قابل للبيع

09/11/2016 - 10:13:41

أحمد سعدة

فى «نص الليل».. تتهيأ القلوب للشكوى والبوح بما فيها، وترسل أوجاعها إلى السماء، بعد أن يئست من رحمة أهل الأرض.. «المصور» تحاول أن تشارك قراءها هذه الآلام وتلك الاعترافات وتقدم لها الحلول


أكتب إليك بعدما أغلق اليأس أمامى كل نوافذ الأمل، وصارت الحياة فى وجهى أضيق من ثقب إبرة، وأظلم من ليل الصحراء.. وأصبحت أخجل من كل شيء. أخجل من النظر إلى المرآة، أو النظر فى عيون الناس.. أخجل حتى من الوقوف بين يدى الله.


اسمى يوسف.. أعيش مع أمى وحيدين بعد أن تزوجت أختى منذ عامين، وسافرت مع زوجها.. نشأت يتيمًا، وتخرجت من كلية التجارة بعد كفاح طويل عاشته أمى.


اجتهدت كثيرًا للبحث عن عمل، واضطررت للعمل «ديليفري» بأحد المطاعم المشهورة كى أتكفل بمصاريف أمى وأُعوضها بعضا من معاناتها.


بعد أيام من التحاقى بالعمل ذهبت لتوصيل «أوردر» لإحدى شقق المهندسين، وفتحت لى الخادمة ثم أتت سيدة فى منتصف العقد الخامس، نظرت لوسامتى بإعجاب شديد وأعطتنى بقشيشًا يقترب من راتبى الشهري. نظرت لها بخجل وامتنان شديدين، وقبل أن أنصرف طلبت رقم هاتفى الشخصى.


تواصلنا على الهاتف، وطلبت منى أن أمُر عليها بعد أن أنتهى من عملى.. كان الوقت متأخرًا وكنت خجلا وفتحت هى الباب وكانت كل الأنوار مغلقة إلا من ضوء خافت فى حجرة بعد الممر الطويل أمامنا.. ورغم أنها كانت بملابس شفافة ورائحة مثيرة إلا أننى كنت متوازنًا حتى جذبتنى من يدى لحجرتها، ولم أستعصم.. وهذه المرة منحتنى بقشيشًا مضاعفًا نظير استخدامها جسدى.. ما أحقرنى !!


ظللت أتردد عليها أسابيع بعد انتهاء العمل.. كنت أعرف جيدًا أننى لم أحبها ولا أحب حتى الجنس معها.. كنت فقط أحب شغفها بى، وبالطبع أحب البقشيش الذى تمنحنى إياه.


وفى إحدى الليالى وأنا اقوم بتوصيل أحد الأوردرات بإحدى شقق الزمالك تكرر المشهد، وطلبت منى صاحبة البيت رقم هاتفي، وتقابلنا فى منزلها فى نفس الليلة بعد انتهائى من العمل.. وقضيت معها الليلة حتى الصباح، ومنحتنى نفس المقابل وهى تقول إنها عرفتنى من خلال صديقتها التى تسكن فى المهندسين، وأنها تعرف كل ما بيننا، وأن صديقتها ماهرة فى اصطياد الشباب.


فى البداية صدمت جدًا، وخجلت وزاد احتقارى لنفسي، لكنى أصبحت منذ تلك الليلة محترفًا لهذه المهنة اللاأخلاقية فى تلبية نداء الغريزة الذى يأتينى من سيدات المجتمع الراقى اللاتى ذاع صيتى بينهن، وأصبحت أعاشرهن بلا ضمير لأطفئ نيران أجسادهن المشتعلة، وأطلب المال وأحدد سعرى ببجاحة، ولا أنتظر إحساناتهن.. أصبحت أتمنع وأغيب، وأراهن على خضوعهن لي. وأدمنت مع هذه المهنة شرب السجائر والحشيش والكحوليات.. وانغمست بسيقان عارية فى مخاط هذه الحياة الخنزيرية، وأصبحت داعرًا بلا قلب.. بلا روح.. أصبحت فقط قابلا للبيع.


وحينما مرضت أمى جاءت خالتى لزيارتنا ومعها ابنتها التى كنت أعرف أنها تحبنى منذ صغرها، ولم أكن يوما أهتم بحبها، ولم أسعد به.. لكن فى ذلك اليوم بدت لى بدرًا أضاء ظلمتى الحالكة فى صحراء التيه التى كنت أتخبط بين ضياعها باحثا عن قارعة الطريق.


لا تتخيل ماذا فعل وجودها بحياتي، وماذا فعل وجهها البرىء بقلبى المُدنس بعدما صرت لا أطيق وجهي، وأنظر للمرآة وأتعجب متسائلا: متى صرت متسخًا لهذا الحد ؟!


قضت خالتى وابنتها فى بيتنا شهرًا لرعاية أمى.. وتأكدت من أننى صرت أحب ابنة خالتى التى سكنت قلبى وروحى.. وفى الليلة الأخيرة لها ببيتنا بعد أن تعافت أمى انتظرتنى حتى عدت من عملى وقدمت لى العشاء، وجلست تتأملنى وأنا أتناول عشائى وتبتسم كأم حنون.. كانت جميلة وشهية وجذابة وتمتلئ حبًا لى.. لكنى والله لم ألمسها رغم نداءات عينيها.


مشت وغربت شمسي، وأحسست بافتقادها.. لقد استطاعت فى شهر واحد أن تترك بصمتها ولمستها على كل مكان فى البيت، وتركت حضورها ينخر فى روحى ويشعرنى كم أنا وحيد وبائس من دونها.. كانت تتصل بى كل يوم تسأل عن أمى التى بدأت تلح على فى الارتباط بها وخطبتها.. لكن من أنا لأستحق ذلك الملاك الطاهر النقى البرىء.


لم تكن أمى تعرف أننى أصبحت ذئبًا يسعى لاصطياد فرائسه، أو ربما كنت أنا الفريسة. لا أدرى.. كل ما أعرفه أننى صرت حيوانًا وهى ملاكى الجميل.. وبعد صراع طويل صارحتها بحبى ورغبتى فى الارتباط بها وشرحت لها ظروفي، لكنها لم تطلب شيئا سوى دبلة خطوبة.


طلبت منها مهلة لأرتب بعض الأشياء المتعلقة بعملى.. كنت أبحث معها عن حياة نظيفة، وغيرت رقم هاتفى وبدأت فى البحث عن عمل جديد وظننت أنى شفيت من مرضى.. لكنى لم أشفَ سيدي!


فالحياة مقرفة، وأبواب العمل موصدة، وأنا لم أعد أحتمل الفقر والكبت والحرمان.. عدت إليهن، وطلبت المزيد من المال، وبالغن فى الكرم لإرضائى بالأموال والهدايا التى كان آخرها سيارة حديثة بسلسلة مفاتيح ذهبية.. وحبيبتى مازالت تنتظر انتهاء مهلتي.


فهل أصبحت حالتى مستعصية ؟


الـــــــــــــــــــــــــــــــرد


حالتك بالفعل أصبحت مستعصية جدا، ومحتاج أنك تتغطى كويس قبل ما تنام.


صحيح أنك عاطل وفاشل، لكنك مؤلف بارع رغم فشرك وكدبك وخيالك المراهق الواسع.. وأسلوبك الممتاز يصلح لأفلام كوميدية من نوعية أعمال عادل إمام، وربما يصلح لأفلام بورنو من بطولة عامل الديليفري. وعلى ما يبدو أنك كتبت هذه الرسالة تحت ضغط خيالات العادة السرية التى تغذى أحلامك ونشواتك، وتصور لك أنك «يوسف» هذا الزمان الذى تحلم به نسوة المجتمع الراقى اللاتى يقطعن أنفسهن عليه، ويراودنه عن نفسه بعد أن يغلقن الأبواب.


ونحن نسمع كثيرًا عن عاهرات يحترفن مهنة الدعارة وبيع أجسادهن، كما نسمع عن رجال قوادين يديرون هذه المهنة، لكن لم نسمع أبدًا عن رجل يحترف بيع جسده بالمال.. وسيدات المجتمع الراقى لسن فى حاجة لخدمات عامل ديليفري، وحولهن مئات الأصدقاء أكثر منك وسامة وعضلات، ولن يكلفهن مليما واحدا.


إن العمل المنتج وحده يا صديقى هو الذى يعطى للإنسان قيمته، وليس العمل الجنسى الذى يتساوى فيه الإنسان مع باقى الحيوانات.. وبطولات الإنسان الحقيقية تلك التى يحققها فى حقول العلم والعمل وميادين القتال، وليس التى يحلم بتحقيقها فى الفراش. وإن كان هنالك بالفعل فتاة تحبها وتحبك، فلتترك خيالاتك وكسلك، وتنهض من سريرك، وتُشمر عن ساعديك وتبحث عن عمل شريف تستخدم فيه عقلك ويديك لتكسب بهما على أرض الواقع، بدلا من أن تستخدم شيئًا آخر يُغرقك فى مزيد من الكسل والأوهام.