الشر المستطير..

09/11/2016 - 10:28:17

  سناء السعيد سناء السعيد

بقلم: سناء السعيد

بالتزامن مع التطورات المتلاحقة فى المنطقة والجدل المثار حول العمليات العسكرية التركية فى كل من شمالى سوريا والعراق يستدعى أردوغان اليوم حقبة الحكم العثمانى لحلب فى سوريا، والموصل وكركوك فى العراق، ولهذا قامت وكالة الأناضول الرسمية بإعداد تقرير حول الأرشيف الرسمى فى تركيا نشرته معظم وسائل الإعلام التركية يتضمن قرابة مائة ألف وثيقة تتعلق بالمدن الثلاث وتسلط الضوء على الإدارة العثمانية لتلك المدن، وهو ما تقوم تركيا بتطبيقه اليوم على أرض الواقع..


ولهذا رأيناها قد شرعت فى توسيع عملياتها شمال سوريا ضمن عملية “درع الفرات» التى بدأتها تركيا فى ٢٤ أغسطس الماضى والتى تمكن الجيش التركى من خلالها من بسط السيطرة على ١٣٠٠ كيلومتر من الأراضى معظمها فى ريف حلب، وفى أعقاب ذلك سارع المسئولون الأتراك إلى القول بأن جيشهم سيواصل عملياته فى مدن “الباب”، “منبيج”، «الرقة” خلال الفترة المقبلة، وهناك التحرك العسكرى التركى فى شمال العراق والذى من أجله ظل سعى أنقرة بكل قوتها السياسية والعسكرية للمشاركة فى عملية تحرير الموصل من داعش بالإضافة إلى رفضها إخلاء معسكر «بعشيقة» من الجيش التركى.


عزز تحركات تركيا فى كل من سوريا والعراق تصريحات أردوغان الذى أفصح عن نواياه مؤخرا، عندما تحدث بشكل مباشر على أن مدينتى الموصل وكركوك كانتا تابعتين لتركيا، ثم قال: (يجب فهم أن كركوك والموصل كانتا لنا)، وأمعن فى اجترائه على سوريا والعراق عندما طالب فى بداية أكتوبر الماضى بتعديل اتفاقية ٢٤ يوليو الموقعة فى مدينة لوزان السويسرية عام ١٩٢٣، والتى على إثرها تمت تسوية حدود تركيا القائمة حاليا. وما لبث أن تمادى فى غيه عندما أطلق سلسلة تهديدات ركزت على أن الجيش التركى سوف يتدخل فى شمال العراق فيما إذا حصل تهديد مباشر للأمن والمصالح التركية انطلاقا من الأراضى العراقية. دعمته فى موقفه الصحافة التركية بنشرها الاتفاقية التاريخية التى كانت موقعة بين تركيا والانتداب البريطانى فى العراق عقب الحرب العالمية الأولى والتى يتاح بموجبها للجيش التركى التدخل لحماية التركمان فى الموصل وهو ما يمنحها شرعية أى تدخل عسكرى محتمل.


الجدير بالذكر أن تركيا كانت قد تخلت عن الموصل عقب الحرب العالمية الأولى عندما نشبت أزمة دبلوماسية بين المملكة العراقية وتركيا حول مصير ولاية الموصل التى كانت حتى ذلك الوقت جزءا من الدولة العثمانية، ولهذا قال مصطفى كمال أتاتورك فى اجتماع مجلس الأمن عام ١٩٢٠: (حدود أمتنا من الأسكندرونة جنوبا وفى الجنوب الشرقى تضم الموصل والسليمانية وكركوك)، إلا أن بريطانيا التى احتلت العراق طرحت القضية فى الساحة الدولية وجعلتها مشكلة حدود بين تركيا والعراق. وبعد مناوشات سياسية تم التوقيع على معاهدة أنقرة فى عام ١٩٢٦ والتى نصت على أن تكون الموصل تابعة للعراق، كما نصت على أن يعطى العراق ١٠ ٪ من عائدات نفط الموصل لتركيا لمدة ٢٥ عاما لتستمر مشاركة تركيا للعراق فى نفطه حتى عام ١٩٥٤ . واليوم يحاول أردوغان الشر المستطير استدعاء الماضى لغرض فى نفس يعقوب ويدعى بأن الاتفاقية المذكورة ضمنت حق أنقرة فى التدخل العسكرى فى الموصل ومناطق فى شمال العراق من أجل حماية التركمان بموجب الاتفاقية الموقعة عام ١٩٢٦ .


تركيا اليوم ترى أنها صاحبة حق فى أراضٍ تمتد إلى تسعين ألف كيلومتر مربع ليشمل ذلك كركوك التى تعتبر تابعة للتركمان، ومن ثم ترى تركيا أن من حقها التدخل فيما إذا تعرض أمن أشقائها هناك للخطر، وتستعين بما قاله أتاتورك عندما تحدث مع نواب البرلمان المعترضين على اتفاقية أنقرة التى بموجبها تم التخلى عن الموصل ووعدهم بالعمل على استعادتها فى الوقت المناسب. ولهذا ربما خرج أردوغان اليوم فى محاولة لتطبيق ما وعد به أتاتورك مستغلا التطورات الحادثة فى المنطقة لوضع يده على أجزاء من العراق وسوريا، وهو ما أفصحت عنه صحيفة» ديليليش» التركية عندما نشرت مؤخرا خريطة لتركيا تضم أجزاء من العراق وسوريا تحت عنوان يقول:( هل هذه الأراضى مقتطعة من تركيا)؟ مذكرة بالميثاق العثمانى عام ١٩٢٠ الذى يؤكد بأن هذه الأراضى تعود لتركيا، كما أنها نشرت خريطة تركيا الحالية لتضيف إليها مناطق من شمال سوريا وخاصة محافظة حلب إلى جانب مناطق شمال العراق المتمثلة فى إقليم كردستان وجبال قنديل التى يتمركز فيها مسلحو حزب العمال الكردستانى.


إنها تركيا اليوم التى تؤمن بضرورة ضم مناطق من شمال سوريا والعراق فى عملية سطو دنيئة فى محاولة منها لاستعادة أمجاد الدولة العثمانية. ولتبرير تحركاتها غير الشرعية تتذرع بخطر المنظمات الإرهابية والتى تدعى كذبا وافتراء بأنها لابد من أن تتواجد فى هذه المناطق من أجل مجابهة هذه المنظمات، وهو ادعاء كاذب لأن تركيا هى التى قامت سرا وعلنا بالوقوف وراء هذه المنظمات كداعش وجبهة النصرة وغيرها ووفرت لعناصرهم الغطاء ودعمتهم لوجستيا وتدريبا وتسليحا وفتحت لهم حدودها على مصراعيها لتنطلق عبرها إلى كل من سوريا والعراق. وبالتالى تكون مخادعة ومضللة عندما تدعى محاربتها للتنظيمات الإرهابية.


عار على تركيا أردوغان الاعتماد على مخطوط تاريخى عفا عليه الزمن. منطق شائه وغير مبرر ومرفوض لدولة تبحث عن إعادة مناطق حصلت عليها إبان الهيمنة الاستعمارية للسلطنة العثمانية. وهى بذلك تتساوى بإسرائيل ومنطقها الذى يرتكز على النص التوراتى بامتلاك أرض كنعان. وعليه لا يحق لتركيا اليوم أن تتحدث عن إعادة التسلط والهيمنة على أراضٍ ليست لها حتى لو جرى هذا ضمن وهم بزوغ إمبراطورية عثمانية معاصرة. على تركيا أن ترفع يدها عن الأرض العربية لأن تحركاتها صوب الدول العربية لن ينتج عنه إلا عواقب وخيمة وأزمات. ليت هذا المأفون أردوغان يتراجع عن طموحاته لأنها لا ترتكز على الشرعية ولأنه إذا استمر مسكونا بها ستؤدى به إلى التهلكة وستقود حتما إلى إشعال حرب إقليمية ضروس لا تبقى ولا تذر......