المصالحة مع الإخوان بين المناورات والمبادرات

02/11/2016 - 3:14:31

بقلم: أحمد بان

أطلقت تصريحات نسبت للسيد الرئيس عبدالفتاح السيسى على هامش جلسات مؤتمر الشباب المنعقد بشرم الشيخ، أحاديث متجددة حول المصالحة مع جماعة الإخوان حيث صرح سيادته أنه أتاح العديد من الفرص لعقد مصالحة مع الإخوان،والتى بدأت مع بيان ٣ يوليو ٢٠١٣ والذى كان متزنا للغاية ودعا إلى التعايش وبدء دورة سياسية جديدة،ليقول الشعب كلمته، لكن الإخوان رفضوا هذا العرض واختاروا طريق العنف ومحاولة هدم الدولة.


بالفعل كان لدى الإخوان فرصة أن يكونوا جزءا من بنيان سياسى سليم. ينهى حالة الثنائية التى حكمت مصر بين استبداد وفساد يتسمى باسم الحزب الوطنى، ويمين دينى لم يعرف أبدا تصورا صحيحا لدولة وطنية ظل يحاول خداعها بتقية سياسية على أمل تغيير هويتها وبنيتها،توسلا بالعمل السياسى على منطق ميكافيلى الغاية تبرر الوسيلة.


أدمن الإخوان تلك الثنائية وسعوا لتأبيدها فى حكم مصر،وتصوروا أن الفرصة قد حانت ليتداولوا هم الحكم لعقود قادمة وهيأوا أنفسهم لذلك،ومن ثم استسلموا لوهم القدرة على الحشد وأنهم التيار السياسى الأقوى،الأقدر على فرض منطقه وكلمته ورؤيته للواقع والقدرة على تخطيط الملعب على مقاسهم وحدهم،فى ظل واقع ضعف الأحزاب السياسية وعدم قدرتها على الحشد وعدم امتلاكها ماكينة انتخابية مكافئة لما يملكون،وبالتالى أصروا هم على أن يمضوا فى طريقهم الذى بدأوه بالإعلان الدستورى،مراهنين على قدراتهم فى الحشد وإعطاء قراراتهم السلطوية مظلة شعبية كاذبة لاتعبر سوى عن جمهور أعضائهم، ومن ثم تحركت الجموع لتحاصر المحكمة الدستورية، وتحركت جموع أخرى لترهب الإعلام وتحركت جموع ثالثة، لتحاول إرهاب جيش وطنى لايخاف، وليس من عقيدته الخوف عبر تاريخه، مضت خطة الإخوان مراهنة على حشود وزعتها فى ساحات القضاء والإعلام والجيش،لتحاول فرض كلمتها على الشعب المصرى والمؤسسات التى لم تقبل أبدا بهم.


هل تضييع الإخوان لتلك الفرصة كان موقفا نادرا غير متكرر فى تاريخهم؟ التاريخ يقول لنا إنهم أبطال الفرص الضائعة وملوك الخيارات البائسة.


ففى العام ١٩٥٣ وبعد نجاح المشاهد الأولى لثورة يوليو ١٩٥٢، التى شاركوا فيها على استحياء وتردد فى البداية قبل أن يعتبروا أنفسهم لاحقا أبطالها الحقيقيين،أطلق جمال عبدالناصر هيئة التحرير لتكون الحاضنة السياسية للثورة والظهير الشعبى لمشروعها فى التغيير،نحو جمهورية العدل والكفاية والرخاء،وبعد حل كل الأحزاب السياسية لم تحل جماعة الإخوان أكبر الأحزاب السياسية وقتها،ولم يتم عزل أى من أعضائها أو قيادتها سياسيا،بل ظلوا موفورى الحقوق بل وأصحاب ميزة نسبية فى الحركة، فهل أحسن الإخوان الاستفادة من تلك الفرصة وقرروا أن يكونوا هم عماد هذا البنيان السياسى الجديد،الذى كان قطيعة مع العهود السابقة التى عكست احتكار الثروة واحتكار السلطة، لتصل إلى ممثلين من قلب الشعب،هل قدر الإخوان أنهم الكيان السياسى الأكبر على تشكيل توجهات هيئة التحرير وحراسة الثورة، وبناء نموذج سياسى متفرد عماده الصالح الوطنى وتحشيد الناس لتواجه الدنيا التى تعادى أى مشروع تحرر ناشىء وتحاول تغيير قواعد اللعبة الدولية،التى كان يقرر معادلاتها الاستعمار القديم والجديد، هل سعت الجماعة أن تندمج فى هيئة التحرير؟ وتبنى كوادر سياسية وطنية تصمد للمعارك التى ستنطلق بعد ذلك بسنوات معدودة؟ والتى كان من أهم مشاهدها العدوان الثلاثى على مصر الناشئة ومشروعها الثورى.


هل رص الإخوان الصفوف ومتنوا البناء السياسى لهيئة التحرير؟ لتكون أكبر هيئة شعبية تحل محل الأحزاب، وتكون ظهيرا سياسيا قويا يعبئ الجماهير وينشر الوعى الثورى، ويعد الشعب لمعركة ممتدة مع الغرب والرجعية لتحتل مصر مكانها الطبيعى المستحق،خصوصا وأن الواقع لم يكن يمنحنا بعد فرصة التنافس السياسى الطبيعى وتداول السلطة،بين قوى مؤهلة فى ظل مجتمع الخمسة بالمائة التى حصلت على كل شىء. والغالبية الكاسحة التى لاتملك أى شىء،عن أى ديمقراطية كان الإخوان يتحدثون ومصر ترزح فى الفقر والجهل، والتآمر على وجودها ومشروعها الوطنى يجرى ليل نهار، وعن أى شريعة كان الإخوان يتحدثون والحدود فى الإسلام يعطلها الفقر الذى أمسك بخناق الجميع دون تفرقة، إلا من أقلية صغيرة تمتعت بكل شىء وامتلكت كل شىء.


هل أدرك الإخوان أن هذا الواقع يحتاج إلى إصلاح اجتماعى وثقافى واقتصادى، يمهد لإصلاح سياسى وليس العكس،حتى الثورة لاتنجح فى بلوغ أهدافها دون النجاح فى معركة الوعى،وهو ما انتبه له ناصر مبكرا فبنى هيئة التحرير، التى أراد لها أن تكون مظلة للجميع تعبئ طاقات الجميع وترص صفوف المصريين للدفاع عن ثورتهم الوليدة، ولكن من قال إن الإخوان» كانوا يريدون الثورة التى ترددوا فى تأييدها حتى أدركوا نجاحها، وهم الذين كان مرشدهم يقول « إن الإخوان المسلمين لايؤمنون بالثورة ولا يعتبرونها طريقة مثالية للتغيير، لكنهم يحذرون أنه إذا استمرت الأوضاع على ما هى عليه فستحدث ثورة ليست من صنع الإخوان « ولم تكن ثورة يوليو بالفعل من صنع الإخوان،وإن شارك بعضهم فى بعض مشاهدها وهو ما دفع ناصر لدعوتهم إلى أن يكونوا جزءا مهما فى مسيرتها ومن جنودها،لكنهم أبوا إلا أن يبدأوا موجة جديدة من موجات العمل السرى والعنف عبر النظام الخاص، الذى حاول اغتيال جمال عبدالناصر أكثر من مرة وفقا لاعترافات قيادات النظام الخاص فى أحاديثهم الخاصة، لم تكن حادثة المنشية فى ١٩٥٤ أول أو آخر محاولة اغتيال لجمال عبدالناصر، ومن ثم ظلت الجماعة تناقضا رئيسا مع مسيرة ثورة يوليو ومسيرة الدولة المصرية حتى وفاة عبدالناصر، الذى كان لوفاته وتولى السادات الفرصة التى أتاحت وجودا جديدا لجماعة الإخوان. التى لم تقرأ التاريخ وأعادت التصرف بنفس الطريقة التى كادت تنهى وجودها من الساحة المصرية،فقامت ببناء التنظيم السرى من جديد ثم استحدثت لونا جديدا من ألوان الحركة،ففى عهد حسن البنا كانت الجماعة قسمين: تنظيم مدنى كبير ينشط فى الدعوة والتربية والبر والعمل الاجتماعى،وتنظيم سرى ينشط فى العنف والتجسس لايعرفه أحد، فأختار الإخوان حين أعادهم النظام السياسى للوجود،أن يكونوا كلهم تنظيما سريا لايظهر سوى بعض رموزه،تماما كجبل الجليد لايظهر سوى رأسه فتصطدم به السفن لذا اصطدمت به سفينة مصر فى كل العصور بدء من عبدالناصر وإلى الآن.


خبرة التاريخ تقول إن الإخوان لايتعلمون من التجربة، ورغم أن الحديث النبوى الشريف يقول « لايلدغ المؤمن من جحر مرتين « فقد لدغوا من جحر واحد كل مرة، ولم يتخلوا أبدا عن الخلط بين الدعوة والسياسة. السرية والعلنية، العمل المدنى والعمل العسكرى، الدولة الوطنية والخلافة العابرة للحدود،وبعد كل ما جرى من تطورات فى المشهد السياسى وتورط الجماعة أو بعض أجنحتها فى العنف، عبر ما يسمى باللجان النوعية التى يحب الإخوان تسميتها بالخلايا الثورية، فإن دستور هذا البلد العظيم كرس بمواده قاعدة لتأمين سلم أهلى تحتاجه مصر فى ظل ما تواجهه من حصار ومؤامرات على مصيرها ومستقبلها، فى ظل طوفان من الفوضى اجتاح دولا مركزية فى المنطقة، تلك القاعدة هى قانون العدالة الانتقالية الذى لا يصح وصفه بمبادرة للصلح بين الدولة والجماعة. أو مؤامرة لتمكين الجماعة من العودة للحكم، أو البقاء فى المشهد السياسى كرقم صعب فى المعادلة.


سياق مصر تجاوز كل ذلك تجربة الإخوان عبر عام كانت كاشفة،وبددت ما تبقى من ثقة بعض القطاعات فيهم كبديل لنظام مبارك، حيث أبدوا فشلا أخلاقيا وسياسيا عجل بسقوطهم،قبل أى شىء آخر ومن ثم لم يعد هناك خوف من عودتهم للحكم،أو حتى البقاء كرقم مؤثر فى المعادلة السياسية.بشرط أن تتحقق شروط العدالة الانتقالية وفقا لما صرح به المستشار مجدى العجاتى وزير الشئون القانونية، عندما تحدث عن قانون العدالة الانتقالية وشروطه التى تضمنت مايلى :


نبذ العمل السرى والتمييز بين المواطنين، والاعتراف بالخطأ والتعهد بعدم تكراره فى المستقبل، الفصل بين الدعوى والسياسى، والفصل بين السياسى والوطنى،وبطبيعة الحال لاينجح ذلك كله إلا فى ظل إطلاق الحريات وتحسين ملف حقوق الإنسان، خصوصا مع حيازة مصر عضوية مجلس حقوق الإنسان فى الأمم المتحدة بالأمس القريب، وما يرتبط بذلك من الانحياز إلى دولة ٢٥ يناير، ومشروعها الذى تتكامل معه ٣٠ يونيه وتمضى على طريقه،هذا السياق هو الذى سيجعل العدالة الانتقالية ليست مناورات إخوانية ولا مبادرات لتمكين الإخوان، بل قوانين لتمكين مصر من قرارها وإشاعة سلم أهلى تحتاجه مصر فى ظل ما تواجهه من تحديات غير مسبوقة عبر تاريخها.