الغزل السياسى الرفيع بين الإخوان وشيعة إيران: سلامٌ حيناً وخصامٌ حيناً آخر

03/11/2016 - 9:05:43

  مرسى ونجاد.. عناق التطرف السنى والشيعى مرسى ونجاد.. عناق التطرف السنى والشيعى

بقلم : ثروت الخرباوى

نفهم أن يتهادى الناس، فالهدايا تقرّب القلوب وتؤلف النفوس وتزيد الود وهى مجلبة للخير، ونفهم أن يتهادى الناس من أموالهم وبأموالهم، فهذا هو البديهي، وكما يقول الشاعر إن الهدية تهدى على مقدار هاديها، ولكننا لا نفهم أن تكون الهدية التى تهدى هى تفريط فى الدين وتبديل فى العقيدة، ولكن كل شيء فى عالم السياسة مباح، حتى اللعب بالدين»


وقد كان اللعب بالدين هو اللعبة المفضلة للإخوان فى كل عصورهم، يلعبون بها من أجل مصالحهم وأحيانا من أجل مصالح غيرهم، ولذلك كانت المباراة السياسية التى يلعبونها مع شيعة إيران من أشهر مبارياتهم طوال تاريخهم، ولذلك تراهم يعقدون حاليا علاقات وثيقة مع الحوثيين فى اليمن، يدعمونهم، ويؤازرونهم، ويعقدون معهم الصفقات، وكانوا من قبل يتباهون بعلاقاتهم القوية مع حزب الله فى لبنان وصاحبه حسن نصر الله، حتى إن مرشدهم السابق مهدى عاكف وعد عام ٢٠٠٧ بإرسال عشرة آلاف مقاتل إخوانى للقتال مع حزب الله فى جنوب لبنان، وكانت قناة المنار اللبنانية الشيعية قبلة لرموز الإخوان فى بداية الألفية الحالية، إلا أن الأمر يستعصى على الفهم أحيانا عندما نرى الإخوان فى ذات الوقت يعقدون صفقات مع الدواعش فى العراق ضد الشيعة، ثم يعقدون أيضا صفقات مع جيوش الإرهاب التى ترفع راية السنة فى سوريا ضد الجيش السورى النظامى الرسمى الذى يمثل الدولة السورية، يفعلون ذلك وهم يعلنون لأنصارهم أنهم يفعلون ذلك من أجل الانتصار للسنة ضد الشيعة العلويين، ولكن لك أن تترك دهشتك عند نهاية هذا المقال عندما تعلم أنهم إنما يتحركون سياسيا ودينيا و»جهاديا» بأوامر من المخابرات البريطانية التى معها مفتاحهم، وتملك «الريموت كنترول» الذى يحركهم، ولكن كيف كان ذلك؟.


فلنعد إلى عصر شيخهم المؤسس حسن البنا، الذى قدم للشيعة ـ بأوامر بريطانية ـ هدية هى الأقيم عبر تاريخهم، حيث ساعدهم فى إنشاء دار لتقريب السنة إليهم فى مصر، وفتح الأبواب لهم من خلال هذه الدار، فكان أن وافق الأزهر بعد سنوات من فتح هذه الدار!! لذلك فقد حصل حسن البنا على مكانة كبيرة عند الشيعة، مكانة سامقة لم يصل إليها أحد من أهل السنة فى عيون الشيعة، وحين أصبح آية الله الخمينى قائدا لإيران بعد الثورة بدعم وإدارة من المخابرات البريطانية بحث عن لقب سياسى لنفسه فلم يجد أفضل من لقب المرشد كشكل من أشكال رد الصنيع للبنا والإخوان، وكان اختياره لهذا اللقب بمثابة رسالة شكر للإخوان، وكأنه يقول لهم ولمؤسسهم البنا «نشكركم لحسن تعاونكم معنا» .


رد الشيعة الهدية للإخوان بأحسن منها، فقد سمحوا للإخوان بإنشاء تنظيم لهم فى إيران، وكان ذلك بتوجيه من المخابرات البريطانية أيضا، حيث كانت تقوم بالتوفيق بين الطرفين، وترتب لهما وسيلة التعاون، وقد ذكر ذلك الكاتب البريطانى مارك كيرتس فى أحد كتبه التى تكشف سيطرة المخابرات البريطانية على شيعة إيران من ناحية، والإخوان من ناحية أخرى، وكان من دلائل التعاون الوثيق بين الطرفين أن قام شيعة إيران بفرض كتب سيد قطب الإخوانى على المناهج الدراسية لطلبة الحرس الثورى فيما يتعلق بدروس العقيدة، وأصدروا التصريحات المتتالية التى تحمل قدرا كبيرا من العرفان لجماعة الإخوان، بيد أنهم لم يكتفوا بهذا فالود المتبادل يحتم عليهم استمرار الغزل، والأيام تجرى بينهما بالماء العذب الفرات، والدنيا تفتح لهم أبواب الحكم، والحكم له ضروراته، وتوابعه، وتنازلاته، وزلاته، لذلك قامت إيران الرسمية بتوجيه الشكر لحسن البنا، عبر أحد دبلوماسييها الكبار، لم يكن هذا الدبلوماسى ممثلا لنفسه حين قدم آيات العرفان للبنا، ولكنه كان يمثل شيعة إيران، ففضلا عن أنه أحد كبار الدبلوماسيين هناك، إلا أنه كان أيضا أحد أكبر رجال الدين بها، وقبل أن ندخل إلى خطاب الشكر الذى كتبه هذا الدبلوماسى الشيعى الكبير والذى تنضح منه مشاعر الحب والتقدير، يجب أن نعرف من هو صاحب هذا الخطاب؟ وما هى مرجعيته؟ وما هى قصته؟.


هو «سيد هادى خسرو شاهي»  أحد كبار سفراء إيران فى العالم، كان منذ سنوات قليلة رئيسا لمكتب رعاية المصالح الإيرانية فى مصر، عاش فيها عدة سنوات وتقابل مع قيادات جماعة الإخوان ومرشدها مصطفى مشهور أكثر من مرة، ثم التقى بالمرشد السادس مأمون الهضيبى عدة مرات، كانت اللقاءات تتم أحيانا فى مقر جماعة الإخوان الذى كان كائنا آنذاك فى حى المنيل، إلا أن معظم اللقاءات كانت تجرى ليلا فى فيلا مملوكة لأحد قيادات الإخوان منشأة حديثا فى حى «التجمع الخامس»، لم يعلم أحد طبيعة هذه اللقاءات، أو ما الذى كان يتم فيها، وما هى الاتفاقات التى كانت تجرى بينهما على قدم وساق، إلا أن تصريحات الإخوان المتتالية المؤيدة لمواقف إيران السياسية كانت تكشف عن نجاح سيد هادى خسرو شاهى فى مساعيه الدبلوماسية.


عام ١٩٣٨ وفى مدينة تبريز عاصمة أزربيجان الشرقية ولد «هادى خسروشاهي» لأب من رجال الدين، شبّ خسرو عن الطوق فى مدينة ذات تاريخ تحيط بها من جهة الجنوب جبال لها طبيعة خاصة، تكسوها الثلوج طوال العام، كانت عائلته تتشكل من نخبة من رجال الدين الشيعة، وهى تنحدر من أولئك الصفويين الذين نصبوا المذابح لأهل السنة فى إيران كى يجبروهم على الدخول إلى طوائف الشيعة، يقول ياقوت الحموى فى كتابه المعروف معجم البلدان عن مدينة تبريز ( تبريزُ: هى أشهَرُ مدُن أذربيجان وهى مدينة عامرة حسناء ذات أسوار محكمة بالآجر والجص وفى وسطها عدة أنهار جارية والبساتين محيطة بها والفواكه بها رخيصة وعمارتها بالآجر الأحمر المنقوش والجص على غاية الإحكام، وكانت تبريز قرية حتى نزلها الرواد الأزدى المتغلب على أذربيجان فى أيام المتوكل، ثم أن الوجناء بن الرواد بَنَى بها هو وإخوته قصوراً وحصنها بسور فنزلها الناس معه، ويعمل فيها من الثياب والنسج ما يحمل إلى سائر البلاد شرقأ وغرباَ، ومر بها التتر لما خربوا البلاد فى سنة ٦١٨ فصالحهم أهلها ببذول بذلوها لهم فنجَت من أيديهم وعصمها الله منهم).


ومن أسف فإن تبريز مدينة خسرو شاهى كانت من أوائل المدن الإيرانية التى وقعت فى يد الصفويين فأعملوا فيها القتل والذبح حتى يجبروا أهلها على «لعن أسيادنا عمر بن الخطاب وأبو بكر الصديق وعثمان بن عفان» بالإضافة إلى أمنا «السيدة عائشة رضى الله عنها « .


ومن عجب أن هذه المدينة فتحت أبوابها للصفويين عن حسن نية ودون قتال، بحسب أنهم ظنوا أن الصفويين من المسلمين، وكان عدد سكان تبريز وقتها يبلغ مائتى ألف كلهم من أهل السنة، يتكلمون باللهجة «الأذرية» التى هى إحدى اللهجات الفارسية القديمة، وحين دخل الشاه إسماعيل الصفوى الجامع الكبير بالبلد وصعد إلى المنبر، وجيوشه تحيط بالمكان وتعج فى الجامع بسيوفهم المشرعة، إذا به يطلب من المسلمين المصلين أهل السنة أن يتركوا ما هم عليه ويتبرأوا من أهل السنة، ويدخلوا إلى الطوائف الشيعية ، ولكن المسلمين بالمسجد هالهم الأمر، واستقبحوا هذا الفعل، إلا أن أتباع  الشاه إسماعيل الصفوى الواقف على المنبر محتميا بجنوده وجبروته بادروا بلعن الصحابة والسيدة عائشة جهرة وبأصوات منكرة، فوضع أهل المدينة أصابعهم فى آذانهم حتى لا يسمعوا هذا اللعن القبيح، وعندما أراد عدد من كبار العلماء الخروج من الجامع احتجاجا على هذا المروق من الدين فإذا برجال اسماعيل الصفوى يعملون القتل فيهم، وأصبح الجامع موضعا، لا للصلاة، ولكن لمذبحة كبيرة ظل التاريخ يذكرها حتى الآن، وفى اليوم التالى استمر القتل حتى قـُتل أكثر من عشرين ألف مسلم سني، ومن بعد ومن خلال أعمال التنكيل أصبحت مدينة تبريز شيعية، واستطاع الصفويون قهر أهل السنة فى إيران كلها وتحويلها إلى دولة شيعية.


فى تلك المدينة كانت أيام هادى خسرو شاهي، شهدته شوارعها وهو يحث الخطى ذاهبا إلى دروس العلم، يتلقاها من المراجع الشيعية الكبار، وشهدت جبالها رحلاته إليها؛ إذ كان عاشقا للتسلق وكأنه يضع لنفسه تاريخا سيكون ذات يوم، سيظل هذا الرجل مثابرا على عقيدته مدافعا عنها، منافحا عن أولئك الذين وقفوا مع شيعته، وكأنه يتسلق جبلا يبتغى من خلاله الوصول بالشيعة إلى قمة العالم .


كان خسرو يرتدى منذ شبابه الأول عمامة سوداء، وللعمامة السوداء رمزية لدى الشيعة، فمن يرتديها إنما يشير إلى أنه أحد أحفاد سيدنا على بن أبى طالب، ولذلك فإن كل واحد منهم أيضا كان يـُلقب بالسيد مثلما يتلقب أهل السنة من أحفاد الرسول صلى الله عليه وسلم بـ «الشريف»، ومن أجل هذا أيضا ظل لقب السيد هو اللقب الملازم لهادى خسرو حتى الآن؛ إذ لم يقبل استبداله بأى لقب آخر من تلكم الألقاب التى تمنح لمن يشغلون مواقع سياسية أو تنفيذية،   فإذا ما أصبح أحد أحفاد سيدنا على من الشيعة ـ رجلا من رجال الدين  كان له آنذاك أن يضع على رأسه عمامة سوداء كى يعلن عن نسبه الذى ينتمى إليه، أما باقى رجال الدين الذين لا يحظون بهذا النسب فإنهم يضعون على رءوسهم عمامة بيضاء .


وفى غضون عام ٢٠٠١ جاء هادى خسرو إلى مصر كى يعمل رئيسا لمكتب رعاية المصالح الإيرانية، ولكنه لم يبدل ثيابه، ولم يرتد الملابس الأفرنجية، بل ظل بزيه الشهير الذى لا يرتديه إلا رجال الدين الشيعة من أحفاد سيدنا علي، وكانت العمامة  السوداء هى العمامة التى اشتهر بها خسرو فى مصر حتى بات يعرف بين المثقفين ورجال السياسة بالرجل صاحب العمامة السوداء .


تأثر خسرو شاهى بشخصية «جمال الدين الشيعي» الشهير بالأفغاني، ودرس حياته وكتب عنه، بل ظل أكثر من خمسين عاما وهو يجمع آثار الأفغانى الفكرية والحركية مثل مجلة العروة الوثقى والرسائل والكتب والمقالات، واستطاع خسرو شاهى فى النهاية أن يصدر من القاهرة عام ٢٠٠٢ موسوعته الكبيرة التى اشتملت على تسعة أجزاء فى سبعة مجلدات بعنوان «الآثار الكاملة للسيد جمال الدين الحسينى الأفغانى «، وفى ذات الوقت ظهر تأثر خسرو شاهى بتقى الدين القمي، الذى أنشأ مع حسن البنا دارا لتقريب السنة من الشيعة، وجد خسرو أنه يجب أن يكمل المسيرة، فها هى الفرصة سانحة، فالأصدقاء يمدون أيديهم، وبعض الإخوان ترك المذاهب السنية والتحق بالشيعة دينا ومذهبا، فها هو أحد أقطاب الإخوان القدماء المستشار الدمرداش زكى العقالى الذى كان متيما بحسن البنا وتاريخه، ها هو يصبح شيعيا كبيرا له تقديره فى المجتمع الإيراني، بل يصبح المسئول الأكبر عن شيعة مصر، ومن بعده الدكتور أحمد راسم النفيس الذى ظل ولا يزال يمارس نشر العقائد الشيعية فى مصر بدأب وإصرار كبيرين، وأحمد راسم النفيس لم يكن واحدا عاديا من عوام المسلمين، ولكنه كان من زعماء طلبة الإخوان المسلمين فى الجامعة فى السبعينيات من القرن العشرين، ومع فريق من الشيعة المصريين من أصحاب الجذور الإخوانية كانت هناك جماعة الإخوان الأم التى كانت تمارس أنشطتها بشكل مستمر رغم التضييق الأمنى والسياسى فى بعض الأحيان، واللقاءات المحرمة تتم ليلا فى التجمع الخامس الذى كان منطقة نائية وقتئذ، وفى أذهان الجميع دار التقريب التى يراهنون على أنها ستؤتى ثمارها، ولن يجنى الشيعة هذه الثمار إلا بالتوافق مع الإخوان والاتفاق معهم، فهم حلفاء الأمس وما زال الحلف قائما بينهما .


 ومن أجل مسيرة « التقريب « أو بمعنى أصح « التمييع « أصدر خسرو شاهى وهو فى القاهرة كتابين عن عقيدة الشيعة، ثم نشر كتابا لأستاذه الشيعى «آية الله ناصر مكارم الشيرازي»، وهو كتاب يرفع من قدر عقيدة الشيعة الإمامية، ويجعلها أنسب العقائد للمسلمين، وقد كتب خسرو شاهى مقدمة لهذا الكتاب عبر فيها عن فكره وطريقته؛ إذ قال فى المقدمة إنه يرجو أن يكسر هذا الكتاب الحواجز النفسية والعقلية بين السنة والشيعة، كان خسرو فى مقدمته يتمنى أن يتقبل أهل السنة عقيدة الشيعة الإمامية الإثنى عشرية قبولا حسنا، ولكى يثبت خسرو للإخوان أن الشيعة يضعون حسن البنا فى منزلة عليا، فقد قام بترجمة الكتاب الشهير لريتشارد ميشيل «تاريخ جمعية الإخوان المسلمين من البداية إلی الآن» إلى اللغة الفارسية، وقد ظل خسرو عاكفا على هذه الترجمة عدة سنوات ، كما كتب كتابا عن البنا بالفارسية تحت عنوان «الإخوان المسلمون أكبر حركة اسلامية معاصرة «؛ حيث اعتبر فى كتابه هذا أن جماعة الإخوان هى أنضج حركة سنية عبر التاريخ، وأعطاها مقاما كبيرا بسبب أن البنا ساهم فى إنشاء دار التقريب مع تقى الدين القمى !!.


نستطيع القول إذن إن هادى خسرو شاهى هو الامتداد الشيعى لمحمد تقى الدين القمي، هو من وضع بصمة جديدة لكى تستمر دار التقريب فى فاعلياتها، من أجل هذا جاء خسرو إلى مصر عام ٢٠٠١ وظل بها ثلاث سنوات؛ حيث أتم كامل الاتفاقات مع جماعة الإخوان كى تستكمل مسيرة التقريب، ولكن أى تقريب هذا الذى يرجونه، هل تقريب الشيعة من السنة، هل ساروا قدما فى التوقف عن سب الصحابة، هل تركوا القول بعصمة الأئمة ؟ مسيرة التقريب التى بدأها حسن البنا مع تقى القمى كانت تسير فى اتجاه واحد، اتجاه إلى إيران، أما الطريق إلى مصر ونجد والحجاز فمسدود، هذا طريق من طرف واحد، والطرق ذات المسار الواحد هى دائما طرق لا تعرف قبول الآخر .


وفى عام ٢٠٠٦ كانت قد مرت مائة عام على مولد حسن البنا، لم يفوت قائد التقريب الجديد الفرصة، بل جعلها مناسَبة مناسِبة لإعادة زرع فكر التقريب ذى الاتجاه الواحد، فرصة لكى يستمر إخوان البنا فى الاقتراب من شيعة الخميني، آنذاك كتب هادى خسرو شاهى دراسة طويلة عن حسن البنا وعلاقته بالشيعة، لم يكتب خسرو هذه الدراسة بحسبه واحدا من المثقفين أو المهتمين بالحركة الإسلامية، ولكن صفته وقتها كرئيس لمركز البحوث الاسلامية ومستشار وزير الخارجية الإيرانية كانت حاضرة بقوة فى الدراسة التى كانت عبارة عن غزل سياسى رفيع .


وكان مما قاله خسرو عن حسن البنا :


ميلاد النور


تفصل بين ولادة الشيخ حسن البنا حتى يوم استشهاده (١٩٠٦- ١٩٤٩) أربعة وأربعون عاماً من الجهود والعمل والجهاد والحياة الصاخبة والمثمرة، وقد دخل الشيخ البنا المعترك السياسى والمجتمع، وهو يحمل نفسية «صوفية جهادية» وعند تشرفه بالشهادة خرج هذا المجاهد البطل من مسرح الحياة حسب الظاهر، لكن التأثير المعنوى والثقافى الذى تركه فى العالم الاسلامى والعربى مازال باقياً، ويشكل تراثه الفكرى مناراً للإخوان المسلمين. كان الشيخ حسن البنا الذى ينبغى اعتباره بحق أحد الدعاة من أهل القبلة فى عصرنا النموذج النادر القادة السياسيين والمفكرين الدينيين الذين لم يألفوا التعب والملل فى نشر وترويج الفكر الإسلامى ومعارفه.


وكان الشيخ حسن البنا مصلحاً اجتماعياً وزعيماً دينياً، وكان يشكل محوراً لفكر وحركة مختلف الفئات والأطياف فى المجتمعات الإسلامية والعربية، وقد أسس فى فترة زمنية قصيرة منظمة ومؤسسة إسلامية مازالت تعتبر عاملا رئيسيا ومؤثراً فى التيارات السياسية والفكرية فى العالم الإسلامى والعربى ... المنظمة التى مازالت تعتبر عنصراً جديراً بالاهتمام فى المعادلات السياسية فى مصر».


واستطرد خسرو فى دراسته متعرضا لجوانب كثيرة؛ إلا أنه حين بدأ فى دراسته بعبارة مولد النور أدركت أنه سيتحدث عن الملاك حسن البنا، وليس عن الإنسان حسن إبن ذلك الرجل الطيب الذى يعمل فى تصليح الساعات، وقد استمد خسرو معظم دراسته من كتابه الذى كتبه عن البنا، ثم من كتاب ريتشارد ميشيل، وبغض النظر عن بعض الأخطاء التاريخية التى تناولها خسرو فى دراسته مثل الإشارة إلى أن البنا كان مدرسا للغة العربية، فى حين أنه كان مدرسا للخط العربي؛ إذ إن مؤهله المتوسط لم يؤهله إلا لتدريس الخط فقط، ثم بالغ خسرو فى بحثه فى دور البنا فى حرب فلسطين؛ حتى إنه جعله البطل الأكبر لهذه الحرب، وأن المؤامرات انعقدت للخلاص من البنا ثأرا لمواقف جماعته البطولية فى الحرب، ويقول خسرو فى هذا الصدد عبارات غريبة لم يقلها أحد من قبل هى أن البنا (لم يألُ جهداً نحو تعبئة المسلمين والمجاهدين العرب فى هذا الجانب، وأخيراً ضحى بنفسه فى هذا السبيل المقدس) جعل خسرو من البنا ليس زعيما للإخوان ولكن زعيم لكل المجاهين العرب وأعطاه نيشانا تاريخيا؛ لأنه على حد زعمه هو الذى قام (بتعبئة المسلمين والمجاهدين العرب) للجهاد فى فلسطين ضد اليهود !! وكأن الأمة كلها لم تكن تعرف إلا حسن البنا أو كأنها سلمته قيادها، هذه المبالغة الممجوجة لا يعرفها إلا من كانت لديه عقلية جبلت على المبالغة، وهذا هو نهج الشيعة الذين تعودوا على تقديس أئمتهم وجعلهم فى منزلة أعلى من باقى البشر، وللعلم فإن الكتائب التى أرسلها البنا إلى فلسطين لم تذهب إلا لغزة وخان يونس ولم تدخل إلى العمق الذى كانت الحرب فيه على أشدها؛ إذ إن الذى قاتل قتالا حقيقيا من المتطوعين هم كتائب «أحمد حسين» صاحب جمعية مصر الفتاة، ولكن دعايات الإخوان أعطت لجماعتهم الدور الريادى على غير الحقيقة !! .


والآن لا تزال العلاقات بين الإخوان والشيعة سارية على قدم وساق، تتواصل معها فى العلن تارة حين يقتضى القرار البريطانى ذلك، وتتخاصم معها فى العلن تارة أخرى حين يكون من لزوميات القرار البريطانى إعلان هذه الخصومة أو تفعيلها، وكل شيء يتم بالاتفاق، ففى عالم السياسة، ووسط قوى الشر العالمية كما يكون السلام باتفاق، تكون الحرب والخصومة أيضا باتفاق، وكله على حساب صاحب المحل المخابرات البريطانية سيدة مخابرات العالم الغربي.