الخطة الأمريكية من أجل سوريا (٢)

03/11/2016 - 10:48:39

بقلم: خالد عكاشة مدير المركز الوطنى للدراسات الأمنية

تناولنا فى الحلقة السابقة من استعراض “خطة سلام من أجل سوريا” والتى أعدتها مؤسسة “راند”، بغرض تقديمها إلى الإدارة الأمريكية كرؤية مقترحة يمكنها العمل عليها للوصول إلى حلول تحافظ على المصالح الأمريكية، وتصل بالمشهد السورى المأزوم إلى بر آمن من وجهة نظر المؤسسة البحثية، وقد وصلت تلك الخطة بالطبع إلى كافة أطراف صناع القرار الأمريكى ودخلت المطبخ الأهم فيه، فقد أشرنا فى الحلقات السابقة عن أهمية هذا المركز البحثى لدى المعنيين الأمريكيين بكونه “مركز تفكير” يسهم بفاعلية فى توجيه الخطط الأمريكية التى تتعلق بالقضايا الدولية


وبالنظر أيضا إلى واضعى تلك الخطة وقد ذكروا سلفا أيضا وهم من الشخصيات المرموقة فى مضمار الدبلوماسية ومتخصصى شئون الأمن القومى الأمريكي، والذين تم تكليفهم من قبل مؤسسة “راند” للعمل على هذا العنوان وهو ما أنجزوه فى هذه الخطة التى بين أيدينا، فى الحلقة السابقة تناولنا الجزء الأول من خطة السلام والذى حاول فيه الباحثون وضع رؤية بانورامية للمشهد السورى الراهن، واستعراض تعقيداته وتداخلات مناطق النفوذ والسيطرة والصراعات الدائرة ما بين أطرافها، وقد طرحت الخطة ما أطلقت عليه “المناطق الآمنة كأساس للسلام فى سوريا”، وبعد أن درست مصاعبها التى أوردناها فى الحلقة السابقة، نتناول اليوم مقترحها الرئيسى والتفصيلى بشأن كيفية صناعة تلك المناطق وهى هكذا جاءت نصا بحروفها فى الجزء الثانى من الخطة:


يتمثل اقتراح «راند» فى إنشاء ثلاث مناطق جغرافية متفق عليها فى سوريا، تتصل اثنتان منهما وتنفصل الثالثة عنها، وقد وضعت خريطة بمعرفة المؤسسة توضح تلك المناطق:


ـ الجيب المقترح الذى يسيطر عليه النظام يمتد من الضاحية الجنوبية من دمشق وصولا إلى الحدود السورية مع تركيا على ساحل البحر الأبيض المتوسط، ويمر فى طريقه عبر حمص وطرطوس وبنياس واللاذقية.


ـ أما الجيب الثانى فهو الجيب التابع للسيطرة الكردية، ويضم منطقتين غير متجاورتين، بحيث يضم الجيب المناطق الممتدة من شرق حلب وصولا إلى الحسكة والقامشلي، فيما يضم الجيب الكردى فى المناطق الشمالية الغربية من الجزء العلوى من سوريا الأراضى الواقعة بالفعل تحت سيطرة الأكراد حاليا.


ـ أما الجيب الثالث، فهو يتألف من قسمين من الأراضى الواقعة لسيطرة المعارضة بشكل كبير الآن، إحداهما فى جنوب غرب البلاد، وهى منطقة درعا وما حولها، أما الجيب الآخر فيتركز فى المناطق المحيطة بإدلب.


ـ بالنسبة لمناطق حلب وحماة ستتقسم سيطرتها بين قوات الأسد والمعارضة، والنظام بهذا يكون قد وفر خط إمداد باتجاه حلب كما ينعكس بالتطورات الحالية فى خارطة توزيع القوى فى سوريا.


ـ أخيرا المنطقة الرابعة، وهى ما تبقى من البلاد ستبقى تحت سيطرة داعش. ومعظمها غير مأهول بالسكان، وتعد مناطق السكن الرئيسية فيها: الرقة ودير الزور ووادى نهر الفرات وتدمر فى وسط البلاد.


ووفق المقترح، ستخضع المنطقة الرابعة هذه لإدارة دولية حال طرد داعش منها بشكل تدريجي، فيما ستدار المناطق الثلاث الأخرى من قبل من يسيطر عليها خلال فترة وقف إطلاق النار هذه، وستقع مسئولية حفظ وقف إطلاق النار على القوى الدولية التى تدعم أطراف النزاع الآن، وهو ما يحتم على الولايات المتحدة وروسيا وإيران ضمان التزام قوات النظام بالاتفاق، فيما ستحافظ الولايات المتحدة على التزامات الأكراد، وستضغط كل من تركيا والأردن على المعارضة السنية للالتزام بهذا الاتفاق وتطبيقه، وستتعاون الأطراف الخارجية على حرب داعش لطردها من مناطقها.


قد يتطلب إنشاء هذه المناطق الآمنة الثلاث إجراء عمليات لنقل الأراضى بين الفصائل لإنشاء خطوط واضحة للهدنة وطرق الإمداد، التنازلات الصعبة للأسد ستكون بتركه بعض أجزاء من حماة وحلب تحت سيطرة قوات المعارضة السنية المعتدلة. وهو ما يمكن للنظام تعويضه عبر انسحاب قوات المعارضة، أو قبولها بسيطرة قوات النظام على مناطق سيطرة المعارضة المنتشرة كالجزر بين معاقل النظام، وهو ما سيساعد على انسحاب كتائب المعارضة من المناطق المحيطة بدمشق بما يسمح للنظام بتأمين أكبر لدمشق وعزل المعارضين فى مناطق وقف إطلاق النار مباشرة وبعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، وإن لم يكن قبله، ينبغى على الأمم المتحدة الاجتماع بممثلى جميع الفصائل السورية التى وافقت على وقف إطلاق النار، وبدء مناقشات سبل بناء أسس جديدة للدولة السورية الموحدة المنشودة.


بلا شك ستأخذ المسألة وقتا طويلا لإنجاح جهود استعادة سوريا الموحدة، هذا إذا كان بالإمكان تحقيقه. وربما تكون الكيانات الناشئة عن هذه الاتفاقات اتحادات أو كونفدراليات معينة. ومن المحتمل أن ينطوى الأمر على منح حكم ذاتى موسع، بما فى ذلك السيطرة على الأمن المحلى من قبل السلطات المحلية فى كل فيدرالية أو جزء. وقد يشمل الأمر بشكل صريح تقاسما للسلطات على أساس طائفى كما جرى فى لبنان بعد انقضاء الحرب الأهلية الطويلة، وقد تتضمن التفاهمات توفيرا لضمانات خاصة لحماية الأقليات داخل كل منطقة أو فى سوريا ككل، من المرجح أن تشمل الاتفاقات أيضا إصلاحات دستورية كبيرة لإعادة توزيع السلطة بين المؤسسات الوطنية، وانتخابات لا يكون الأسد جزءا منها، وفى نهاية المطاف فإنه من المرجح أن تشمل العملية ترتيبات تجعل من دمشق منطقة مركزية، توفر بعض الخدمات والمرافق للمناطق المختلفة التى يتمتع سكانها المحليون بمسئولية الحكم وحفظ الأمن المحلي. وهذا من شأنه أن يتم تحت مظلة الأمم المتحدة وبتشجيع ورعاية من القوى الخارجية المختلفة. سيكون هذا حلا صعبا، لكنه بلا شك أفضل بكثير من الاستمرار بالقتال.


وعلى غرار البوسنة، ستفرض رقابة دولية لمراقبة الالتزام بوقف إطلاق النار، فيما ستجرى العملية السياسية المرتقبة بإشراف من مجلس فرض السلام. وهو ما سيتطلب من المجلس المذكور مساهمة فاعلة فى تطوير العملية السياسية المستقبلية السورية وجلب الدعم لها من الدول الأخرى، سيكلف هذا المجلس ويخول بالصلاحيات من قبل الأمم المتحدة ومجلس الأمن، للتأكد من الالتزام بوقف إطلاق النار. وستكون مسألة تعيين حاكم مؤقت على المناطق التى يتم انتزاعها من داعش، ملقاة على عاتق هذا المجلس أو الأمم المتحدة. وبعيدا عن داعش، ستنشأ الكثير من الأسئلة بخصوص مشاركة مجموعات تصنف على أنها إرهابية، من قبل بعض الأطراف الفاعلين فى وقف إطلاق النار، وعلى أقل تقدير مثلا فإن انضمام حزب الله لوقف إطلاق النار سيكون ضروريا لضمان استمراره ونجاحه. الأطراف الداخلة ضمن الاتفاق ستلتزم بوقف إطلاق النار ووقف العنف داخل سوريا ووقف التحريض على العنف ضد أهداف خارجية كذلك، داعش من جهتها سترفض هذا الاتفاق بلا شك، وبشكل أقل تأكيدا سترفضه جبهة النصرة المقربة من القاعدة كذلك. وللابتعاد عن حجج الرعاة الخارجيين الطويلة، سيكون من الأفضل الاعتماد على الوصول إلى اتفاق متعلق بشروط وقف إطلاق النار بين القوى الخارجية والعديد من المجموعات الداخلية، وهو ما سيجبر المتطرفين الرافضين للاتفاق على استبعاد أنفسهم، من خلال رفض مصداقية التعهدات والالتزامات، وبالتالى ستظهر الجماعات هذه أمام الجميع بما يضطر راعيها الخارجى لتخفيض دعمه الموجه لها، خاصة أنها ستعد منتهكة لاتفاق دولى يقضى بوقف إطلاق النار.


سيكون من الضرورة بمكان تحقيق تواجد عسكرى معين لرصد وضمان الحفاظ على وقف إطلاق النار، ومن الممكن أن تنتشر القوات الخارجية فى أماكن أصدقائهم، فمثلا ستنتشر القوات الروسية فى أماكن سيطرة النظام، أما القوات الأمريكية فبإمكانها التواجد فى أماكن سيطرة الأكراد، وهو ما من شأنه بعث تطمينات لتركيا بأن المنطقة الآمنة هذه داخل سوريا لن تتحول لقاعدة كردية، لشن الهجمات ضد تركيا أو أن تظهر كأنها مشروع دولة كردية فى المنطقة، وأخيرا بإمكان قوات عسكرية مختلفة من الدول السنية أن تنتشر فى مناطق سيطرة العرب السنة، بحيث تنتشر قوات تركية فى المناطق الشمالية وأردنية فى المناطق الجنوبية، وسيكون الجزء الشمالى من مناطق سيطرة المعارضة السنية هو الجزء صاحب الإشكاليات الأكبر، فهى المنطقة التى تلتحم فيها المجموعات المتشددة والمعتدلة من المعارضة سويا.


الاستثناء فى مسألة القوى الخارجية الضامنة للسلام سيكون منطقة سيطرة داعش، وذلك لإحباط أى تجدد للصراع بين الأطراف المختلفة بهدف السيطرة على هذه المناطق. وستؤول السيطرة على مناطق داعش إلى إدارة دولية فى انتظار إنشاء حكومة سورية تجمع جميع الأطراف فى البلاد، فالأمن فى المناطق المحررة حديثا من سيطرة داعش يجب أن يؤول إلى مسئولية إدارة دولية، ربما يتم تشكيلها من مجلس لفرض الأمن سابق الذكر، وربما يجرى التوسع فيها بشكل أكبر لتشمل قوة دولية أوسع من ذلك بكثير. وسيترافق ذلك مع نشر قوة دولية محايدة بغرض المراقبة تحت رعاية الأمم المتحدة، وتهدف القوة هذه إلى مراقبة وقف إطلاق النار وليس فرضه، بما فى ذلك القوى الخارجية وموظفيها على الأرض.


...... إلى هنا وبدت “خطة السلام” التى تصيغها الدراسة، وقد ذهبت بعيدا جدا فى اتجاه ترسيخ التقاسم للأراضى ومناطق النفوذ العرقى والمذهبى وبأمر الواقع، فضلا عن اعتماد التواجد العسكرى المتنوع على كافة تلك المناطق التى صاغتها خرائط الصراع الدامي، وملامح تدويل الأزمة ظاهرة بقوة فى تفاصيل تلك الخطة والكلمات الدالة عليها تطل برأسها بوضوح لا يخفى عن العيون، ولأن الخطة تعلم يقينا أن هناك تعقيدات ومصاعب سياسية ستعترض هذا الطريق، رغم أن المدهش فى الأمر أن كثيرا جدا من تفاصيل تلك الخطة تم إنجازه على الأرض، بأيادى أطراف الأزمة وهم سائرون على درب الوصول إلى محطتها النهائية، وعن هذا سنستكمل استعراض تلك الخطة الأمريكية المتكاملة فى الأسبوع القادم إن شاء الله.