رأس غارب وقنا وسوهاج وأسيوط تستقبل الشتاء بجثث السيول

02/11/2016 - 2:20:46

  رئيس الوزراء فى رأس غارب رئيس الوزراء فى رأس غارب

من المحافظات: صلاح البيلى - نور عبدالقادر - أحمد سعد جريو - محمود فوزى - معتز خفاجى - ندا عبداللاه

تلك هذه المدينة الواعدة أن تختفى من على خريطة البحر الأحمر، ومن على خريطة صعيد مصر كلها، تتلفح الآن بالسواد، ملقاه على فراش الموت، دون طعام أو شراب أو كهرباء، أما الحكومة فإنها سجلت غيابا فى يوم الامتحان.


ظلام دامس فى كل مكان، صرخات مدوية عالية انطلقت من صدور النساء الثكالى والأرامل، شعور بالضياع لن يشعر به سوى ثعابين وأفاع وعقارب وسحال تحركت فى مجرى السيول لتصل داخل البيوت، كارثة حقيقية بمعنى الكلمة، الموت يحاصرهم من جميع الاتجاهات، أطفال مفقودة، سيارات تجرى مع السيول لتصبح كومة من الخردة وتستقر فى ظهر بيت تحطمه.


استيقظت مدينة البترول رأس غارب يوم الجمعة الماضية على كابوس مخيف، راح ضحيته ١٣ من أبنائها، رمال تحركها السيول لتبتلع المدينة بأكملها، بينما الجثث تطفو فوق سطح الماء.


«المصور» التقت شهود عيان على المأساة المفجعة، من بينهم رغدة عبدالموجود، المقيمة فى رأس غارب بشارع الجنينة، وهى من أكثر المناطق المتضررة، قالت: «السيل دمر الدور الأرضى بالكامل، ولأن البيت يقع فى مجرى السيل، كانت السيارات التى يجرفها تصطدم بجدار البيت، مواسير الصرف تحطمت، الكهرباء انقطعت، الحياة كلها توقفت تماما، غادرنا المنزل على متن «لودر» أنا وعائلتى فى الساعة السادسة صباحًا وسط صرخات الجيران.. (تعالوا خدونا حنموت من الجوع).


محمد النجار، المقيم بالمدينة، جاءت كلماته بصوت مهتز غير مستقر.. «أنا حاسس إنى شوفت يوم القيامة، كنت أنقذ أطفالى وأفكر فى أمى وأبى اللذين يبعد منزلهما عن منزلى خطوات، كنت أتمنى أن يكون لى جسدان لكى أذهب لوالدى ووالدتى الكبار فى السن، اضطررنا لترك كل شيء وراءنا والرحيل».


محمد عبدالبارى، أحد الأهالي، قال «ما حدث ليس قضاء وقدرا، وإنما إهمال شديد يصل إلى جريمة، هناك وفيات، والكل يعلم أين مخرات السيول التى تجرى فى ممرات من سنين طويلة، لم يقم أحد بتطهيرها، وبناء سدود وممرات وأنفاق لتوجيه السيل إلى البحر أو إلى خزان بعيد عن مساكن الأهالى، منع هذه الأضرار هو مسؤولية الحكومة، والمسئولين الذين اعتادوا على الطناش، أما الـ١٠٠ مليون جنيه قيمة التعويضات المقررة لضحايا السيول، يجب تحصيلها من رواتب المسؤلين عن حدوث هذه الأضرار، وليس من فلوس الشعب».


المفاجأة أن أبناء رأس غارب أعلنوا رفضهم للتبرعات كما يقول هشام قادوس متسائلا: كيف يمكن لأشراف غارب أن يتلقوا تبرعات من متبرعين فقراء.


من جهته، قال اللواء محمد حلمي، رئيس مجلس مدينة رأس غارب، إن السيول التى ضربت المدينة كانت سرعتها ١٥٠ كيلو فى الساعة، وعلى حسب تقديرات وزارة الرى، فإن المياه التى دخلت المدينة تخطت ١٢٠ مليون متر مكعب من المياه.


اللواء حلمى قال إن القوات المسلحة تدخلت بكامل معداتها، وتمت الاستعانة بالمعدات التى كانت تعمل بقناة السويس الجديدة، كما أن الرئيس السيسى قام بالتصديق على مبلغ ٥٠ مليون جنيه للمتضررين، ومثلهم لإعادة البنية التحتية للمدينة.


وأشار حلمى إلى أن كمية المياه التى تدفقت إلى المدينة تفوق قدرات المدينة والمحافظة، ولذلك تم الاستعانة بدعم خارجى من قوات الحماية المدنية ومعدات شركات البترول لشفط المياه من المنازل.


حلمى قال إن رئيس الوزراء أمر وزارة الرى بإنشاء ٣ سدود لتحويل المياه خارج المدينة، كذلك تم تقديم معونات غذائية وصلت إلى٣٠٠ ألف كرتونة، بالإضافة إلى مياه معدنية ووجبات وقوافل طبية للكشف على الأهالى ومصابى السيول.


اللواء حلمى فجر مفاجأة من العيار الثقيل، عندما أكد أن رأس غارب ليس بها مخرات سيول، ولا يوجد بها جبال سوى جبل رأس غارب ويبعد عن المدينة بكثير, وأشار إلى أن مياه الأمطار والسيول كانت تأتى من منطقة مفتوحة ليس بها جبال، واستطاع المسئولون السيطرة على السيول فى أولها وتحويل اتجاهها بعيدا عن المدينة, مما أدى إلى إنهيار الخزان الجبلى، وجعل السيول تزداد وتنجرف نحو المدينة، حيث بلغ ارتفاعها من ٢ إلى ٣ أمتار، فوجئنا بتدفق شرس من المياه بلغت سرعته ١٥٠ كيلو فى الساعة، وضرب المنطقة المنخفضة للمدينة، وهى الجانب الأيمن «منطقة» الحج نور, والمنطقة الصناعية, ومنطقة الكهرباء, ومنطقة ١٢٨, ومنطقة العروسة، والتى تعد أكثر المناطق تضررا.


مخر «المعنى»


فى قنا: منذ أن أعلنت هيئة الأرصاد الجوية عن تنبؤاتها بالسيول الأسبوع الماضى، بدأت محافظة قنا فى أخذ احتياطاتها واستعداداتها بتوسيع مخرات السيول، والتى من أهمها مخر سيل المعنا، تحسبا من تكرار كارثة سيول التسعينات.


وعلى الرغم من كافة التدابير التى تسعى محافظات الوجه القبلى فى اتخاذها، إلا أن واقعة أتوبيس قنا- سوهاج الصحراوي، الذى جرفته السيول وخلّف وراءه ضحايا، لازالت تثير الحزن فى قلوب أهالى المدينة الطيبة.


من جهته، قال اللواء عبدالحميد الهجان، محافظ قنا، إن المحافظة كانت مستعدة تماما لمواجهة السيول، وجميع المعنيين بذلوا مجهودا غير عادى فى تطهير وصيانة مخرات السيول، خاصة المخر الرئيسى فى منطقة المعنا، باتجاه ترعة الكلابية، وأشار إلى أن السيول التى تجمعت من جبال البحر الأحمر وصلت إلى مخر المعنا، ولحقت الأضرار ببعض الاراضى الزراعية على جانبى الطريق، لكنه لم توجد نقطة مياه واحد وصلت لأية قرية بمحافظة قنا.


وأضاف محافظ قنا أن هناك غرفة عمليات بالمحافظة تنسق ما بين الصحة، وشركة مياه الشرب، والتضامن الاجتماعي، لمتابعة الأحداث الجارية، جراء هطول السيول على مدار الـ٢٤ ساعة يوميا، وذلك قبل أن ينتقل إلى الكيلو ١١٠ لمتابعة أعمال البحث عن المفقودين التى تقوم بها فرق الإنقاذ النهرى وجمعية الهلال الأحمر، حيث نجحت جهود الانقاذ فى انتشال ٧ ضحايا، ونقل ٤ منهم إلى مستشفى سوهاج، بينما تم نقل ٣ متوفين إلى مستشفى قنا العام، مؤكدا على تكاتف جهود القوات المسلحة، ومحافظة قنا، وهيئة الإسعاف، والهلال الأحمر، ومديرية الري، وهيئة الطرق والكباري، ومديرية التضامن الاجتماعي، للتعامل مع الأحداث الطارئة.


المحافظ.. زعلان


فى أسيوط: شهدت قرى ومراكز محافظة أسيوط موجة من الأمطار الغزيرة، التى ضربت المحافظة وأصابتها بالشلل التام لمدة ساعتين، وذلك بسبب انقطاع التيار الكهربائى عن جميع أنحاء المحافظة، وغرق أنفاق وشوارع وميادين المحافظة بالمياه، مما أدى إلى إلى إعاقة حركة المرور بسبب تعطل تشغيل طلمبات الرفع المجهزة بالأنفاق، وتأخر وصول سيارات المياه إلى المستشفيات وأماكن التجمعات، التى قُطعت عنها المياه.


وكانت أولى تداعيات الأزمة قد بدأت بتزايد سقوط الأمطار ووصول استغاثات من رؤساء أحياء شرق وغرب ومراكز الفتح، وأسيوط، والغنايم، ومطالبتهم بقطع الكهرباء.


من ناحية أخرى، وجهت المحافظة نحو ٤٢ سيارة كسح من وحدة الإنقاذ السريع، بالإضافة إلى سيارات شركة مياه الشرب والصرف الصحى، لتجوب الشوارع والأنفاق الرئيسية بالمحافظة لسحب المياه، خاصة بعد تعطل طلمبات الرفع المجهزة لذلك بسبب فصل التيار الكهربائى.


محافظ أسيوط قال: إنه طالب هيئة الأرصاد الجوية بإدراج المحافظة ضمن المحافظات، التى يتم إبلاغها بأى عوامل جوية متغيرة أو قرب حدوث سيول أو أمطار غزيرة، كالتى شهدتها المحافظة يوم الخميس الماضى، وذلك للتعامل مع الأزمة بآلية استباقية لمواجهة أية تداعيات تنتج عنها.


من جهته، قال صلاح فتحى، وكيل وزارة التربية والتعليم، إن قرار تعطيل الدراسة تم اتخاذه من أجل التأكد من أعمال الصيانة بالمدارس.


وترتب عن سقوط الأمطار الغزيرة على قرى ومراكز المحافظة حدوث حريق محدود شب بالدور الثالث بسنترال حى شرق أسيوط، بسبب ماس كهربائى بفعل الأمطار الغزيرة، وعلى الفور تم إرسال قوات الحماية المدنية والإطفاء إلى مكان البلاغ، ونجحت فى السيطرة على الحريق دون أية خسائر فى الأرواح، كما أدى سوء الأحوال الجوية إلى انهيار منزل مكون من طابقين بمنطقة البركاوى بحى غرب مدينة أسيوط، دون وقوع أية إصابات أو خسائر فى الأرواح.


على أن الأحداث المفجعة لم تفارق مدينة أسيوط، بعد مصرع شخصين، بسبب حدوث ماس كهربائي، وذلك لوجود العديد من أعمدة الكهرباء بها أسلاك مكشوفة ببعض قرى ومراكز المحافظة.


سوهاج


وفى سوهاج، وبمجرد هطول السيول المفاجئ، انعقدت لجنة إدارة الأزمة بالمحافظة، بإشراف دكتور أيمن عبد المنعم، محافظ سوهاج، الذى وجه سيارات الكسح التابعة للمحافظة والوحدات المحلية بشفط المياه من الأماكن التى بها تجمع.


يأتى هذا فى ظل غياب وكيل وزارة الرى، ووكيل المديرية، عن إدارة الأزمة، وعدم تنفيذ تعليمات المحافظ بتطهير عدد من مخرات السيل، الأمر الذى ترتب علية إبلاغ رئيس الوزراء الذى أمر بإقالتهما على الفور.


الأرصاد


الدكتور أحمد عبد العال، رئيس هيئة الأرصاد الجوية، قال لـ«المصور»: إنه أرسل بيانا تحذيريا تفصيليا إلى كل المحافظين، ومجلس الوزراء، وكافة الجهات المعنية، يوم الاثنين الماضى، أى قبل حدوث السيول بـ ٧٢ ساعة، يحذرهم فيه من توقعات الهيئة بتعرض البلاد للسيول، وعدم الاستقرار فى الأحوال الجوية.


عبد العال قال بأن بيانه حذر من هبوب موجة رعدية شديدة سوف تضرب البلاد فى محافظات الجنوب، وسيناء، وسلاسل جبال البحر الأحمر.


تحذير عبد العال لم يخلُ من الإشارة إلى هطول أمطار غزيرة اليوم (الأربعاء) على مناطق السواحل الشمالية للبلاد، واصفا الطبيعة بأنها عنيفة بطبعها.. «مهما أخذنا من تدابير فتأثيرها غير متوقع حتى فى أمريكا، عندما يأتى إعصار يمكن أن يدمر ولاية بأكملها».