فى ذكراه .. العذاب فوق « ألحان » تبتسم

07/11/2016 - 10:27:13

عاطف بشاى عاطف بشاى

بقلم : عاطف بشاى

إن "محمد فوزي" من النجوم الذين ملأوا آذاننا بالأنغام والأماني والأحلام لأكثر من عشرين عاماً .. وقدم من الألحان والأغاني والأوبريتات ما يملأ مكتبة موسيقية كاملة لو سجلت على أسطوانات، عرفته منذ عشرين عاماً ورأيته وهو يتسلق هرم الشهرة والمجد والفلوس .. ورأيته وهو يتعثر ثم وهو يقاوم بقوة وإرادة ثم يصعد ويقترب من القمة .. ثم يهوى إلى السفح ثم ينهض مرة أخرى وينفض عن نفسه الغبار والتراب ويعود أقوى من الحديد الصلب". تلك العبارات قالها الناقد الفني الساخر "جليل البنداري" وأشار إليها الكاتب الصحفي "أيمن الحكيم" في كتابه الأخير "المشهد الأخير" والذي كتبت عنه في العدد السابق من مجلتنا الغراء.. وهو كتاب مثير وممتع يعبر عن المشهد الأخير في حياة بعض العباقرة والتي تجمع بين الموهبة الطاغية والمأساة الفاجعة.. وينجح في أن يجذب القارئ إلى تأمل حكمة الأقدار ومعايشة ألم المعاناة عند المبدعين الذين حفلت حياتهم بأعمال فنية بديعة.. وانتهت حياتهم نهاية مؤلمة تتعدد أشكالها انتحار .. جنون .. اغتيال اكتئاب مدمر .. مرض عضال..
وهل هناك أقسى من المشهد الأخير في حياة المبدع الكبير "محمد فوزي" الذي عبر عنه صديقه كمال الملاح حينما كتب يوم وفاته :انتهى عذاب الموسيقار الذي تعيش أغانيه مع ألحانه في قلوبنا منذ ربع قرن .. انتهت حياة الفنان "محمد فوزي" بعد (28) شهراً فوق سرير العذاب مع أعظم آلام يعيشها إنسان في النصف الثاني من القرن العشرين يصف "أيمن الحكيم" هذه الآلام المبرحة التي كانت تنتشر في جسمه وتنتقل بين أعضائه دون إنذار .. من عموده الفقري إلى عينيه .. ومن رأسه إلى قدميه .. إنها شهور العذاب التي عاشها بين مستشفيات «القاهرة» و«لندن» و«نيويورك»..كان أطباؤه خلالها يراقبون حالته في ذهول ويتابعون مريضهم الذي يتضاءل جسده وينخفض وزنه بصورة مدهشة حتى وصل إلى (40) كيلوجراماً فقط يوم رحيله وهو ابن 48 عاماً لا غير..
قبل أن تتصاعد ذروة المأساة بالمرض العضال كانت الصدمة الهائلة عندما صدر قرار بتأميم الشركة التي أعطاها كل نبض قلبه وبناها طوبة طوبة وتفرغ لإدارتها ووضع فيها شقا عمره .. تمثلت الصدمة في غرابة القرار "ففوزي" لم يكن إقطاعياً .. ولم يرثها عن جدوده .. ولم يكن من أعداء الثورة بل من أشد المتحمسين لها .. ولم يثبت ممارسة أعمال الشركة لأي توجهات غير وطنية .. ولم يعكر نشاطها صفو الأمن أو كفر صاحبها بالاشتراكية الجديدة . ومع ذلك حاول أن يتماسك وهو يتقبل القرار الصدمة، فقد جاءه ذات صباح ضابط يقول له في جلافة أن شركته وضعت تحت التأميم، فلم تفارقه ابتسامته رغم السكاكين التي أسالت دماء قلبه، وكان رده وهو ينزف: أهلاً وسهلاً .. مادام القرار في مصلحة البلد.
تقول الرواية، إنه بعد يومين من القرار ذهب فوزي إلى مقر شركته، بالعتبة بناءً على طلب من مديرها الجديد، ودخل إلى المكتب الذي كان قبل أيام مكتبه، ومد يده بالتحية للمدير الجديد فعامله باستهانة، ولم يسمح له بالجلوس ، وأخبره في برود أنه أصدر قراراً بتعيينه مستشاراً فنياً للشركة، ثم ضغط على الجرس ودخل سكرتيره، وأمره المدير الجديد بأن يقود المستشار الفني الذي كان صاحب كل هذا المكان قبل أيام معدودات إلى مكتبه الذي تم تخصيصه له.
وكانت الصدمة قاسية، فالمكتب الذي اختاره له المدير الجديد ما هو إلا حجرة البوفيه ، ولم يكن الاختيار اعتباطاً ، بل قصد به إهانة الفنان الكبير، الذي لم يملك ما يرد به الأذى عن كرامته سوى أن يعتذر عن قبول المنصب، أو قل تلك الإهانة، وأن يعود إلى بيته يتجرع المرار، كانت الصدمة أقوى وأقسى من أن يحتملها فنان مرهف عاش عمره يغني للحب، ولا يحمل ذرة كراهية للناس .. فلماذا يعاملونه بكل هذا الحقد والغل؟!
تناول لقيمات على مائدة الغداء وهو شارد الذهن ، ثم دخل لينام؟ فلما استيقظ أحس أن نيراناً مشتعلة في ساقية ، وبدأت رحلة الآلام.
ومن سخرية القدر أن الإدارة الجديدة للشركة، والتي كانت سبباً مباشراً في مأساة محمد فوزي، رثته بكلمات حارة، تصدرت صفحة الوفيات بجريدة الأهرام في اليوم التالي للرحيل، يقول نصها : شركة اسطوانات صوت القاهرة، رئيس أعضاء مجلس الإدارة ومديرو الإدارات والمصانع وسائر العاملين بالقاهرة والإسكندرية ينعون بمزيد الحزن وعميق الأسى رائداً من رواد الفن والموسيقى فقيد الفن الموسيقار محمد فوزي مؤسس شركة مصنع الشرق للأسطوانات بعد حياة حافلة بأمجاد فنية أضاف بها إلى المكتبة الموسيقية ثروة ضخمة من روائع فنه وألحانه، رحم الله الفقيد رحمة واسعة وألهم آله وذويه الصبر والسلوان .
لقد قتلوه وساروا في جنازته..