حق المرأة فى اختيار زوجها

09/11/2016 - 10:31:48

د. عباس شومان د. عباس شومان

بقلم: د. عباس شومان

لقد رفع الإسلام مكانة المرأة ومنحها حقوقا لم تكن تحلم بها قبل مجيء هذا الدين الحنيف، وحسب المرأة أن منحها الدين الإسلامى الحق فى الحياة، وقبّح من جريمة كانت ترتكب بحقها فى الجاهلية، حيث نهى عن التخلص منها ضمن النهى العام عن الاعتداء على الأبناء ولو فى مراحل الحمل، فقال تعالى: «وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ»، وخصها الإسلام بخطاب حياة فقال تعالى: «وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ*بِأيّ ذَنْبٍ قُتلَتْ»، ومنحها ذمة مالية مستقلة عن أبيها أو زوجها تكون المرأة من خلالها هى صاحبة التصرف فى مالها دون ولاية من أحد، وورّث الإسلام المرأة وجوبا فى تركة من اتصلت به بنسب أو زوجية، وجعل نصيبها من الميراث مساويا للرجل فى بعض الصور ويفضله فى صور أخرى، وخصها بفرض الثلثين من التركة فى الميراث،


بل جعلها الإسلام حائزة للتركة كاملة ولم يورّث رجلا ينتسب إليه الميت بذات الدرجة التى تنتسب إليه بها، كما لو مات شخص وترك جدة لأم وجدا لأم، فمع أن الجد لأم الذى هو زوج هذه الجدة وجد الميت أيضا مثلها، إلا أن التركة كاملة لها وحدها ولا شيء للجد لأم، وهذا يدحض ما يزعمه البعض من ظلم المرأة فى الميراث واعتقادهم أنها على النصف من الرجل بصفة عامة.


ومن الحقوق التى منحها الإسلام وشريعته السمحة للمرأة حق اختيار الرجل الذى يشاركها رحلة الحياة ويكون أبا لأولادها، فقد منع الإسلام أولياء المرأة من عضلها أو الحجر عليها فى اختيار الزوج، فقال تعالى: «فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ»، ولا يجهل كثير من الناس قول رسولنا الكريم – صلى الله عليه وسلم: «لا تُنكح الأيّم - من سبق لها زواج وانتهى - حتى تستأمر، ولا تُنكح البِكر حتى تستأذن. قالوا: يا رسول الله، وكيف يكون إذنها؟ قال: أن تسكت»، وهذا يعنى أن المرأة هى صاحبة الحق فى الموافقة على خاطبها أو رفضه، ويبقى لولى أمرها حق النصح والإرشاد وكشف مساوئ الخاطب أو حسناته اعتمادا على خبرته وتحكيم العقل وليس العاطفة الغالبة على المرأة، لتكون المرأة على بيّنة من أمرها، وليس لولى أمرها الاستبداد بالرأى وفرض رجل عليها لا ترغب هى فيه، لأن هذا لا يحقق المقصود من الزواج، وهو السكينة والمودة، ولأن فرض رجل عليها لا يخلو بعد الزواج من أحد احتمالين: إما اكتشاف صحة تقدير المرأة وخطأ رؤية الولى الذى فرض هذا الزوج عليها، وإما خطأ تقديرها وصواب رؤية الولي، وهنا تحصل الألفة وتستقر الحياة ويتحقق المقصود من الزواج، ولكن هذا مجرد احتمال قد لا يتحقق ولذا لا يمكن اعتباره قاعدة يُبنى عليها ويمنح ولى المرأة بموجبها حق فرض زوج عليها، لأن احتمال عدم التوافق قائم فى حال كانت رؤية الولى غير صائبة، حيث لا يخلو الأمر فى هذه الحال من أحد احتمالين: إما أن تقبل المرأة الوضع القائم وتتعايش مع زوجها الذى فُرض عليها على بغض يخل بالمودة المنشودة والمراد من الزواج، وإما أن تسعى للخلاص منه بالخلع أو الطلاق، ولا شك أن حصول الفرقة وهدم الزوجية من أبغض الحلال فى شرعنا.


وما يحدث من تعنت من بعض الأولياء ومنع المرأة من استخدام حقها فى اختيار زوجها ليس نابعا من قناعات شرعية ولكنه مع الأسف ناتج عن عادات وأعراف ربما يمتد بعضها إلى عصر الجاهلية، ولو أمعن الناس النظر فى جملة نصوص شرعنا ووقائع حدثت فى عهد رسولنا – صلى الله عليه وسلم - لأدركوا رقيا وتقدما يسبق عصرنا بكثير، فقد سبقت الإشارة إلى أحقية المرأة فى خطبة الرجل، بدليل المرأة التى عرضت نفسها على رسولنا الكريم فى حضور صحابته قائلة: «جئت لأهب لك نفسي»، بالإضافة إلى مشروعية عرض الرجل ابنته أو أخته ونحوها على الرجل الصالح، بدليل عرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة على أبى بكر ثم عثمان - رضى الله عنهم جميعا.


وهناك وقائع عملية تثبت أحقية المرأة الكاملة فى اختيار زوجها وعدم أحقية أحد ولو كان والدها فى إلزامها بزوج لا ترغب فيه، ومن ذلك: ما رُوى أن فتاة بِكرا أتت النبى - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له أن أباها زوّجها وهى كارهة، فخيّرها النبى - صلى الله عليه وسلم. ورُوى أن رجلا زوّج ابنته وهى كارهة، فأتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إن أبى زوّجنى رجلا وأنا كارهة، وقد خطبنى ابن عم لي. فقال: لا نكاح له، انكحى من شئت. وعن خنساء بنت خذام قالت: أنكحنى أبى وأنا كارهة وأنا بِكر، فشكوت ذلك للنبى - صلى الله عليه وسلم - فقال: أتنكحها وهى كارهة?! ورُوى أنه كانت امرأة من الأنصار تحت رجل من الأنصار فقُتل عنها يوم أحد وله منها ولد، فخطبها عم ولدها ورجل إلى أبيها، فأنكح الرجل وترك عم ولدها، فأتت النبى - صلى الله عليه وسلم - فقالت: أنكحنى أبى رجلا لا أريده، وترك عم ولدي، فيؤخذ منى ولدي. فدعا النبى - صلى الله عليه وسلم – أباها، فقال له: أنكحت فلانا فلانة؟ قال: نعم. قال: أنت الذى لا نكاح لك، اذهبى فانكحى عمَّ ولدك.


فإذا كان هذا الرقى فى إعطاء المرأة بِكرا وثيّبا الحق فى اختيار زوجها فى صدر الإسلام، وهو زمن حديث عهد بجاهلية لم يكن يحق للمرأة فيها مجرد التعبير عن رأيها، فكيف تبقى رواسب الجاهلية والأعراف البالية حتى زماننا هذا؟! والأدهى أنه يحلو لبعض من ينظر إليهم على أنهم من علماء الدين تحذير الفتاة من مخالفة رأى وليّها ولو أراد تزويجها بمن لا تطيق رؤيته وإلا كانت عاقة له عاصية لله ولرسوله، على الرغم من أن الحنفية منحوا المرأة الحق فى اختيار زوجها ولو كانت بِكرا لم يسبق لها الزواج، وأن من حقها تزويج نفسها بنفسها ممن اختارته ولو رفضه الولي، ولكن بشرط اختيار من يكافئها وأن تشترط لنفسها مهر مثيلاتها على الأقل لضمان عدم جلب معرة لأسرتها، فلو زوجت نفسها مع فقد شرط من الشرطين حُق لوليها طلب فسخ هذا النكاح والتفريق بينها وبين من تزوجت به.


وأخيرا، أوصى أولياء الأمور أن يتقوا الله فيمن يتولون أمرهن من النساء، وليكفوا عن ظلم النساء والتعنت معهن دون مبرر ذى بال حتى لا تضطر المرأة لتزويج نفسها بنفسها، وأوصى الفتيات بالحرص على إرضاء أولياء أمورهن وعدم تفردهن بالأمر وتدبر نصائح الأولياء بالعقل، وليضعن نصب أعينهن أن أولياء الأمور يبحثون دائما عن مصلحة من يتولون أمورهم، فإن اقتنعت المرأة برؤية ولى أمرها فذاك خير، وإن كرهت تمسكت بحقها الشرعى بمراعاة شرطى تزويج نفسها، مع حفظ حق الولى عند الإخلال بأحد هذين الشرطين.