المشير طنطاوى

09/11/2016 - 10:30:06

  سليمان عبدالعظيم سليمان عبدالعظيم

بقلم - سليمان عبدالعظيم

«فى حياة كل إنسان لحظات حرجة يمر فيها بمواقف يفرضها عليه القدر ويحتم عليه اتخاذ قرارات أقل ما توصف به أنها مصيرية».. وقد تمثل نقاط تحول ليس فقط فى مسيرته هو الشخصية بل لعلها تكون مؤثرة بشكل أو آخر فى حياة آخرين .. فى هذه اللحظات يتوقف الإنسان مع نفسه ليختار فى الغالب بين ما هو مؤمن به ويعتقده صواباً وبين ما قد يتطلبه الأمر الواقع، ويراه الآخرون هو الصواب بنظرة قد تكون سطحية أو مثالية أو حتى نفعية.. فيأتى حرج اللحظة من حساسية الموقف ومصيرية القرار الواجب اتخاذه ثم التصدى لردود الأفعال وخاصة غير المحسوبة أو المدفوعة منها .. ولا ننسى هنا التأكيد أن الإنسانية.. كل الإنسانية.. أن يطابق سلوك الإنسان المبادئ والأفكار التى يؤمن بها..


ثلاثة مشاهد فقط اخترتها للمشير حسين طنطاوى أراها مثلت لحظات حرجة فى حياة الرجل فى السنوات الأخيرة منذ قيام ثورة ٢٥يناير التى وضعت الرجل فى صدارة مشهد مفعم بالغضب ما بين عشية وضحاها، بعدما قضى سنوات عمره قانعاً بدوره ملتزماً بتقاليد المؤسسة العسكرية، نائياً بنفسه عن بطانة أحكمت سيطرتها على الحاكم «حسنى مبارك» والوطن معاً.. هذه المشاهد الثلاثة أتوقف عندها للتأكيد على ضرورة رد الاعتبار لهذا الرجل الذى بات تكريمه واجباً منا كشعب قبل أن نطالب به الدولة.


أما المشهد الأول فهو مشهد نزوله وسط الثوار فى ميدان التحرير فى الأيام الأولى للثورة، بعد انتشار وحدات الجيش المصرى للتمركز فى ميادين مصر وشوارعها عقب انهيار قوات الشرطة فى أيام معدودة.. كان نزول المشير طنطاوى رسالة تأكيد على استيعاب القوات المسلحة للموقف وتفهمها بل ودعمها لحق المصرى فى التعبير عن غضبه وتقرير مصيره ووقوفها حامية له ومدافعة عنه.


كانت تلك اللحظة حرجة واتخذ الرجل موقفاً يعلم الله وحده مدى تبعاته لو كانت الثورة قد فشلت لا قدر الله.. فالعزل والمحاكمة كانا ينتظران طنطاوى كأبسط رد فعل من العصابة الحاكمة آنذاك -نظام مبارك- على وقفته الوطنية الشجاعة.


ويأتى المشهد الثانى حين قام المشير طنطاوى بتسليم السلطة للرئيس المعزول محمد مرسى ومؤدياً له التحية العسكرية باعتباره الرئيس المنتخب فى انتخابات ديمقراطية، شاركت فيها جموع الشعب المصرى وراقبها وشهد لها العالم.. كانت اللحظة حرجة واختار الرجل دعم رغبة الأغلبية فى ممارسة سياسية راقية طالما اشتقنا إليها، وطالب بها الثوار والمعارضون والمدعون سنوات وسنوات.. فما كان منهم جميعاً إلا إهانة الرجل وتحميله مسئولية تسليم الدولة للإخوان بدعوى ضمان خروجه الآمن فى صفقة تبادلية.. ونسوا أنهم أول من أعطوا محمد مرسى أصواتهم ودعمهم فى مواجهة الفريق أحمد شفيق باعتباره من الفلول.. كان طنطاوى يستطيع الانفراد بالسلطة لسنوات لو أراد.. وكان يستطيع تزوير انتخابات الرئاسة من البداية لمرشح تختاره وتدعمه المؤسسة العسكرية.. ولكنه لم يفعل.


ويعد المشهد الثالث هو الأكثر درامية فى مشاهدنا حين أقال الرئيس المعزول محمد مرسى المشير طنطاوى من موقعه كوزير للدفاع والإنتاج الحربى وقائداً عاماً للقوات المسلحة.. كان المشهد مهيناً بتفاصيله التى تفاخرت بها أبواق الجماعة الإرهابية.. وكانت أيضاً اللحظة حرجة.. وكان طنطاوى- مدعوماً بالجيش وقادته وقواته بل وجموع المصريين- يستطيع رفض القرار بشكله ومضمونه.. بل والانقلاب الحق على مرسى وجماعته.. إلا أن الرجل اختار مرة أخرى الانحياز لمصر نائياً بها وبشعبها بعيداً عن صراعات وشهوات السلطة والذات.. هذه اللحظات جميعاً كانت حرجة.. والارتباك كان باستمرار سيد الموقف.. ولكن ما قام به طنطاوى سيذكره التاريخ فى صفحاته البيضاء حتى ولو بعد حين.. خاصة أن الأيام لا تزال تكشف أن الكل مدان والكل مهان حتى إن صدحوا فى كل يوم وليلة بأناشيد الإثم والبراءة.. هل مازلنا مقصرين دولة وشعباً فى تكريم المشير حسين طنطاوى؟!»


•••


لست صاحب هذا المقال عن المشير حسين طنطاوى، صاحبه هو صديقى حسين عثمان الذى عرفته عام ١٩٩١، شاباً يتقد حماساً غريباً للمعرفة يريد أن يسبق عمره فى مختلف المعارف وقد نجح.


الأسبوع الماضى، أهدانى كتابه الأول بعد هذه الرحلة الطويلة مع العلم والمعرفة التى امتدت حتى الآن، “صوت وصدى” اختاره حسين عثمان الأربعينى الآن عنواناً جذاباً لهذا الكتاب الشيق الذى ينبئ عن كاتب واعد تنتظره الأيام حتى تتوجه أديباً ومثقفاً سيكون له قامة لأن ما قرأته فى هذا الكتاب أشياء لها معنى وألف مغزى.


“صوت وصدى“ حسين عثمان عبارة عن ٢٠٠ صفحة من القطع الصغير، مقالات نشرها فى أكثر من جريدة.


تنتقل عينى من عنوان ذكى إلى عنوان أكثر ذكاء.


سطور فيها الصدق والصفاء وقدر كبير من الموهبة والذكاء الاجتماعى، قلما يتوافر لشاب أصقلته الأيام وكان زاده وزواده فى طفولته وصباه، كما قال لى قصص وكتب وروايات كان يجدها طفلا فى بيته بحى السيدة..


ألف رحمة ونور عليك يا حاج عثمان.. أنجبت لنا هذا الشاب الواعد.. انتظروا حسين عثمان!.