خروجا عن مبادئ الإسلام ويقدرون فتضحك الأقدار !

03/11/2016 - 11:07:00

بقلم - رجائى عطية

قَدَّر « المتوكل » على ما سلف بيانه ، فَعَقَدَ ولاية عهد « ثلاثية » أسوة بما فعله جده هارون الرشيد ، لتبدأ بابنه الأكبر « محمد المنتصر » ، يليه « محمد المعتز » ، ثم « إبراهيم المؤيد » .


بيد أن مسار الخلافة لم يجر وفقًا لتخطيط « المتوكل » وتدبيره ، وكانت أول المخالفات صاعقةً مفزعة ، فيها قَتَل ولى العهد الأول ، الابن الأكبر ـ « المنتصر » ـ قتل أباه شرّ قتلة ، وجلس يتلقى التهانى بالخلافة ودم أبيه الخليفة « المتوكل » القتيل لم يجف بعد ، ولم تُرفع أشلاؤه من موضعها .


أما باقى ولاية العهد «الثلاثية» فذهبت بدورها أدراج الرياح ، فلم يل « محمد
المعتز » بعد أخيه « المنتصر » ، بل ذهبت إلى « المستعين » أبو العباس : أحمد بن محمد المعتصم ، ولم تبق قيمة للعهد الثلاثى الذى عقده الأب « المتوكل » ، فقد قتل هو نتيجةً له ، وبادر « المنتصر » ـ كالمتوقَّع ـ بخلع أخويه : المعتز ، والمؤيد من ولاية العهد .


الخلع المعتاد !!


تولى « المتوكل » الخلافة فى الرابع من شوال ٢٤٧ هـ / ٨٦١ م صباح قتل أبيه ، وهو لأم رومية من أمهات الأولاد تُدعى « حبشية » ، وكان سنه يوم تولى خمسة وعشرين عامًا ، ولم تستمر ولايته سوى ستة أشهر ، حيث مات مسمومًا فى أرجح الروايات !


وبغض النظر عن صفاته ، فإنه بدأ حكمه بالخطأ فى اختيار وزيره ، فاختار « أحمد بن الخصيب » الذى كان كاتبًا له قبل الخلافة ، وكان هذا الرجل مطعونًا عليه فى عقله ، ذا حدة وطيش ، وصفه المسعودى فى مروج الذهب بأنه قليل الخير كثير الشر ، وسرعان ما ندم
« المنتصر » نفسه على تقليده الوزارة !


على أن هذا الصنيع لم يكن كل ما يستوجب الندم فيما فعله « المنتصر » فى الأشهر الستة التى تولى فيها دست الحكم ، فقد سارع بعد أربعين يومًا من ولايته إلى خلع أخويه
« المعتز » و« المؤيد » من ولاية العهد ليعهد بها إلى ابنه عبد الوهاب الحدث الصغير ، ولم يكن صحيحًا أن أخويه خلَعَا نفسيهما ، فقد أظهر لهما من الشر والوعيد ما جعل « المؤيد » يسارع خوفًا واتقاءً إلى خلع نفسه ، وحاول « المعتز » أن يقاوم ، فحذَّره أخوه المؤيد من مغبة الرفض ، فإنهم قد قتلوا أباه « المتوكل » على هذا الأمر ، وأنهم سيقتلونه لا محالة إنْ لم يستجب ويوافق على أن يخلع نفسه ، وتحت هذا الضغط ونذير القتل المشرئب ، اضطر
« المعتز » هو الآخر للقبول بخلعه ، وكتب بذلك تحت التهديد .


وقد أجمع المؤرخون الثلاثة الكبار الطبرى وابن الأثير وابن كثير على أن المعتز والمؤيد أُجبرا إجبارًا تحت التهديد والوعيد ، على الكتابة بخلع نفسيهما بعد أربعين يومًا من ولاية
« المنتصر » . وجاء بعبارة ابن كثير أن « المعتز والمؤيد خلعا نفسيهما من الخلافة ، وأشهدا عليهما بذلك ، وأنهما عاجزان عن الخلافة ، وأن المسلمين فى حل من بيعتهما ، وذلك بعد أن تهددهما أخوهما المنتصر وتوعدهما بالقتل إن لم يفعلا ذلك » ، وأضاف ابن كثير أن « مقصوده من ذلك تولية ابنه عبد الوهاب بإشارة من أمراء الأتراك بذلك ، وخطب بذلك على رءوس الأشهاد والقواد والقضاة والأعيان ، وكتب بذلك إلى الآفاق ليعلموا بذلك ويخطبوا له بذلك على المنابر ، والله غالب على أمره ، فقد أراد أن يسلبهما الملك ويجعله فى ولده ، ولكن الأقدار تكذبه وتخالف ، ذلك أنه لم يستكمل بعد قتل أبيه سوى ستة أشهر ، ففى أواخر صفر من هذه السنة عرضت له علّة كان فيها حتفه !! »


من نفس الكأس !


وكما خاب تقدير وتخطيط « المتوكل » ، خاب تدبير وتخطيط « المنتصر » ، فتجرَّع نفس الكأس التى أذاقها لأبيه ، حين تآمر على قتله غدرًا ، فلم تدم خلافته سوى ستة أشهر ، سرعان ما لاقى بعدها حتفه ، فى الخامس من ربيع الأول سنة ٢٤٨هـ / ٨٦٢ م ، وطارت الخلافة التى قتل من أجلها أباه ، وخلع أخويه ، ودبر وخطط أن يتولاها ابنه الحدث
عبد الوهاب ، ولكن إرادة الله شاءت أن يموت وابنه لا يزال حدثًا صغيرًا ، فتطير الخلافة على عكس ما أراد ، وأيضًا على عكس ما أراد أبوه ، إلى « المستعين » أحمد بن محمد بن المعتصم .


وقد فجأه الموت على غير حساب ولا تقدير ، فقد كان لا يزال شابًا فى الخامسة والعشرين من عمره ، لا يخطر بباله ولا يرد على خياله أن يفارق السلطة والدنيا بأسرها التى ارتكب من أجلها هذه الكبائر !


مات أو قُتل غدرًا كما قتل أباه ، فتتفق روايات المؤرخين على أن الراجح أنه مات مسمومًا ، يُدَس السم له فى ثمرة كمثرى ، ثم التعجيل بتسميمه بفصده بمبضع مسموم ، عجل بإخماد حياته ، ويبدو أنه وهو يجود بروحه انكشف عنه غطاؤه فصار بصُرُه حديدًا كما يقول القرآن المجيد ، فجعل يقول لنفسه مودِّعًا ولسان حاله منصرف إلى قتل أبيه : عجَّلنا فعوجلنا !


على أنه عاش أيامه أو أسابيعه الأخيرة فى كوابيس لا تنقطع ، وقد روى الطبرى وابن الأثير بسندهما ، أن « المنتصر » حال نومه فى إيوانه ، شوهد ينتبه من النوم وهو يبكى وينتحب ، فسأله عبد الله بن عمر البازيار عن هذا النحيب والشهيق : ما لك يا أمير المؤمنين تبكى ؟! لا أبكَى الله عينك ؟! فقال له المنتصر : ادن منى ، فلما دنا منه ، قال له : « كنت نائمًا ، فرأيت فيما يرى النائم كأن المتوكل قد جاءنى ، فقال لى : ويلك يا محمد ! قتلتنى وظلمتنى وغبنتنى فى خلافتى ؛ والله لا تمتعت بها بعدى إلاَّ أيامًا يسيرة ، ثم مصيرك إلى النار ، فانتبهتُ ، وما أملك عينى ولا جزعى ! » .


وقد حاول عبد الله أن يخفف عنه ، بأن هذه ما هى إلاَّ رؤيا قد تصدق وقد تكذب ، وبأن الله تعالى سوف يعمّره ويسره ، ودعاه إلى اللهو والشراب ليخفف عنه ، بيد أن « المنتصر » فيما يروى ـ « ما زال منكسرًا إلى أن تُوفى ! »


الأقدار تضحك للمرة الثانية !


كما ضحكت الأقدار من ترتيب « المتوكل » ، ضحكت من تدبير « المنتصر » ، ففارق الدنيا والسلطان مسمومًا ، وطارت الخلافة من ابنه الحدث ، إلى « المستعين » أحمد بن محمد بن المعتصم ، وبويع فى نفس يوم موت « المنتصر » الموافق الخامس من ربيع الأول ٢٤٨ هـ / ٨٦٢ م ، وكان بدوره لأم ولد تدعى « مخارق » ، ولم يزل خليفة حتى خُلع بعد ثلاث سنوات وتسعة أشهر ، فى الرابع من المحرم ٢٥٢ هـ ـ الموافق ١٥ يناير ٨٦٦ م .


ولا يفوت القارئ ظاهرة أن معظم الخلفاء وُلدوا لأمهات أولاد ، وهى ظاهرة دالة على خراب النفوس وشيوع الفحش بين الخلفاء ، فيأتى أولادهم الذين تُبوأوا الخلافة تباعًا من علاقة غير شرعية ، لم يُقننها زواج ، فقد شاعت الملذات ووطْأ الجوارى ، فإذا ولدت إحداهن ولدًا راق للخليفة ، أجازه وأجاز أن يوليه المُلْك والخلافة من بعده .


أما « المستعين » فكان كالمتوقع ، بلا قوة حقيقية ، وبلا نفوذ ، وإنما صار فى الواقع بين أيدى الموالى الذين حولوا الخلافة عن « المعتز » ابن المتوكل ، الذى تواطأوا مع « المنتصر » على خلعه من ولاية العهد ، ثم ساقوا الخلافة إلى « المستعين » بلا عهد ولا سابقة ، فصار فى الواقع بين أيديهم يفعلون به ما يشاءون .


ومع أن « المستعين » صار يولى ويعزل وفقًا لما يشاءون ، إلاَّ أنه سرعان ما قلب هؤلاء الأتراك له ظهر المجن وعلى رأسهم « باغر » الذى اشترك فى قتل الخليفة « المتوكل » .


وانشق الأتراك فيما بينهم ، ونجح « وصيف » و« بُغَا » فى قتل « باغر » التركى ، وتعصبت الموالى ، وذهب « وصيف » و« بُغَا » « بالمستعين » إلى مدينة السلام ، وأنزلاه ولا حيلة ولا أمر له بمنزل « محمد بن عبد الله بن طاهر » .


وقبل أن يتمكن « المستعين » من تنفيذ الحلم الذى داعبه بأخذ البيعة لابنه صغير السن العباس الذى ولاه سنة ٢٤٩ هـ على مكة والمدينة والبصرة والكوفة ، قام الأتراك المتنكرون له بإزاحته وخلعه عن الخلافة ، وبايعوا « المعتز » بن المتوكل الذى سبق أن أزاحوه وخلعوه مع المنتصر من ولاية العهد ، بينما نجح « الحسن بن زيد » العلوى ، وهو حفيد الحسن بن على ، وكان قد خرج على « المستعين » احتجاجًا على ما أقطعه « محمد بن طاهر » ـ نجح فى تكوين دولة عُرفت بالدولة الزيدية فى طبرستان ، واقتطع من ملك بنى العباس وآل طاهر طرفًا عظيمًا تحميه جبال طبرستان والديلم ، وقد استمرت هذه الدولة نحو قرن من الزمان حتى سنة ٣٥٥ هـ !


كيف خُلع المستعين


ورُدّ عليه قصده ؟!


كان « المستعين » قد اعتقل المعتز والمؤيد حين انحدر إلى بغداد ، تأمينًا لملكه واستمراره فى ذريته ، بينما أخذ معه « محمد بن الواثق » ليكون تحت رقابته ، ولكنه تمكن لاحقًا من الهرب .


وحين انقلب الموالى على « المستعين » وخلعوه ، فى قصة طويلة رواها الطبرى ( ٩/٣٤٢ ـ ٣٤٦ ) وشارك فيها محمد بن عبد الله بن طاهر ووصيف وبُغَا ، أخرجوا
« المعتز » محمد بن جعفر بن المتوكل بن محمد المعتصم ، وبايعوه بالخلافة ، ودعوا له على منبرىْ بغداد ، واضطروا « المستعين » إلى الإقرار بخلعه وبمبايعة المعتز ، وأشهدوا عليه شهودًا من بنى هاشم والقضاة والفقهاء والقواد ، ثم نقلوه هو وعياله وولده وجواريه ، حيث أنزلوهم تحت الحراسة بقصر الحسن بن سهل بالرصافة ، ومنعوه من الذهاب إلى مكة ، واختار أن ينزل بالبصرة .


ومن اللافت أنه وسط هذا الجو المشحون بالمشاهد المَّرة المتلاحقة ، يرسل « المعتز » المدفوع به إلى الخلافة ، مندوبة خاصة هى « قرب » جارية « قبيحة » أم المعتز ، برسالة منه إلى « المستعين » يسأله أن ينزل عن ثلاث جوارٍ كان المستعين قد تزوجهن من جوارى المتوكل . وقد كان يمكن أن نفهم هذا الطلب واستجابة « المستعين » ببساطة له ، لو لم يكن المستعين قد تزوج بهن ، وصرن زوجات شرعيات له ، فأين هذا كله من الإسلام الذى تمسح به هؤلاء الخلفاء ؟!


المعتز يغدر بأخويه ، ويخلع المؤيد


من ولاية العهد ، ثم يقتله !


رأينا أن « المؤيد » هو الذى صدق النصح لأخيه « المعتز » حين غدر بهما أخوهما
« المنتصر » ، وهددهما بالقتل إن لم يقرَّا بخلع نفسيهما من ولاية العهد التى كان قد أبرمها أبوهم « المتوكل » ؛ كما وأن « أبا أحمد » ابن المتوكل ، هو الذى قاد الجيش إلى حيث حاصر « المستعين » حتى أسقطه من عرش الخلافة .


بيد أن الأيام قلب ، والسلطة خادعة وغدارة ، فانقلب « المعتز » بعد توليه الخلافة على أخويه : المؤيد وأبى أحمد ، وحبسهما فى الجْوسق ، وقيد « المؤيد » وألقاه فى حجرة ضيقة ، وأمر بضربه ضربًا شديدًا بالمقرعة ، ثم خلعه من ولاية العهد فى ١١ رجب ٢٥٢ هـ ، وأخذ عليه رقعة بالإكراه ، بخط يده يقر فيها بخلع نفسه . ثم لم يلبث أن مات ميتة غريبة مفاجئة فى نفس الشهر ، وأورد الطبرى وابن الأثير فى موته روايتين ، تقول إحداهما إنه وضع فى لحاف سمّور (جلد حيوان من فصيلة السمور) ، ثم اُمسِكَ طرفاه حتى مات ، وتقول الأخرى إنه أُقعد فى حجر من ثلج ، ونضَّـدت عليه حجارة الثلج حتى مات بردًا !!


أما « أبا أحمد » ابن المتوكل ، فبقى حبيسًا ، ثم نفى إلى واسط ، ثم رُدّ إلى بغداد حيث حبس فى قصر دينار بن عبد الله .


بداية ظهور أحمد بن طولون


وقتل « المستعين » !


مع أن « المستعين » كان أسيرًا خابيًا لا خوف منه ، إلاَّ أن البطانة أوعزوا إلى
« المعتز » وكذا أمه « قبيحة » ـ أن يقتل « المستعين » حماية لنفسه وملكه ، فلما استجاب لهم ، كتب « المعتز » إلى محمد بن عبد الله بن طاهر ـ يأمره بتسليم « المستعين »
إلى « سيما الخادم » ، فكتب إلى الموكلين بالمستعين فى « واسط » ، ثم وجه « أحمد بن طولون » التركى ، فأخرج المستعين لست بقين من رمضان ٢٥٢ هـ ، وقيل إنهم كتبوا إلى ابن طولون يطلبون إليه قتل المستعين ويمنونه ولاية واسط ، ولكن ابن طولون رفض أن يقتل خليفة له فى رقبته بيعة ، فأرسلوا سعيدًا الخادم أحد حجاب القصر فى شرذمة من الجيش إلى واسط ، فتولى قتل الخليفة بنفسه ، وقيل إنه ضُرِبَ حتى مات ، وقيل بل شُدَّ فى رجله حَجَر ، وأُلقِىَ فى دجلة ، وقيل بل ضُرب بالسيف ، وضربه سعيد بن صالح ، وهذه أرجح الروايات ، وفى رواية ابن كثير عن الطبرى ، أن المستعين سأل سعيد بن صالح حين أراد قتله أن يمهله حتى يصلى ركعتين فأمهله ، فلما كان فى السجدة الأخيرة قتله وهو ساجد ، واحتز رأسه ، وأُخذت إلى « المعتز » ، فتصادف أن كان يلعب بالشطرنج ، وقيل له هذا رأس المخلوع ! فقال : ضعوه حتى أفرغ من الدَّست ! ( ينتهى من اللعب ) ، فلما فرغ نظر إليه وأمر بدفنه ، وكافأ سعيد بن صالح الذى تولى الأمر بخمسين ألف درهم ، وولاه إمارة البصرة !


الأيام دول !!!


تولى « المعتز » الخلافة يوم خُلع « المستعين » فى الرابع من المحرم ٢٥٢ هـ ـ ٢٥ يناير ٨٦٦ م ، ولم تستمر خلافته سوى ثلاث سنوات وستة أشهر وبضعة أيام ، وخلع منها كرهًا لثلاث بقين من رجب سنة ٢٥٥ هـ ـ ١١ يوليه ٨٦٩ م .


وقد رأينا المراكب الصعبة التى ركبها « المعتز » فترة خلافته ، فقلب ظهر المجن لأخويه صاحبى الفضل عليه ، ولم يأبه لعهد أخيه إبراهيم المؤيد ، ولا لسابقة أخيه أبى أحمد
ابن المتوكل ، فحبسهما ، وقتل أحدهما ، ولم يكفه أن « المستعين » قبل أن يخلع نفسه استكان ولم يتحرك لكيد ولا لشغب ولا لانقلاب ، فأمر بقتله وتلقى رأسه المقطوع فى هدوء ليستمر فى لعب الشطرنج حتى يفرغ ، ثم يأمر بدفنه ، ويجيز من نهض على قتله .


وكما طارت الخلافة من سابقيه ، طارت منه أيضًا ، فَخُلع كرهًا فى رجب ٢٥٥ هـ ـ يوليه ٨٦٩ م ، ولم تُمنح الخلافة لأحدٍ من ذريته ، وإنما طارت إلى « المهتدى » أبى اسحق : محمد بن الواثق ، وطارت روحه مع الخلافة ، فقتل قتلةً مهينة بشعة .


سبق خلعه ثم قتله ـ قتل « وصيف » و« بندار الطبرى » وموت « محمد بن عبد الله
بن طاهر » سنة ٢٥٣ هـ ، ومقتل « بُغَا الشرابى » (الصغير) سنة ٢٥٤ هـ / ٨٦٨ م ، بينما ابتدأ ظهور أحمد بن طولون ثم قيام الدولة الطولونية فى ذلك العام على ما سوف نعود إليه .


أما نهاية « المعتز » نفسه ، فكانت مليئة بالعبر ، ففى رواية المؤرخين أن جنده الأتراك انتفضوا عليه لثلاث بقين من رجب ٢٥٥ هـ / ٨٦٩ م ، يطلبون أرزاقهم ، مشترطين عليه ألاَّ يقتلوا « صالح بن وصيف » الذى يبغى قتله ، إلاَّ إذا قبضوا أرزاقهم ، وكان قد فرغ ما تحت يده من أموال ، فأرسل « المعتز » إلى أمه « قبيحة » يسألها أن تعطيه مالاً ليعطيهم ويسكتهم عنه ، فقد فرغ ما معه ، ولكن أمه ردت عليه بأنه ما عندها مال لتعطيه ، فلما رأى الجند الأتراك ذلك ، ولم يجدوا فى بيت المال شيئًا يلبى مطالبهم ، اجتمعوا على خلع « المعتز » ، ودخل عليه جماعة من أهل الكَرْخ والدّور من خلفاء القواد ، فجروه جرًّا من رجليه ، وتناولوه بالضرب بالدبابيس ، وهى قضبان من المعدن على هيئة مسامير صغيرة ، وخرجوا به وقميصه مخرق ممزق ، وآثار الدم على منكبيه ، وأقاموه حافيًا فى شمس الدار الحارقة فى وقت شديد الحرارة ، حتى إنه كان يبدل رفع قدميه من على الأرض من لسعة سخونة الأرض ، وجعل بعضهم يلطمه والخليفة يحاول أن يتقى اللطمات بيده ، ويأمرونه أن يخلع نفسه ، وأن يكتب كتابًا بذلك ، وظلوا على تعذيبه هذا التعذيب المغموس بالإهانة إلى يوم الأربعاء لليلةٍ بقيت من شهر رجب ! ولم يتوقفوا عن تعذيبه حين قبل بخلع نفسه ، ومنعوه الطعام والشراب ثلاثة أيام ، ولما اشتد به العطش ، طلب حسوة من ماء البئر ، ولكنهم منعوها عنه ، ثم أنهم جصصوا سردابًا بالجص والحجارة ، وأدخلوه فيه وأطبقوه عليه حتى مات هذه الميتة البشعة !!!


أما الخلافة فطارت من نسل « المتوكل » الذى خاب كل تدبيره ، إلى ذرية « الواثق » ، وليتوالى هذا المسلسل الفاجع ممن يحسبون أنفسهم على الإسلام ، والإسلام برىء مما يصنعون ويقارفون !!