سيدتى الجميلة

07/11/2016 - 10:30:21

أشرف غريب أشرف غريب

بقلم : أشرف غريب

أعاد تكريم القديرة شويكار فى الدورة الأخيرة للمهرجان القومى للسينما المصرية التى انتهت قبل أيام إلى ذاكرتى تجربتى الصعبة فى إعداد كتابى عنها بمناسبة تكريمها فى مهرجان القاهرة السينمائى الدولى قبل سنوات والذى حمل عنوان " شويكار .. سيدتى الجميلة " وهو بالمناسبة العنوان نفسه الذى حمله كتاب تكريمها فى المهرجان القومى الأخير !! هذه الذكريات نكأت جرحا قديما يتعلق بالكتابة عن سير الفنانين الكبار .. فحينما كنت أبحث عن المعلومات الشخصية لشويكار حاولت فى بادىء الأمر الاتصال بها أكثر من مرة لكن ظروفها الأسرية الخاصة جعلتها حينها غير متحمسة لأى تعاون فى هذا الصدد ، فقررت الاستسلام للمواد الصحفية المنشورة عنها على مدى مشوارها الفنى الذى تجاوز الخمسين عاما .. غير أننى من واقع خبرة السنين وإحساسى الخاص لم أكن مرتاحا لكل ما توفر لدى من معلومات شخصية تتعلق بشويكار ، ولكن ما العمل ؟ هل أذكر هذه المعلومات وأنا اعلم أن احتمالات الخطأ فيها أكبر من احتمالات الصواب رغم أن من كتب هذه المعلومات أسماء لامعة فى عالم الصحافة الفنية ، أم استبعدها تماما رغم أن فى ذلك إنقاصا من قيمة هذه الدراسة وإخلالا بما يجب أن تكون عليه ؟ أقول لكم : لم يطاوعنى ضميرى المهنى فى الأمرين ، ولم يقبل حبى لشويكار أن أترك الوضع على هذا النحو .. وليلة الدفع بأوراق الدراسة إلى المطبعة قررت المحاولة للمرة الأخيرة ، فعاودت الاتصال بها وشرحت لها المأزق الذى أوقعتنى فيه ظروفها الأسرية واعتذاراتها المتكررة ، وفى نحو ثلاث دقائق ليس أكثر جاهدت شويكار نفسها لتفجعنى من هول الأخطاء الموجودة فى أرشيفها الصحفى .
فكلما ذكرت لها معلومة منشورة فاجأتنى بأخرى .. قلت لها : هل أنت مولودة فى الرابع والعشرين من نوفمبر ؟ قالت لا ، أنا من مواليد عيد الحب المصرى يوم 4 نوفمبر ، برج العقرب ، ولو كنت مولودة يوم 24 لأصبحت برج القوس .
وأقول لها : وهل أنت من مواليد الإسكندرية وتعلمت فى مدارسها ؟ فترد : لا ، أنا من مواليد ميدان فينى بالدقى وتعلمت فى مدارس الجيزة ، ثم مصر الجديدة .
وأسالها : هل حصلت على لقب ملكة جمال الإسكندرية ؟ فتنفى ، واكرر إذن ليست لك أية علاقة بالإسكندرية ، فتنتزع ابتسامة رقيقة وتقول : كنت باروحها فى الصيف .
وأعاود سؤالها : هل ، وهل ، وهل ؟ وتعاود الرد : لا ، ولا ، ولا ، ثم تصوب ما نشر عنها طيلة حياتها .
تخيلوا : إلى هذا الحد الاستهانة بقاماتنا الفنية ونجومنا الكبار ، حالة من الاستسهال وعدم الاعتناء واللامبالاة فى الكتابة عن هذه الأسماء الكبيرة ، وكأن الصحافة الفنية هى مهنة " تسويد الصفحات " ومنتسبيها بلا رقيب أو رادع ، وكنت أظن أن هذه الآفة مقترنة بفترة الثمانينيات من القرن الماضى وما بعدها فى ظل انتشار الصحافة العربية وتعدد إصداراتها ، ثم هوس مواقع الإنترنت ، لكننى اكتشفت أنها عادة أصيلة منذ الستينيات .. والمدهش أن أحدا يكتب معلومة غير دقيقة او من خياله الخصب ، فيسير وراءه الباقون نقلا وإضافة وتحريفا دون عناء التحقق او التدقيق ، والأكثر دهشة أن معظم نجومنا الأحياء يتعاملون مع الأمر وكأنه لا يعنيهم . هم لا يقرأون عادة ما يكتب عنهم ، وإذا قرأوا يكتفون بالعناوين ، وإذا استمروا فى القراءة للنهاية لا يصححون ، وإذا صححوا مرة لا يفعلونها ثانية ، فتكون النتيجة معلومات مغلوطة وتاريخا منحولا يتناقله الناس جيلا بعد جيل . ومع تكرار الخطأ وتراكمه يكتسب هذا الخطأ قوة الحقيقة ، ويتعامل القارئ مع المعلومات الصحيحة - إذا وجدت - على أنها هى الخطأ .. وتلك هى الكارثة .
ولا أدرى : هل ندين أنفسنا نحن أرباب المهنة أم ندين بعض نجومنا الذين يتعاملون بعدم اكتراث مع هذه الكارثة الكبيرة ؟ لكن الذى أدريه واعلمه جيدا أن تاريخنا الفنى المكتوب فى خطر حقيقى ، وقد يأتى يوم قريب نجد أنفسنا فيه بلا تاريخ ، أو بتاريخ مشوه على أقل تقدير .. فهل نستفيق ؟