قصة.. كيد المعتدى

07/11/2016 - 10:19:41

محمود الشريف: صاحب لحن الله أكبر محمود الشريف: صاحب لحن الله أكبر

الكواكب

إن نشيد «الله أكبر فوق كيد المعتدى» له قصة..
إن هذا النشيد يتردد فى كل يوم من القاهرة إلى الاسكندرية... إلى بورسعيد فى المدارس والمصانع وكل مكان...إن عباراته تنبض بالقوة.... كلماته قذائف وحمم.. ومعانيه تملأ الصدور فورة وحماسا واستبسالا.
الله أكبر فوق كيد المعتدى
الله للمظلوم خير مؤيد
أنا باليقين وبالسلاح سافتدى
بلدى ونور الحق يسطع فى يدى
قولوا معى... قولوا معى
الله الله الله أكبر
الله فوق المعتدى
يستطرد النشيد قويا رصينا سلسا. فى إيمان عميق بأن الله أكبر وأنه يستطيع أن يسحق كل معتد مهما طغى علينا وتجبر...
بدأت قصة النشيد فى بيت محمود الشريف .... كانت صفارات الانذار تنطلق معلنة الغارة، فيصاب أولاده الصغار بالذعر ويلتفون حوله وهم يمسكون به... وكانت أمهم تحاول تهدئة روعهم فلا تستطيع. ويوما بعد يوم: وغارة بعد غارة، صار الذعر مستوليا على البيت كله، وصار على محمود الشريف أن يلزم البيت ليطمئن كل من فيه فى الليل وفى النهار...
وكان إلقاء القنابل يحدث دويا يصم الآذان، ومع كل قنبلة ترتفع أصوات الصغار بالعويل والبكاء. وصارت الغارات تحدث فى رائعة النهار، فيحاول محمود الشريف أن يقوى قلوب أولاده فيجعلهم ينظرون نحو السماء... ويمضى الأولاد فى الشوط مع أبيهم.. ويتناسون أصوات القنابل المدوية.
كل هذا حدث ذات صباح.... ومحمود الشريف يفكر فى كل هذا العدوان الذى وقع على مصر، ويفكر كيف أن الله ألهمنا القوة، وأعطانا الايمان لنصمد فى وجه ثلاث دول منها دولتان كبيرتان... لتصمد فى وجه ثلاث قوى تتفوق علينا كثيرا.. إنه الله يفعل ما يريد ... إنه الله فوق كل طاغ متجبر...
وفجأة حلقت فوق بيت الشريف طائرة من طائرات الاعداء، كانت تصعد إلى أعلى لكى تبتعد عن مرمى المدافع المصرية التى كانت تلاحقها بقذائفها فتتناثر القذائف فى السماء مخلفة كرات مستديرة من الدخان...
واستولى على أبناء الشريف رعب قاتل، فأطلقوا صرخة واحدة وتشبثوا بأبيهم الذى أيقظته الصرخة من شروده وتأمله... فاحتضن أولاده وقد انتقل ذعرهم إلى صدره وجعل يهتف كالمجنون:
- الله أكبر... الله أكبر.... الله أكبر فوق المعتدى... الله أكبر...
ونظر لأولاده فإذا بهم يكفون عن الصراخ، وإذا بهم يرددون وراء أبيهم فى استسلام عجيب ... وكأنهم كورس رائع الاداء... يرددون:
- الله أكبر... الله أكبر.... الله أكبر
وابتعدت الطائرة فى الأفق... غابت تماما ولا يزال الشريف يردد الله أكبر والأولاد من حوله يقولونها فى عمق بليغ، وفى نبرات مؤمنة وكأنهم يعرفون كل المعانى الضخمة التى فيها... وعندما عاد الشريف إلى عوده... كان يدندن "الله أكبر فوق المعتدى" لقد استقر رأيه على أن يكون هذا مطلع نشيد قوى.. فإننا بفضل الله صمدنا، وبفضل الله وقفنا وقفتنا، ولابد أن نذكر الله فى أناشيدنا ليكون الله.. جل جلاله.... معنا فى معركتنا...
وكان الشريف يعرف شاعرا قويا... تفيض روحه بالوطنية، وتتدفق معانيها جياشة كالسيل فى كل قصائده ... لقد قرأ له، وسمعه فى ندوات الشعر، وسمعه فى ميكروفون الإذاعة واقتنع به.... اقتنع به ليكتب نشيدا من أعظم أناشيد المعركة...
كان الشاعر هو عبدالله شمس الدين الذى كان المرحوم الشاعر إبراهيم دسوقى أباظه يسميه الشاعر الرهيب لفرط ما فى شعره من قوة... كان يقول عنه إن أبياته معارك ومواقع وميادين قتال، وكان يضعه فى صفوف المتصوفة من الشعراء لأن للشاعر الرهيب خلوات إلى الله ينظم فيها شعرا ناعما كله ايمان وتبتل ودعاء وعرفان...
وتقابل الشريف وشمس الدين، وأخذ شمس الدين مطلع النشيد من الشريف وبعد ساعة واحدة قدم له النشيد.... وكأنما كانا على موعد!
وذهل الشريف .. وعاد إلى البيت فى سيارة أجرة كانت تسابق به الريح، وكان الشريف يدندن فى السيارة، وأصوات المدافع تتجاوب حولها، فقد كانت هناك غارة جوية ... كان الشريف يدندن لحن النشيد... ولما وصل البيت كانت أكثر مقاطع النشيد قد اختمرت.... فصاغها صياغة رائعة وقدم لمصر فى اليوم ذاته نشيده العظيم...
واختار الشريف أن يؤدى النشيد مجموعة من الناس، مجموعة مكبرة لأولاده الصغار الذين كانوا يرددون معه فى خشوع "الله أكبر فوق كيد المعتدى" ساعة أن لاحت الطائرة فى السماء وأصابت قلوبهم بالذعر... اختار له مجموعة تؤديه، لان المجموعة هى مصر، وليكون النشيد نشيد مصر كلها...
وقد صار النشيد، كما توقع له صاحبه، نشيد مصر كلها تردده فى كل صباح وتستزيد به من الايمان بالله...
الله كبير ... الله أكبر فوق كل المعتدين
الكواكب العدد 287- 29 يناير 1957