الأزمة بين مصر والسعودية

03/11/2016 - 9:00:06

بقلم - د. أنور عشقى رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية والقانونية

كثيرون هم الذين لا يدركون المتغيرات على الساحة الاجتماعية، نتيجة للتغير والتقدم الذى حصل في وسائل الاتصال الذي ترك آثاره على التواصل بين الأفراد والمجتمعات، فالمعرفة أصبحت متاحة للجميع، والتعبير أصبح من حق كل إنسان، وهذا الواقع الذي أصبحنا نعيشه، جعل من الشخصيات العامة والرسمية موضعاً للانتقاد وميدانا للتحليل فحققت ارتباطاً بين وسائل التواصل الاجتماعى والإعلام الفضائى، وفاقم من المشاكل وتلاطمت الآراء واختلفت الرؤى.


فالعلاقة بين مصر والسعودية بنيت على اثنين من المستويات، علاقة استراتيجية تقوم على حماية الأمن القومى العربى وأصبحت هدفا استراتيجيا لكلا الدولتين، وهو ما أكد عليه الرئيس عبد الفتاح السيسى والملك عبد الله رحمه الله، مما يبين رسوخ العلاقة بين البلدين، وهذه العلاقة هى ما جعلت الملك عبد الله يدعم ثورة ٣٠ يونيه، ويعلن أن العلاقة السعودية مع دول العالم تقوم على علاقتها مع مصر، قال ذلك عندما أدرك أن دولا أوربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، اتخذت موقفاً سلبياً من الثورة المصرية وسافر وقتها الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية إلى أوربا، ويبين لهذه الدول بأن موقف المملكة مع مصر هو موقف مصيرى.


وجاء الملك سلمان بن عبد العزيز ولم تتغير العلاقة، لكن المواقف هىّ التى تغيرت، فمصر أخذت تستقر أمنيا وسياسيا واقتصاديا، والرئيس عبد الفتاح السيسى أحدث تطوراً أشبه بالإعجاز بفضل الله وفضل الشعب المصرى الذي تضامن معه، في توسيع وتطوير قناة السويس، ونشر آلاف الكيلومترات من الطرق السريعة، وشيد مدناً ومصانع ومؤسسات، لكن طموحات الشعب المصرى كانت أكبر من الإمكانات المتوفرة لدى القيادة الحكيمة.


كل ذلك يتطلب توازنا في العلاقات الدولية، فمصر في سياستها في هذا العهد، لا ترغب في معاداة أى دولة من دول العالم، لكن عدوها الأول هو الإرهاب ومن يقف وراءه، ومصر لها شخصيتها المستقلة، وظروفها الخاصة، ومع هذا فإن العلاقات السعودية المصرية، تسير في أفضل حالاتها، لكن هناك بعض الدول والمنظمات تسعى إلى تصديع هذه العلاقات عن طريق التشكيك في النوايا.


انساق وراء هذا التشكيك بعض وسائل الإعلام من الطرفين، والكثير من وسائل التواصل الاجتماعى، وانطلقت من كلا الطرفين تعبيرات مدفوعة بالعاطفة والأهواء، وحيدت العقل والبصيرة، وأخذت تتلقف كل تصريح يصدر من أى مسئول فتحمله أكثر مما يستحق.


فإذا افترضنا أن العلاقة الاستراتيجية بين الدولتين ثابتة، فإن العلاقة السياسية تختلف بحسب ظروف كل دولة، فمثلا موقف مصر مع سوريا نجد فيه أن السياسة المصرية ترى أن سقوط النظام في سوريا يفسح الطريق للإرهاب، والتنظيمات المعادية لمصر سوف تصل إلى سدة الحكم، أما المملكة العربية السعودية فترى أن لقاء الأسد ونظامه يمكِّن إيران من التغلغل في العالم العربى وهذا يضر بالأمن القومى، لهذا نجد أن هناك اختلافاً بين مصر والسعودية في وجهة النظر وليس خلافا في النفوس والأهداف الاستراتيجية، لأن طرق الوصول إلى الهدف الاستراتيجي بين الدولتين لم تتعدل وتتباين، فمصر اتخذت لنفسها طريقاً يتواءم مع ظروفها وخصوصياتها، والمملكة العربية السعودية اتخذت لنفسها طريقاً آخر يتماشى مع ظروفها وخصوصياتها، فإذا التقى القادة أو السياسيون بين الدولتين وناقشوا القضايا فإن كلاً منهم يتفهم موقف الآخر ويقدره ويحترمه وهذا ما حدث بين الدولتين.


ومن الأمور التى فسرت بغير معناها، هو ما صرح به المندوب الدائم السعودى في الأمم المتحدة عبد الله المعلمى، بسب موقف مصر الذي صوت مع القرار بين الفرنسي والروسي في مجلس الأمن، حيال القضية السورية، وقد فسرت مصر ذلك بأنها لا تريد أن تغضب دولتين كبيرتين في مجلس الأمن، وأن مصر أيدت الحل السلمى الذي ورد في المبادرتين.


كما فسر تصريح الرئيس عبد الفتاح السيسى الذي قال فيه بأن مصر لا تركع لأحد، فاعتقد البعض أنه يقصد بها المملكة، لكن الحقيقة تجلت فيما بعد بأنها كانت بيانا عاماً، ثم أوضح الرئيس عبد الفتاح السيسى العلاقة بين مصر والمملكة ولم يترك للشك مكانا، خصوصا أنه فسر إيقاف الإمدادات النفطية بأنها تخضع لبرنامج متفق عليه وليس إجراءاً عقابيا، لأن الأصدقاء لا يعاقبون بعضهم . أما ما صدر من الأستاذ إياد مدني الوزير السابق وأمين عام منظمة التعاون الإسلامى، فلو لم أعرفه حق المعرفة لقلت بأنه يسخر، فهو صديق وهو ابن بار من أبناء المدينة المنورة، لكن الارتباك هو الذي جعله يحول الخطأ في اللفظ إلى مزحة لم يكن يدرك بأنها قد تؤخذ بغير معناها.


ففى مؤتمر وزراء التعليم في تونس، خلط بين الاسمين السبسي والسيسى وهذا الخطأ وارد وقد يقع فيه كل إنسان، لكنه أراد أن يصحح الخطأ وأن يعتذر وأقر بأن الفرق بين الاسمين واضح، ثم ألحقها بمزحة قال فيه (هذا خطأ فاحش أنا متأكد أن ثلاجتكم فيها أكثر من الماء يا فخامة الرئيس).


فمن أخذ هذه الكلمة على محمل الدعابة لا يجد فيها شيئا، فالرئيس عبد الفتاح عندما تكلم أمام الشباب كان يعرفهم كيف صبر ونال، وعليهم أن يصبروا ونحن العسكريين تمر علينا ظروف معينة وخاصة في المناورات حيث نعتمد على (المطارة) التي تحمل الماء ليس فيها إلا ما يعادل كوبين لمدة ٢٤ ساعة، لهذا نحن العسكريين نؤكد على ما قاله الرئيس عبد الفتاح خصوصا إذا انتقل إلى الوحدات الأمامية أو إن عاش في ظروف من قلة الدخل.


أما كلمات الأستاذ إياد فقد أخذت على محمل آخر أى أنها سخرية، لأنها جاءت في ظروف تمر بها العلاقات السعودية المصرية برياح من التشكيك، نفخ فيها أعداء الطرفين، ولو كان الموقف بين السعودية ومصر ذات الموقف مع تونس، لأخذ التونسيون ما قاله الأستاذ إياد على محمل آخر، لأنه قال إن ثلاجتكم فيها أكثر من الماء طوال عشر سنوات، ومكان التشكيك كان أكبر وأعظم.


لكن ما أوضحه الأستاذ إياد مدني في البيان الصحفي من أنه يحترم الرئيس المصرى عبد الفتاح السيسى ويكن له كل التقدير والاحترام كقائد عربي محنك يقود دولة عريقة تحتل مكانة كبيرة في قلب كل عربي ومسلم.


وإنى لأصدق ما قاله الأستاذ إياد فما قاله ليس على سبيل الاعتذار والمداهنة، بل هو يعتقده صدقاً وقبل شهرين التقينا في مكتبة وكان يثني على مواقف الرئيس عبد الفتاح السيسى ويؤيده في مواقفه النبيلة.


إن الأمة العربية تمر بمرحلة حرجة وعلينا أن نتضامن وأن نعذر بعضنا بعضا، وألا نترك للشيطان أن يفرق بيننا، وأسأل الله أن ينصر مصر الشقيقة وأن تظل رمزا للأمة العربية والإسلامية، ولا يوجد عربى أو مسلم حر، ينكر مقامها وأهميتها، فهىّ كنانة العرب وقد حباها الله بقائد استطاع أن يسير بالسفينة وسط العواصف والتيارات، وسوف يذكر له التاريخ هذه المواقف النبيلة خصوصاً أنه يتمتع بكثير من النزاهة وبعد النظر.