت أمامه مشكلة بسيطة.. لم يكن يمتلك كاميرا .


استطاع «العبقرى الشاب» أن يصنع صورته التى سيشارك بها فى المسابقة، بواسطة «كارتونة» ثقبها بإبرة وضبطها بمهارة لا تتوافر إلا للمصريين لتتحول إلى «آلة تصوير بدائية» التقط بها صورة حازت المركز الثانى فى المسابقة العالمية التى كان يطمع فقط إلى شرف المشاركة فيها..


مرة أخرى تزامن المصادفة جائزة صبرى بتحول فى نمط إدارى كان مستقرا فى المؤسسات الصحفية المصرية، حيث يدرك القائمون عليها تعاظم دور الصورة، ويقررون إنشاء أقسام للتصوير الفوتوغرافى وتأسيس استوديوهات خاصة بدلا من التعاون مع المصورين من الخارج بنظام «الأبونيه» .


بسرعة تحولت الجائزة إلى عروض عمل من «الأخبار» .. «الأهرام» و«دار الهلال»، التى اختارها «صبرى»، وبدأ فيها رحلة عمل أثمرت مشوارا مهنيا وإنسانيا فريدا.


اللقطـة الثــالـــثـــة.. «فى دار الهـــلال»


كان صبرى يؤمن أنه فنان، وأن الكاميرا «دخيلة» على مساره الذى بدأ بالريشة، وربما كان هذا الإحساس هو ما قاد خطواته إلى «دار الهلال»، التى كانت الصورة فيها «لوحة» وليست «خبراً»..


أسس صبرى الأستوديو، حسب اتفاقه مع «إميل زيدان» - الابن الأكبر لجرجي زيدان مؤسس «دار الهلال» فكان أول من أدخل الصحافة المصوّرة إلى مصر - على أحدث المواصفات العالمية، ومن أجل هذا الهدف تعلم اللغة الفرنسية وقرأ أحدث الكتب والمقالات فى هذا المجال .


وربما كانت أحلام صبرى عندما دخل «دار الهلال» عريضة، وطموحه كبيراً.. إلا أنه بالتأكيد لم يكن يتوقع أن يحقق من خلال علاقته بالمؤسسة العريقة كل هذا الإنجاز، وأن توثق عدسته لحظات التاريخ، الذى كان يتشكل وقتها، وأن يصادق ملوكا ورؤساء ونجوما ونجمات، وأن يسجل تاريخ الصحافة، وفن التصوير اسمه كأحد رواد هذا الفن وتلك المهنة بأحرف من نور، شاهدة عليه «كاميرا قديمة» لازالت ضمن مقتنيات الدار حتى اللحظة.


لقطــــة جــــانـبــيــة..


«عدســـة واحـــدة.. وأربعـــة رؤســـاء تحــريـــر»


من بين العديد من نجوم مهنة المتاعب الذين عمل صبرى معهم وإلى جوارهم تبقى فى الذاكرة مساحة خاصة يحتفظ بها لأربعة أسماء ممن رأسوا تحرير مطبوعات «دار الهلال»، يأتى فى مقدمتهم الراحل الكبير أحمد بهاء الدين، الذى قاد عملية لتجديد دماء الدار العريقة، مستعينا بمجموعة من الشباب الجامعى أثاروا حسد الكبار حتى اطلقوا عليهم اسم «البهائيين» نسبة لأحمد بهاء الدين، ومع أحدهم الكاتب الصحفى «كمال سعد» زار صبرى جبل «علبة».. - إبريل ١٩٦٦ - ووثق حياة وتقاليد قبائل العبابدة والبشارية .. «حياة الخيال والترحال والرقص التى يعايشه ملوك الصحراء فى جبال علبة».. أيضا وثق من البحر الأحمر بالصور - ديسمبر ١٩٦٥- «الشتاء بالمايوه على الساحل المرجانى».. فضلا عن التحقيقات الصحفية المتعددة مع الأساتذة بثينة البيلى، وأحمد رسلان.. فضلا عن رسوماته عن الحوادث مع عبدالمنعم الجداوى.


ومع بهاء أيضا كان له موقف لا ينسى عندما صوّر «على صبرى» نائب رئيس الجمهورية وقتها فى مأدبة فاخرة بموسكو، بينما مصر تعانى تبعات النكسة، وتمر السنوات ويبقى بهاء عنوانا على مدرسة ومرحلة فى الصحافة المصرية تجمع بين التوقد والعقلانية، ولا تفقد بريقها ونظرتها الثاقبة..


ولا ينسى صبرى أيضا نقيب النقباء كامل زهيرى، الذى قدم للمهنة الكثير، ورسم ملامح مدرسة «الرصانة الصحفية» التى تقدم الخبر والمعلومة بلا تزيد أو ابتذال، و«الباشا» فكرى أباظة، صاحب العبارة الرشيقة المرحة، الذى كان قلمه مضبوطا على موجة الجماهير، وبقى قلبه شابا حتى بعدما جاوز السبعين.


والعظيمة أمينة السعيد، التى كانت رئيسا لتحرير مجلة «حواء».. عندما نشرت على غلافها صورة بعدسته لابنه الوليد أحمد، وهو الذى سيصبح لاحقا مهندسا معماريا، بقرار مستقل، بعيدا عن التأثيرات الفنية لـ«صبري» الكبير، وزوجته السيدة ليلى خالد - عيد الأم ١٦ مارس ١٩٦٨ - وظلت أمينة رمزاً للمرأة المصرية القوية المعطاءة، القادرة على إدارة عشرات الرجال بشخصيتها الحاسمة الأمومية.


لقطــة مقربــــة.. «الصـــياد.. فى مهمـة خــاصـة»


من بين عشرات الخبطات الصحفية تبقى المهمة الأصعب والأهم فى مشوار صبرى تلك الرحلة الخطرة التى قام بها فى أكتوبر عام ١٩٥٦، برئاسة تحرير «فكرى أباظة» عقب العدوان الثلاثى، والفكرة تبلورت لديه بعد فشل مشروع مماثل لمجموعة من صحفيى ومصورى روزاليوسف، الذين لم يتمكنوا من دخول بورسعيد المحاصرة، لأنهم ــ حسب قوله ــ استبقوا الرحلة بـ «زفة إعلامية» صاخبة، لكن صبرى قرر التسلل بهدوء وتوجه بالفعل إلى مدينة المطرية بالمنزلة، وهى النقطة التى كان يتسلل منها فدائيو الجيش والمقاومة، ويتحرك منها الصيادون، وبعد جلسة مع ضابط إدارة المخابرات ــ كما كانت تسمى وقتها ــ الصاغ نعمان، تم وضع الخطة، حيث ظل يتمرن لمدة أسبوع كامل على الحياة مع الصيادين، أتقن طريقة كلامهم ولبسهم، وترك وجهه للشمس كى تلفحه، وقدماه لقسوة الأرض حتى تشققتا، وبعدها أصبح جاهزا للتسلل مصطحبا «كاميرته» المخبأة بمهارة فى «قفة سمك»، مراعيا أن يضع أعلى القفة أربع سمكات كبار، بينما تختفى الكاميرا أسفل عدد من سمكات «البساريا» الصغيرة، لأنه علم أن الإنجليز يفتشون أقفاص الأسماك ويأخذون الكبير منها، انطلت الخدعة المصرية على جنود «الإمبراطورية العظمى، ودخل صبرى إلى «بورسعيد» وهناك قام بواحدة من أعظم المهمات الصحفية، حيث صور «بورسعيد» تحت الحصار، كما صور جنود الإنجليز، وكانت الصدفة كعادتها فى صفه، حيث وجد استديو دمرت القذائف أحد حوائطه فدخله واخذ منه ايصالات تصوير و«چاكت» المصور الشعبى، مما منحه فرصة التجول بحرية، فكانت المفاجأة أنهم سلموه الأفلام التى صوّروها بكاميراتهم الخاصة بقصف المدينة.. فخدعهم ونشرتها «المصوّر».. وحدث خطأ إخراجى فى عدد المجلة، حيث وُضع اسمه على الصور التى أخذها من الإنجليز، وهذا أدخله فى مواجهة مع الإنجليز الذين طلبوا القبض عليه.. الصور الفريدة التى نقلها «صبري» على صفحات مجلة «المصوّر»، فضحت فظائع المعتدين على بورسعيد الباسلة. من هنا، تبقى مغامرة صبرى فى «بورسعيد» درساً للصحفيين والمصورين، فى «العمل على خط النار» من أجل المهنة، والوطن.


لقطــة أخــرى مقربــة جـــدًا.. «الـفـنـــان والنجــــوم»


روح الفنان بداخله، وعمله الصحفى، ربطتا «محمد صبرى» بعدد كبير من نجوم الفن، سواء من كان يصورهم فى الأستوديو الذى أسسه فى «دار الهلال»، أو من ربطته بهم صداقة شخصية وإعجاب متبادل.


كان النجم رشدى أباظة قريبا جدا من «صبرى».. وكانا يلعبان «البلياردو» معا.. ولا يخفى «صبرى» أنهما كثيرا ما تنافسا فى المجال العاطفى، وكانا ملك الترسو «فريد شوقى» وتحية كاريوكا أيضا من أصدقائه المقربين، .. أيضا تربطه علاقة جيدة بالفنان على رضا الذى اقنعه بالزواج من الفنانة فريدة فهمى، وقد تزوج «صبرى» من النجمة نادية لطفى لفترة قصيرة وانفصلا فى هدوء، ورغم أنه لم يكن من هواة الموسيقى إلا أن ذاكرته تحتفظ بحكاية خاصة مع «الست» أم كلثوم، التى ذهب لتصويرها بمنزلها فى الزمالك، بتكليف من أحمد بهاء الدين الذى أخبره أن أم كلثوم طلبته بالاسم، ولأنه فنان غير تقليدى صوّر «صبرى» «الست» وهى تروى زرع حديقتها وهى الصورة التى اشتهرت ومازال عشاق أم كلثوم يحتفظون بنسخ منها وتم نشرها فى مجلة «الكواكب» فى فترة رئاسة التحرير للأستاذ رجاء النقاش.


لقطـــة فى الصحــــراء..


«والـــدة الــعـقيـــد.. ورســـالة لـــلــزعيـــم»


جاب صبرى بلاد العالم فى مهمات صحفية، وفى قلبه بقيت باريس مدينة الفنون هى الأقرب والأجمل، لكن الذاكرة تأبى نسيان رحلة خاصة جدا إلى ليبيا برفقة الكاتب الصحفى مصطفى نبيل، لرصد أحوالها بعد ثورة الفاتح من سبتمبر، والتقيا العقيد الشاب ــ وقتها ــ معمر القذافى، فى معسكر «العزيزية» بطرابلس ليكتشفا خلال الحوار أن والديه لازالا أحياء، فيقرران السفر إليهما، وعندما يطلبان ذلك من القذافى يخبرهما أن الأمر متاح ولا يحتاج إلا لاستئجار سيارة، فيقولان له : «إن الرئيس جمال عبدالناصر أعطانا خمسة جنيهات فقط».. فيخصص لهما سيارة «لاندروفر» عسكرية.. معتذرا عن مشقة الرحلة بها، حملتهما السيارة أكثر من ألف ومائتى كيلو فى الصحراء ليلتقيا بوالدى القذافى، وكانت المفاجأة عندما طلبت منهما أم الرئيس الليبى إبلاغ الزعيم عبدالناصر رسالة تطلب فيها علاج والد القذافى من عينيه، وعندما قالا لها إن ابنها هو رئيس البلاد قالت «أبلغا الرسالة لعبدالناصر».. وقد كان.


لقطـــة بــانـــورامــيــة..


«الفنــــان وأوجـــــه العطــــاء الســـبعــــة»


حياة حافلة لا يمكن اختزالها فى لقطات خاطفة، لكن شريط الزمن يحتفظ للرجل بالكثير من العطاءات، رساما، وفوتوغرافيا، ومصمما لاغلفة معظم مجلات الدار - «المصور»، وموثقا لتاريخ مصر.. فضلا عن دوره الوطنى، صوّر الرجل قادة وزعماء العالم، وصادق نجوم الفن، وسجل جوهر وروح الشعب ممثلا فى كتاباته على العربات بعد هزيمة ٦٧، وهو الموضوع الذى سيتحول لاحقا إلى دراسة علمية لرائد علم الاجتماع المصرى دكتور سيد عويس.


تنوع إبداع صبرى فى مجالات متعددة، واحتضنت صوره ولوحاته مجلات «دار الهلال» المختلفة، وحتى مجلة «الهلال» المعنية بالفكر والأدب - برئاسة كامل زهيرى - قدم فيها بابا بعنوان «الروح والصورة» كان أسلوبا جديدا فى الصحافة الثقافية آنذاك، كما قدم «الأسبوع الفني» فى «المصور»، وترك بصماته فى كل مجال.


إنسانيا تزوج الرجل ثلاث مرات، ولا يخفى حبه وتقديسه للمرأة وللحب، الأولى من السيدة ليلى زكى خالد والدة ابنه الوحيد المهندس أحمد، والثانية من النجمة نادية لطفى، والثالثة من الفنانة ليلى إحدى فتيات فرقة «الثلاثى المرح» الغنائية التى قدمت عددًا كبيرًا من الأغنيات الناجحة، خصوصا فى مناسبات رمضان والأعياد.


لقطـــة أكتـــوبـــريــــة..


«الفنـــــان.. فى دايــــرة الرحــلــــــة»


فى أكتوبر ولد محمد صبرى، وفيه خاض مغامرته الكبرى، وفيه ودع مهنة المتاعب، وفى أكتوبر من كل عام، تتجدد الذكريات، نسمات أكتوبرية عطرة، تشعل حماسة الرجل التسعينى لتلمع عيناه ببريق التفوق، وزهو الذكريات.


عاش الرجل حياته «بالطول والعرض» وحقق مهنيا وإنسانيا ما يتجاوز قدرة آخرين على الحلم والأمنيات.


وفى أكتوبر هذا العام تضاعفت سعادته بإعادة طبع شهادته المصورة عن العدوان، وبحوار الذكريات مع «المصور» وتضاعفت سعادتنا بانتمائه إلينا وانتمائنا إليه..


وحين أوشكت أن أطوى أوراقى قال لى:


«لا تنس»؟


قلت: «لن أنسى»


قال: «أتعرف ماذا أقصد»؟


قلت: «سلم لى على الأحباب»


خرجت وقد ارتفعت قامتى وشعرت ــ حقيقة ــ أننا جديرون بهذا الرجل التسعينى.. متعه الله بالصحة.