الديمقراطية الاقتصادية.. نقطة البداية الصحيحة

03/11/2016 - 8:38:57

بقلم: د. حسيـــن عيســـى

سألنى صديق عزيزعن مفهوم وأركان الديمقراطية الاقتصادية الذى ذكرتها فى إحدى المداخلات الفضائية ... وبدأ سؤاله لى مستنكراً المفهوم الذى يرى صعوبة تطبيقه بسبب مشاكل تطبيق الديمقراطية السياسية من ناحية، وضعف الوعى الاجتماعى والثقافى من ناحية أخرى.


والحقيقة أنه من خلال قراءاتى فى هذا الموضوع ... أرى أن تطبيق الديمقراطية الاقتصادية هى نقطة البداية الصحيحة لإصلاح وعلاج مشاكلنا الاقتصادية المزمنة على مدى عقود طويلة ... فهذا المفهوم يعنى ببساطة استطلاع رأى الشعب بمختلف فصائله ومجموعاته السياسية والاجتماعية فى مختلف السياسات والآليات الإقتصادية التى تعتزم أى حكومة تطبيقها لتحقيق الأهداف الإقتصادية الكلية المتفق عليها .. ويبنى هذا المفهوم على أربعة أركان أساسية وهى:


مبدأ المشاركة:


وهو يمثل أهم أركان مفهوم الديمقراطية الاقتصادية فمشاركة أصحاب المصالح والمستهدفين من تطبيق خطة أو أسلوب اقتصادى معين فى مناقشة وتحليل ودراسة هذه الخطة أو ذلك الأسلوب لهو أكبر ضمان للاقتناع به وجدية التطبيق وتحقيق النتائج المرجوة، وهناك مثال واضح لذلك فى الولايات المتحدة الأمريكية حيث ينتهزون فرصة وجود انتخابات رئاسية كل أربع سنوات ليتم أخذ رأى مواطنى الولاية فى عدد من المشروعات الاقتصادية التى سوف تتم داخل الولاية خلال هذه الفترة، كما يتم إستطلاع الرأى بشأن أسلوب تمويل هذه المشروعات.. فهل سيتم التمويل اعتماداًعلى المخصصات الفيدرالية أم الاعتماد على مخصصات الولاية، وقد يؤخذ الرأى على إصدار سندات طويلة الأجل بسعر فائدة معين، بحيث تخصص حصيلة طرح هذه السندات فى تمويل أحد هذه المشروعات مثل محطات الكهرباء أو الغاز أو الطرق، ويحصل حامل السند على فائدة سنوية أو نصف سنوية كما يحصل على أصل قيمة السنة فى نهاية فترة الاستحقاق، كما يستطيع بطبيعة الحال بيعه فى البورصة لمستثمر آخر قبل تاريخ الاستحقاق .


مبدأ الاطلاع على تجارب الدول الأخرى:


كيف يمكن للمواطن أن يبدى رأياً أو يطرح ملاحظة حول سياسة أو برنامج اقتصادى دون أن يلم بما يحدث فى دول أخرى سبقتنا فى مضمار التنمية و التقدم.. وهنا يقع على عاتق الحكومة أن تطرح السياسة أو البرنامج الاقتصادى مصحوباً بملخص لتجارب الدول المحيطة بنا، والتى تتشابه مع ظروفنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بحيث يتمكن المواطن من إبداء الرأى بناء على تحليل موضوعى ومقارنة سليمة, وأتذكر هنا تجربة مصر التنموية فى أواخر الخمسينيات وطوال الستينيات والتى تركزت حول تطبيق مفاهيم وسياسات وآليات اشتراكية معينة ولم نعرف وقتها ماذا يحدث فى دول أخرى متشابهة فى ظروفنا وإمكانياتنا وحدث تعتيم شبه كامل على تجارب تلك الدول وانطلقت الآلة الإعلامية تمجد وتشيد بما نطبقه وتبشر بالنتائج الموعودة, ولكننا اكتشفنا بعد فوات الآوان أن تلك الدول الآخرى والتى طبقت مفاهيم وسياسات وآليات مخالفة لما حدث فى التجربة المصرية قد حققت نتائج اقتصادية واجتماعية على الأرض لا يمكن مقارنتها بما حدث فى مصر .


مبدأ التوافق بين الأهداف العامة والخاصة:


هناك مبدأ إدارى شهير يقوم على أن الإدارة الناجحة هى التى تحقق التوازن والتوافق بين أهداف المنظمة من ناحية وأهداف العاملين بها من ناحية آخرى، بحيث لا يتحقق التعارض بين هذه الأهداف, وعندما تقوم إدارة أى مؤسسة بطرح سياسة أو إستراتيجية جديدة فعليها أن تقنع العاملين بأنه لا يوجد تعارض بين الأهداف الكلية للمؤسسة والأهداف الشخصية للعاملين بها .


وعلى المستوى الاقتصادى نجد أن الحكومة عندما تطرح سياسة اقتصادية جديدة عليها أن توضح وتفسر عدم وجود تعارض بين الأهداف العامة والخاصة ... مثال على ذلك قضية الحدين الأدنى والأقصى للأجور ... هناك أهداف عامة وراء تطبيق هذه السياسة وفى نفس الوقت من الممكن أن يزيد الحد الأقصى للأجور بنسب محددة إذا حققت المؤسسة تقدماً ملحوظاً فى مجال تحقيق أهدافها الإدارية والمالية والاقتصادية مما يعود بالزيادة على العاملين وبالتالى يحقق هدفاً شخصياً وهو زيادة الأجور والدخول للعاملين فى هذه المؤسسة، ونفس المبدأ يمكن تطبيقه فى قضية الدعم.. فالحكومة تطرح بدائل لتخفيض أو ترشيد الدعم وكذلك تطرح اختيارات ما بين الدعم العينى والنقدى وذلك بطبيعة الحال يساهم فى تحقيق أهداف اقتصادية كلية ... وفى نفس الوقت يجب إقناع المواطن بأن ترشيد الدعم سوف يؤدى إلى وصول الدعم إلى مستحقيه الأصليين ومن الممكن أن يؤدى إلى زيادة الدعم على المستوى الشخصى أو العائلى وليس إلى تخفيضه كما يظن البعض!.


مبدأ تكامل القطاعات الاقتصادية:


عندما يؤخذ رأى المواطن فى سياسة أو خطة اقتصادية يجب أن يتضح له ملامح التكامل بين القطاعات الاقتصادية المختلفة والتى سوف تساعد على تنفيذ هذه السياسة أو تلك الخطة ... وهذا التكامل لن يتحقق بدون أن يتم إعداد خطة إستراتيجية متكاملة لكل قطاع اقتصادى داخل الدولة (زراعة – صناعة – سياحة – مقاولات ...).


وتتضمن هذه الخطة النقاط التالية :


رؤية القطاع ورسالة القطاع والأهداف المطلوب تحقيقها ومستوى الأداء الحالى ومشاكله وتحليل الفجوة بين الأهداف المطلوب تحقيقها ومستوى الأداء الحالى.


وتحليل نقاط القوة والضعف للقطاع، وكذلك الفرص المتاحة والمخاطر والتهديدات المحيطة به محلياً وإقليمياً ودولياً واقتراح البدائل و الخطط الإستراتيجية اللازمة لتحقيق الأهداف مع تحليل وتقييم البدائل والخطط الإستراتيجية واختيار البديل أو حزمة من البدائل المناسبة وتنفيذ البديل وتقييم النتائج، ويلاحظ أن إعداد هذه الخطة الإستراتيجية لكل قطاع اقتصادى سوف يؤدى بالتبعية إلى إيضاح نقاط التماس والتشابك والتكامل بين القطاعات الاقتصادية المختلفة.


عرضت فى عجالة أركان تطبيق مفهوم الديمقراطية الاقتصادية وتبقى ملاحظات سريعة :


تطبيق الديمقراطية الاقتصادية يساعد كثيراً على تطبيق الديمقراطية السياسية وتجارب العديد من الدول أثبتت ذلك بوضوح شديد ... وهناك فرصة كبيرة للأحزاب المصرية الجديدة الصغيرة ذات الشعبية المحدودة أن تطبق أركان هذا المفهوم المهم من خلال اللقاءات المباشرة مع القواعد الشعبية مما يرسخ من مفهوم الديمقراطية لدى هذه الأحزاب أولاً وكذلك لدى قواعدها الجماهيرية، كما يمكن لعدد من هذه الأحزاب أن يتجمع فى كيان موحد أكبر ليتعامل مع قضية قومية مثل قضايا التعليم أو الصحة أو تشغيل الشباب أو المشروعات الصغيرة بحيث يتم تحليل أبعاد ومتغيرات هذه القضية والوصول إلى حلول متكاملة تشعر رجل الشارع بجهو وأداء هذه الأحزاب .


السياسات الاقتصادية ما هى إلا مجموعة من البدائل و الاختيارات ذات التكلفة والعائد ... وتطبيق الديمقراطية الاقتصادية سوف يساعد الجميع على اكتساب مهارات تحليل البدائل واختيار البديل المناسب فى ظل الظروف والمتغيرات المحيطة بنا.


أرجو أن يتبنى مجلس النواب المصرى هذا المفهوم وأن تنظم لجانه النوعية المختصة سلسلة من ورش العمل التى تهدف إلى الإيضاح والشرح والتحليل مع ذكر حالات وتجارب عملية تعمق المفاهيم وتشرح الغامض وذلك فى سبيل تحقيق أهداف إثراء العمل البرلمانى.


هذه دعوة صريحة ومخلصة لتبنى وتطبيق مفهوم الديمقراطية الاقتصادية الذى أتصور أنه سوف يحدث نقلة نوعية وحضارية وثقافية داخل المجتمع المصرى فى تطلعه نحو مستقبل أفضل .