تجربتى على خط النار .. من يوليو 1969 إلى ما بعد انتصارات أكتوبر1973

07/11/2016 - 10:20:42

بقلم : محمود عبد السميع - مدير التصوير السينمائى

تخرجت عام 1966 فى قسم التصوير بكلية الفنون التطبيقية عينت بعدها بمكان يتبع وزارة البحث العلمي، متحف العلوم (جراج البستان بباب اللوق حاليا) وكانت هذا صدمة لي حيث كنت مرشحاً لهيئة السينما قبل تعييني.
تخرجت عام 1966، وكنت قد بدأت العمل في بالمركز القومي للأفلام التسجيلية عن طريق كتابة السيناريو وليس التصوير (لكن هذا ليس موضوعنا الآن)، وكان هذه خلال فترة رئاسة سعد الدين وهبة لشركة فلمنتاج (التابعة لهيئة السينما). وبدأت التصوير من خلال عدة أفلام مع المخرج صبحي شفيق، الذي أدين له بالفضل في وجودي بعالم السينما، ولكن الفضل الأكبر لسعدالدين وهبة، الذي كان يعرفني من قبل من خلال المسرح القومي، حيث كنت أصور مسرحياته فوتوغرافيا. قمت تلك الفترة بتصوير فيلم الإيقاع، وفيلم صناع النغم، ثم صورت مع أشرف فهمي أول أفلامه (حياة جديدة 1968)، وذلك بجانب عملي بمتحف العلوم، الذي ظللت محتفظاً به.
على الجبهة مسلح بالكاميرا
تم إعفاء مواليد 1939 من التجنيد، وأنا من مواليد هذا العام، لكن تم إلغاء هذا القرار بعد ذلك. في يوليو 1969 آتاني مندوب التجنيد ليسلمني طلب الاستدعاء للتجنيد، وأتذكر عنوان الطلب في ذلك الوقت: الجندية شرف وواجب.
أصبحت في حيرة وصراع، لو ذهبت للتجنيد وجندت، هل سأخدم وطني بالتصوير، الذي أصبحت أعشقه وأهواه؟ أم سأكون جندياً في سلاح لا أعلمه؟ ماذا أفعل؟
التقيت في نفس الوقت مع (فؤاد التهامي)، الأخ الأصغر للمخرج التسجيلي (صلاح التهامي)، الذي أصبح عن طريق أخيه مخرجا بالأفلام التسجيلية (ما علينا، ليس هنا المجال لذلك)، بمركز الصور المرئية (الثقافة السينمائية حاليا) ليطلب مني السفر إلى جبهة القتال لتصوير ما يحدث هناك، فكان جوابي بكل سعادة وترحيب أسافر لقد جاءني الفرج (وتحقق ما أردت).
أخذني فؤاد بالحضن، وسعد كثيرا لموافقتي على السفر، وعلمت بعد ذلك أنه طلب من مصورين آخرين بالأفلام التسجيلية السفر فرفضوا خوفا، بينما أنا رحبت.
تمت الإجراءات لإخراج تصريح جهاز المخابرات بالموافقة على السفر للجبهة، وكان ذلك في يوليو 1969، وتسلمت شهادة الإعفاء من التجنيد، لم يصبه الدور في نفس الوقت، وكان قد أرشدني أحد المعارف بأنني ممكن أعفي من التجنيد عن طريق محام يحصل علي عشرين جنيها، عشرة جنيهات في البداية، وعندما تصلني شهادة الإعفاء أعطيه العشرة جنيهات الأخرى، وقد كان بعد حصولنا على تصريح المخابرات العسكرية بالسفر إلى الجبهة، بدأت التحضير لمعدات السفر: الكاميرا، والأفلام (سينما 35 مم أبيض وأسود). وقد حصلنا على الأفلام ولم نحصل على الكاميرا، فقد رفض المسئول بهيئة السينما أن يعطينا كاميرا أو عدسات، واشترط أن يكون السفر على مسئوليتنا، وقالوا لنا: إن من يوافق من السائقين على السفر، هو الذي سيسافر معكم. ووافق السائق (أتذكر اسمه) محمد يوسف، وهو من الملتحين، مرحبا بالسفر.
وبقيت الكاميرا، التي بدونها ليس هناك فيلم، ومن المتعارف عليه أن مساعد التصوير هو المسئول عن استلام وعن سلامة الكاميرا أو العدسات. ذهبت بنفسي إلي أحد أصحاب الكاميرات الذي يؤجرها للغير، وقد سبق أن تعاملت معه عدة مرات وهو مصور إخباري، (عثمان محمود، رحمه الله) في منزله وأخبرته بأنني أحتاج لكاميرا 35 مم، والعدسة الزووم الوحيدة في مصر في ذلك الوقت، ذات البعد البؤري الطويل (25 مم / 250 مم).
كررت على مسمعه مراراً أنني مسافر للجبهة، ولكنه لم يعلق، وتركني وعاد معه الكاميرا والعدسة، فقلت له مرة أخرى أنا مسافر للجبهة، فقال لي حينئذ "سمعتك عدة مرات تقول إنك مسافر للجبهة، وحضرت أنت بنفسك لاستلام المعدات، يا عزيزي هل أخاف على المعدات ولا أخاف عليك، ربنا يرجعك بالسلامة ورفض توقيعي باستلام المعدات".
سافرت في يوليو 1969 إلى الجبهة، وبالتحديد إلى مدينة السويس، واتجهنا إلى موقع بالقرب من القناة (موقع المثلث). التقينا بقائد الموقع في ملجأ تحت الأرض، ولا تمحي من ذاكرتي هذه الأسماء العظيمة من رجال القوات المسلحة من جيش مصر الخالد، كان قائد الموقع هو العقيد (بدر حميد). بعد مصافحته لنا قال "ياه عرفتوا إن فيه ناس بتموت وناس عايشة في الجبهة بتحارب"، فقلنا له إننا جئنا إليكم وقد وقعنا على أننا نتحمل كل المسئولية عن أرواحنا، دون التزام الجهة التي قدمنا منها بأي مسئولية تجاهنا في حالة الإصابة أو الموت، (وبدون حرج أو استحياء أذكر اسم المسئول، رئيس هيئة السينما في ذلك الوقت، الذي أرغمنا على هذا، هو المرحوم محمد الدسوقي ابن أخت أم كلثوم)، فقام القائد العقيد (بدر حميد) بتحيتنا وتقبل وضعنا بالترحاب.
وأثناء تعارفنا على ما يحدث بهذه المنطقة (المثلث) سمعنا دويا مروعا عاليا؛ (لقد كانت قنبلة زنة ألف رطل) تسقط بالقرب من المكان الذي نحن به، ليتحرك باطن الأرض، ويقفز العقيد بدر حميد من فوق المكتب قفزة مدربة، ويقودنا في أماكن متفرقة تحت الأرض حتى وصلنا إلى مكان به جنود وقائد يتحدث في عدة تليفونات، وأنا لا أعلم ولا أفهم ماذا يحدث.
يجلس بجواري جندي يحاول قراءة الفاتحة (بصوت متقطع)، وعلمت قصته بأنه مراسل يذهب من موقع لموقع في الجبهة، ليسلم خطاب أو معلومة لجهة أخري. وبينما كان ذاهبا في إحدى المأموريات، وقفت فوقه طائرة مروحية للعدو لينهمر الرصاص عليه من كل جانب (أتذكر رصاصات فيكرز)، الرصاصات تمر بين أصابعه بجوار أذنه بين ذراعه، وإبطه، بين رجليه، ولكن لم تصبه رصاصة واحدة فأصبح على هذه الحال من الصدمة كلما سمع صوت إطلاق النار. وأعود للقائد الذي يتحدث في وقت واحد بعدة تليفونات، طبعا تليفونات سنة 1969، يبلغ معلومات وكان برتبة مقدم، لا أنسى هذا الاسم مقدم عصام دراز، يتميز بالثبات والمقدرة الفائقة علي طلب الأرقام والحديث في عدة تليفونات لعدة جهات. قمنا بتركيب الكاميرا وخرجنا على شط القنال استعدادا لتصوير ما يحدث، وصورنا انفجار قنبلة 1000 رطل تسقط في الماء دون إصابة هدف.
وبعد ذلك رتبنا مواعيد وأماكن نذهب إليها للتصوير. ذهبنا إلى مدخل مدينة السويس نصور البيوت المهدمة والمهجورة: امرأة عجوز تشاهد منزلها المهدم، رجل عجوز آخر يبحث عن بقايا في منزله المنهار، حصان يمشي على ثلاثة أرجل في شارع لا يوجد به أحد، وبينما نحن نصور تلك البيوت المهدمة والخراب نسمع صوتا مدويا في السماء القريب يأمرنا المرافق بالانبطاح على الأرض أو الهروب لمكان آمن. في الحقيقة كنت خلف الكاميرا وهي تدور لا أشعر بالخوف بتاتا ولكن أشعر به وأنا بمفردي.
نذهب اليوم التالي لتصوير هذا الخراب والدمار الذي حل بمدن القناة، وجدت علي أرض أحد الشوارع نسخة حديثة من مجلة آخر ساعة، تتطاير صفحاتها، لمحت صورة لراقصة، أخذت المجلة لأقرأها، فأجد العنوان التالي شارع الهرم في خطر، والموضوع عن الراقصات، وأعتقد أن هذا ضمن خطة التمويه والاسترخاء للتحضير لما هو أعظم و أكبر فيما بعد، أخذت المجلة ووضعتها بين ركام الهدد و صورتها، و لكن الرقابة فيما بعد رفضت هذا المشهد.
هذه هي الجولة الأولي للذهاب إلي الجبهة، في اليوم الثاني المساعد الذي كان من المفترض يعمل معي تركني خوفا مما يحدث، و هذا طبيعي لأن مهمته لا تشغل باله مثلي، فهو في حالة ذعر لما يحدث طول الوقت. صورنا مادة لأماكن ومواقع وقادة وجنودا عدنا إلي القاهرة ليكون جزء مما صورنا هو فيلم (لن نموت مرتين) مونتاج المبدع الراحل أحمد متولي، وتتبقى مادة أخري. نعود عدة مرات للجبهة لنصور ما نجده أمامنا، ليستغل بعد ذلك لعمل أفلام أخرى عن طريق المونتاج.
ويذكرني صديق عمري سعيد شيمي بسفرية معي السفرية الثانية والثالثة. حددنا مع القادة ومعنا مندوب من الجيش، وبالترتيب مع الجهات المعنية لتصوير مواقع وأماكن، تمكننا من تصوير العدو في البر الغربي علي شط القناة. ذهبنا لتصوير أحد المواقع المواجهة للعدو وهو موقع عبارة عما يسمونة (مزغل)؛ موقع مستتر بشكائر الرمل وخيش ويوجد به فتحة صغيرة مخصصة لفوهة المدفع.
ونضع الكاميرا ونصور من هذه الفتحة ونشاهد ما يقابلها من الضفة الأخرى الساتر الترابي (خط بارليف) وعلينا أن ننتظر شيئاً لا نعلمه لنصوره. طال الانتظار، وأردت أن أعطي معلومة المكان ومشاهدة مياه القنال بوضوح، حيث كان من غير الممكن مشاهدتها بوضوح عبر هذه الفتحة، وفجأة ودون أن أخطر أحدا رفعت الكاميرا بالحامل والعدسة الثقيلة، ووقفت ظاهرا للعدو وقمت بسرعة لتصوير القناة من اليمين لليسار حيث الضفة الأخرى. في هذه الحالة حدث تحضير السلاح عبر شد أجزاء الأسلحة الخفيفة والمدافع الصغيرة من جنود وقائد الموقع، تحسبا لضربنا من جهة العدو وأبعدونا عن الموقع بسرعة بسبب ما فعلت.
رتبنا لزيارة موقع آخر يمكنا رؤية جنود العدو مباشرة وتصويرهم. وبدأنا رحلة الذهاب إلى هذا الموقع الذي يعلو مبني في ضفة القناة الغربية ومواجها للجنود الإسرائيليين. خرجنا للذهاب إلى الموقع لتقابلنا نقطة تفتيش تتطلع على التصاريح وعلى من نحن، ومنها إلى نقطة تفتيش أخري. ثم نقطة بالقرب من مبني به قادة الجيش، قائد الموقع قال انتظروا لنأمن لكم الموقع. انتظرنا وبدأ القلق يداهمني، ذهبت للقائد وقلت له نحن مرتبطون بضوء الشمس ولابد أن نصل قبل الغروب، يرد على حاضر، أتوتر أكثر؛ فنحن نريد التحرك الآن لقد تأخرنا، يتركني القائد ويذهب لفرقة أخري. صرخت لقد تأخرنا .. لقد تأخرنا بصوت عال وغضب، بعد وقت يأتي ليقول لنا إن الموقع غير آمن ولا نخاطر بكم فنحن حريصون على أرواحكم واحتضني قائلا: لقد دمرنا موقعا للعدو وبالتالي هو يقصف هذا الموقع الذي أنتم إليه ذاهبون.
عفوا على الاطالة، تلك الحكايات حدثت في عدة مرات ذهابا إلي الجبهة، وفي إحدى الرحلات ذهبنا إلي موقع علي شط القناة، من أجل الدخول بكاميرتي فجرا داخل موقع للعدو مع فرقة من الصاعقة و الضفادع البشرية، أعددنا العدة ووافقت علي الدخول معهم، ووافقوا وأعددت الكاميرا والأفلام، وصورنا استعدادهم لهذه العملية، وجاء وقت الصفر للرحيل، فأمر القائد بإلغاء التصوير خوفا علي حياتي ولعدم إرباكى في أداء عملهم.
نعود إلى القاهرة ويقرأ فؤاد التهامي في إحدى الصحف عن جندي أطلق عليه أمهر القناصين، هو الفنان التشكيلي أحمد نوار، الذي قتل العديد من جنود العدو.
خدمته مهنته كفنان تشكيلي أن يري بريقا في مكان فيطلق النار عليه، يري خيالا يسير خلف ساتر من الخيش فيطلق النار، ليس علي الخيال، وإنما علي صاحب الخيال ويصرعه قتيلا. هو المجند في ذلك الوقت أحمد نوار وكان معيدا بكلية الفنون. قرر فؤاد عمل فيلم عنه، لكونه يعمل معيدا بكلية الفنون الجميلة.
انتهت مدة خدمته وخرج من الجيش وذهبنا لنصور زفافه بقريته، ليكون جزءا من الفيلم عنه هو، لكن لم يتم هذا المشروع، ووضع مشهد الزفاف في مواد التصوير الزائدة في فيلم تم مونتاجه باسم «الرجال والخنادق». تلك هي مرحلة حرب الاستنزاف، ويستمر السفر والجولات سنة 1971 وقت وقف إطلاق النار. أذكر أهم ذكرياتي في فيلم سمي بإسم مدفع 8 وهو عن طاقم مدفع رقمه 8.
هذه السفريات لم يكن معنا غير الفيلم الخام والكاميرا وصورنا نهارا وليلا باستخدام ضوء السيارة وضوء الكلوب. هذه المرة أدخل مرحلة جديدة في عالم التصوير، وذلك لقلة الإمكانيات والظروف الصعبة المحيطة، وقد ولدت عندي أفكار لا أعرفها ولم أتعلمها ولم أدرسها ولم أسمع عنها من قبل، قلت ليس معي إلا الكاميرا 35مم وفيلم أبيض/ أسود حساسية متوسطة (عادية). اليوم الأول ذهبنا وسط النهار وكان الجنود راحلين إلي موقع جديد ذهبنا إلي هناك قرب الغروب وأتي الليل وليس معنا أي مصادر للضوء دعانا أحد الجنود للموقع (الملجأ الذي يقيمون فيه ليلا) وكنت أنا وفؤاد التهامي ومهندس الصوت مجدي كامل. استقبلنا أحد الجنود يحمل «كلوب» لينير لنا الطريق ومشينا في ممر منخفض بعمق أكثر من متر، حتى وصلنا إلى الملجأ تحت الأرض، جلس الجميع يتسامرون ويتعارفون بدأ أحد الجنود في توليع وابور الجاز لعمل الشاي، فاشتعل لهب الباجور مرتفعا في البداية يضئ المكان وأنا أراقب ما يحدث، نظرت بجانب آخر في الملجأ لأجد أحد الجنود يقرأ خطابا ويميل بورقته حتى يسقط ضوء الكلوب عليها. على جانب آخر أخرج جندي سيجارة وعلبة كبريت أضاء عود الكبريت وأشعل السيجارة فأضاءت وجهة وظهر لهب السيجارة، كل هذا وأنا أتأمل ما يحدث في المكان كعادتي، وراودني كيف يمكن أن نعيد ما حدث وأصورة وتأتيني الأفكار العملية في التصوير وأطبقها كتجربة ناجحة منذ البداية. واقترحت علي فؤاد أن نصور ما حدث من البداية، فقال لي كيف قلت له على هذه الأضواء التي حدثت لم يبد لي رأيا وتركني أعيد ما حدث وأصوره على ضوء الكلوب، ووهج وابور الجاز، ولهيب عود الكبريت. سمي الفيلم ناتج هذه المادة المصورة باسم مدفع 8. شاهده السينمائيون والعاملون في الوسط السينمائي، وأتذكر أن رأفت الميهي حكي لأستاذنا مدير التصوير عبد العزيز فهمي عن تصوير الفيلم، فقال له عبد العزيز فهمي غير ممكن لازم أشوف هذا، كتب الناقد السينمائي سمير فريد عن الفيلم وقال عني المصور الذي صور على عود الكبريت وكلام مدح آخر.
فما الذي طوعته لكي أحصل علي تلك الصورة لقد استخدمت عدسة منفرجة نسبيا لا تصلح للتصوير عن قرب لأنها تحدث نسبة بسيطة من الانبعاج في الوجه، فمن أصورهم ليسوا معروفين لدينا ولا للمشاهد ولا يمكن إدراك هذا العيب البسيط إلا إذا تم تصوير شخصية مألوفة لنا (مثل نور الشريف أو فاتن حمامة)، لكن من نصورهم ليسوا كذلك. صورت اللقطات المقربة بتلك العدسة مع فتحة استقبال الضوء (الواسعة).
ونشاهد في هذا الفيلم مناظر في جميع الأوقات نهارا صباح باكر، وغروباً وليلا بهذا المشهد وكانت تجربة ناجحة منذ أن فكرت بها. وهي تعتبر فريدة في عالم التصوير في ذلك الوقت. كل هذه التجارب أفادتني في تصوير أصعب المشاهد في السينما الروائية، وأضرب مثالا بمشاهد المولد ليلا في فيلم (للحب قصة أخيرة 1985) إخراج رأفت الميهي، حيث الكاميرا تدور 180 درجة وتعود في نفس الوقت 90 درجة أخري ليلا (أين توضع الإضاءة وما هي معداتها)، لكن للموضوع حديثاً آخر. ويمر عام 1971 وعام 1972 ومنتصف 1973، لأصور في تلك الفترة عدة أفلام، منها: (رجال خلف المقاتلين) وفيلم (شدوان)، وفيلم (الرجال والبحر)، وتدريبات للجنود، لأعرف حينئذ بالمصور الحربي. ويأتي أكتوبر المجيد 1973 وأكون أول المتواجدين ... (أنا اللي بصور الحرب والضرب والذي تعرض للموت أكثر من مرة، وها هي فرصتي لأكمل مشواري). وكما في السابق رفض الكثير السفر للجبهة في البداية، ولكن الوضع الآن مختلف انتصارا وعبورا، فالجميع يريد السفر متحمسا ومشاركا مع سافر. تم الاقتراح على عمل قرعة ومن يختار هو الذي سيسافر، القرعة لم تكن من نصيبي، ووقعت على زميل لنا (رحمه الله) حسن عبد الفتاح وكان بدينا يتحرك ببطء، لا يمكنه الجري أو الهمة والارتماء على الأرض عند اللزوم، وأشياء أخري اكتسبتها وأصبح لدي خبرة من السفريات السابقة. (أرجو ألا تخونني الذاكرة) وكان ممن وقع عليهم الاختيار كمخرج هو داود عبدالسيد مع حسن عبدالفتاح وعادا دون أي تصوير.
ويذكرني سعيد شيمي أننا سافرنا يوم 13 أكتوبر، حيث سافرت أنا مع المخرج حسام علي للتصوير في الجيش الثالث، وسعيد شيمي مع المخرج داود عبدالسيد إلي الجيش الثاني وصورنا مواد عديدة: انتصارات أكتوبر لها أبطال ورجال حققوا معجزات في تلك الحرب، وعبور القناة.
ويظهر على الساحة خيري بشارة الذي تحمس وتحمسنا معاً لعمل فيلم عن محمد عبد العاطي الذي دمر أكثر من25 دبابة بسلاح بدائي تحايل عليه وطوعه لإصابة هذا العدد الكبير من الدبابات. في نوفمبر وديسمبر 1973 عقب الحرب مباشرة يكتب خيرى بشارة سيناريو فيلم صائد الدبابات بناء على المعلومات والمعاينة، وأنا معه، لأماكن التصوير في الجبهة، وفي أرض المعركة وفي قرية محمد عبد العاطي. ويسافر طاقم كامل من السينمائيين: خيري بشارة مخرجا وأنا مصورا وفاروق عبد الخالق مديرا للإنتاج وجميل عزيز مسجلا للصوت، في أول عمل له بعد خروجه من الجيش، ومساعد التصوير إسماعيل جمال، وعمال كاميرا وإضاءة، ويرافقنا في مواقع أرض المعركة أحد المجندين، بصفته مندوبا من الشئون المعنوية، وهو ليس سوى المجند عاطف الطيب (الذي أصبح من أهم مخرجي السينما فيما بعد).
ومع خيري بشارة أبدأ مرحلة جديدة في فهم مهنة التصوير والإخراج، أفهم المعاينة والمعايشة، فقد كان مخرجا يتعرف على إمكانياتي في التصوير، ويستغلها استغلالا دراميا يؤكد المعني الذي في مخيلته. لأصور معه أول أفلامه (صائد الدبابات)، كما صورت مع خيري بشارة أفلام عدة بعد ذلك، تسجيلية وروائية (العوامة 70).
ويبدو في فيلم صائد الدبابات عمق تناول الموضوع من جوانبه الاجتماعية لمحمد عبد العاطي، وجوانبه العسكرية، وكيف نحقق هذا النصر الكبير. ولا أنسى قائد كتيبة محمد عبد العاطي المقدم عبدالجابر أحمد (35 سنة) ورفقاء محمد عبد العاطي (رحمه الله) بيومي عبد العال ومحمد عبد الفضيل.
تصادقنا أنا وخيري مع محمد عبد العاطي وتزاورنا وحضرنا ليلة زفافه في قريته شيبه قش وعرضنا في هذه الليلة فيلم صائد الدبابات على أهل القرية. وتمر السنوات والذكريات وما بعد أكتوبر 1973 مع تسليم مدينة العريش ورفح، لأصور مع مصطفي محرم تسجيل استلام العريش بوجود الرئيس محمد أنور السادات. ونصنع فيلما بعنوان عودة العريش.
في طريق الذهاب إلي العريش نلتقي الجنود اليهود وهم مازالوا علي الطريق، يستقبلنا أهالي سيناء بالأحضان وبالفرحة العامرة لعودة أهلهم المصريون إلى أحضانهم، ويعطونا الماء والشاي مرحبين بنا.
نصل العريش ليستقبلنا الأهل استقبالا حارا يدخلونا بيوتهم ويفترشون الأرض بمراتب أسرتهم للعدد الكبير للنوم حتى الصباح.
أذكر مواقف هامة أثناء رفع العلم المصري، حيث رددت وأنا خلف الكاميرا نشيد بلادي بلادي مع المجاورين لي من (يلبسون مدنيا)، وموقف عندما اندفعت وراء موكب السادات للحاق به منعت فقلت بأعلي صوتي و أنا أخترق الطريق بقوة أقول لهم تدخلوا الأجانب وتمنعوا المصريين أنا بسجل تاريخ مصر، فالتفت إليهم الرئيس أنور السادات وقال لهم سيبوه.
وقد سبق ان صورت الرئيس السادات في نفس المناسبة وهو جالس في منصة مع القادة وأردت أن أصور الجميع في لقطة واسعة، فجلست علي سور حديدي مواجها لهم، وأدخلت قدماي بين حديد الصور ورجعت بظهري للخلف، فسمعت الرئيس السادات يقول لمن يجاروه ده ممكن يقع فقال له لا ما تخفش، وظل السادات يتحدث معه وهو تجاه الكاميرا لأصوره.
عام 1975 كنت أصور مع عنان نديم الاحتفال بإعادة افتتاح قناة السويس، ويغامر عنان نديم مغامرة غير محسوبة، فليس معنا تصريح بركوب قارب أو لانش لنسير خلف الرئيس السادات، ويقنع عنان أحد سائقي اللانشات بالتحرك فورا ووصلنا خلف الرئيس أنور السادات بالقرب منه، فقلت لعنان نادي علي الريس لينظر تجاه الكاميرا، ونادي عنان يا ريس يا ريس والكاميرا دائرة وهو يعلم أن ما نريد هو التصوير.
فيلم ثلاثية رفح ومخرجه حسام علي الذي يعشق التصوير الفوتوغرافي، يدرك المضمون والمفهوم والمعني في الصورة السينمائية، وقد صورت معه عدة أفلام.
حسام علي يعود من سيناء بعد أن صوروقائع تسليم سيناء مع عزيزي الراحل مدير التصوير عماد فريد. يعود حسام إلي القاهرة كي أرافقه ونستكمل تصوير فيلم ثلاثية رفح، وصلنا إلي موقع هو يعرفه وبه شبه خيام للفلسطينيين الذين طردوا من رفح فلسطين، وكان الوقت قرب الغروب لا ننوي التصوير وافترشنا الأرض لنتناول الطعام، وأثناء ذلك شاهدنا قرص الشمس في الغروب يبدو مع تلك الخيام ، قمنا علي الفور وأعددنا الكاميرا لنصور أهم مشهد في نهاية الفيلم، مشهد الغروب وعجوز فلسطيني يقول مظلومين والله مظلومين، ويكررها حسام علي مدوية في الخلاء الذي يعيش فيه هؤلاء المظلومين. نصعد الأسطح لنري رفح فلسطين ورفح مصر العلم المصري يرفرف على هذا الجانب بينما نجد العلم الإسرائيلي بالجانب الآخر، ويقول أحد الفلسطينيين عن حالهم في ذلك الوقت أصبحنا «أخ هنا وأخ هناك، أخت هنا وأخت هناك و ....»
ومشاهد لسور من السلك الشائك، والجنود الإسرائيليين على بعد متر منا يفصلنا هذا السور سيدة عجوز تتمني مشاهده ابنها بالجانب الآخر. حديث بين سيدة وأناس يبعثون رسائل لبعضهم من الجانبين يفصلهم السور الشائك، بينما نشاهد ظل حمامة على الحائط المجاور إنها رفح فلسطين ورفح مصر، إنه فيلم حسام علي ثلاثية رفح رحمك الله يا حسام يا علي.
وأصور بعد ذلك أفلام عدة، منها فيلم شدوان وفيلم نزهه. وتوثيق شهادة الشيخ حافظ سلامة قائد المقاومة بالسويس مع حسام علي، وتوثيق مع سامي المعداوي، وتوثيق قادة حرب أكتوبر المشير محمد عبد الغني الجمسي مع حسام علي، والمشير محمد علي فهمي مع نبيهة لطفي وقادة أخرون.
هذا علاوة على مشاهد الحرب في أفلام روائية عديدة، منها طلعات الطائرات، ومشاهد العبور (عبور خط بارليف)، وأخص بالذات فيلم أبناء الصمت لمخرجه محمد راضي، وبالتحديد عبور الجنود علي الساتر الرملي الناعم الذي تغوص الأرجل عميقا، إذا تم السير عليه و أردت أن أؤكد هذا بزاوية تصوير مستحيلة، حيث الكاميرا هي عين الجندي يري غوص أرجله، وكانت الفكرة أن ألبس أنا حذاء و بنطلون أحد الجنود وأصور أرجلي تغوص في الرمال (مما حير بعض السينمائيين كيف صورت هذه اللقطة).
واختتم كيف صورت هذه اللقطة عنواناً للقطات عديدة في أفلام عديدة لي تسجيلية وروائية أتمنى أن تتاح لي هذه الفرصة واحكي عنها.
المعادي في 15 أكتوبر 2016