حصاد اجتماعات البرلمان الإفريقى رفع العقوبات الأمريكية عن السودان

02/11/2016 - 1:03:20

  البرلمان الإفريقى فى إحتفالية ١٥٠ عاما برلمانا مصريا البرلمان الإفريقى فى إحتفالية ١٥٠ عاما برلمانا مصريا

بقلم - أ.د. السيد فليفل عضو مجلس النواب والأستاذ بمعهد الدراسات الإفريقية

نبدأ سلسلة جديدة من المقالات تتناول نتائج جلسات البرلمان الإفريقى في دورته التي عقدت بشرم الشيخ والتي كانت دورة تاريخية بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ، ونظراً لتعدد الموضوعات التي تناولتها الاجتماعات فسوف نتناول هذه الموضوعات، كل على حدة، حيث كان الموضوع الواحد تقوم مناقشته على مذكرة وافية تعدها الأمانة العامة ثم تجري مناقشات مستفيضة يشارك فيها الأعضاء (١٠٠ متحدث في بعض هذه الموضوعات) ولاشك أن هذه المناقشات كانت تفتح مجالات مختلفة للنظر والتأمل والتفكير، الأمر الذي جعل التوصيات التي صدرت عن البرلمان الإفريقى في غاية القوة على الرغم من أنها مجرد توصيات وليست قرارات ملزمة للدول، الأمر الذي استدعى أن يطلب البرلمان إلى اجتماع القمة الإفريقية القادم ضرورة تصديق رؤساء الدول وأجهزتها على سلطة البرلمان الإفريقى في التشريع.


كان من الموضوعات ذات الدلالة التي ناقشها البرلمان الإفريقى بشرم الشيخ حالة السودان، والموقف من رفع العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية على السودان على مدار الفترة من نوفمبر ١٩٩٧ ولا تزال تلتزم بها، وقد وزع البرلمان مذكرة بهذا الصدد من عشر صفحات، إضافة إلى عرض قيِّم تقدَّم به السيد مهدي إبراهيم وزير الاتصالات الأسبق بالسودان، وعضو البرلمان السوداني في اليوم الثاني من دورة الانعقاد صبيحة ١٢ أكتوبر ٢٠١٦، وقد قال في كلمته –خارج إطار النص المكتوب- إن السودان منذ استقلاله في عام ١٩٥٦ شارك مشاركة فعالة في دعم حركات التحرر الإفريقية، ومن ذلك أنه منح بعض القادة ومنهم نيلسون مانديلا جواز سفر سوداني للتنقل بين دول العالم لعرض قضية العنصرية في جنوب أفريقيا، وأن الدول الإفريقية التي تعاطفت مع الموقف السوداني لم تقدم قرارا فاعلا لإسقاط العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة وذلك دون مسوغ من القانون الدولي، ودون قرار من مجلس الأمن أو الجمعية العامة، إنما قامت الولايات المتحدة بتدبيرات انفرادية لحصار السودان، وقطعه عن الوسط التكنولوجي الذي تعيشه شعوب العالم في الوقت الراهن، وتجميد أموال الحكومة بل وأموال المواطنين، ما أثر على التجارة الدولية للسودان وما أثر أيضا على صحة المواطنين، وعلى حقوق البشر الإنسانية، وأن الولايات المتحدة الأمريكية بذلك قلصت دور السودان الإفريقى واستهدفت وحدته وسلامته الإقليمية.


وأشار إلى أن السودان لما قطعت عنه كل وسائل التماس العون الإقليمي والدولي لاستنهاض البلاد، ومخافة عرقلة عجلة التنمية اضطر إلى أن يلتمس العون من دول العالم الأخرى في محاولة للإفلات من الحصار الاقتصادي الشامل الذي فرضته الولايات المتحدة الأمريكية، على أن السياسة الأمريكية لم تبدأ في العام المذكور فقط هذه التدابير غير المشروعة، بل إنها منذ العام ١٩٩٣ وضعت السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب دون مسوغ أو دليل وذلك ضمن ستين دولة أعلن جورج بوش الابن رئيس الولايات المتحدة تصنيفها كدول معادية، ومن ثم تعرض السودان مثل غيره لقيود اجتماعية واقتصادية وتنموية وقانونية وإنسانية استهدفت تقييد قدرة الدولة على إدارة البلاد، وتعطيل التنمية، وتقييد حرية التجارة، وتجميد أموال حكومة السودان لدى الولايات المتحدة وكذا أموال المواطنين، فضلا عن مسئولي الحكومة، إضافة إلى حظر مشاركة الشركات الأمريكية في الاستثمارات في السودان، وذلك بالمخالفة للقانون الدولي وبالمخالفة للإعلان العالمي لحقوق الشعوب والإنسان. بل إن الحكومة الأمريكية واجهت جهود السودان لمحاولة الانفتاح على دول صناعية أخرى بفرض إجراءات عقابية على كل مصادر التمويل والتجارة في العالم منعا لها من التعامل مع السودان في أي شأن له صلة بالتمويل والتنمية.


وأما أشد العقوبات التي أنزلها الأمريكان بالسودان فطالت القطاع الاقتصادي الذي حرم من الحصول على أي موارد خارجية لتأهيل إمكانياته، كما حرم من استيراد المواد الخام اللازمة للصناعة، فضلا عن نقل التكنولوجيا، ما أثر على قدرة الدولة على مجابهة الاحتياجات الأساسية التي ينبغي أن ينعم بها الإنسان السوداني. ولقد أصابت هذه الإجراءات كلا من الدولة والشعب السودانيين بآثار سالبة طالت حقوق الإنسان المادية والمعيشية فضلا عن التنمية الشاملة في كافة المجالات:


ففي المجال الزراعي ومجال الأمن الغذائي ، حدث تدهور مؤسسي بمنع المشاريع الزراعية من الحصول على المعدات والآلات والتكنولوجيا الحديثة اللازمة للزراعة ولرفع الإنتاج وزيادته من ناحية، وتحسين نوعيته من ناحية أخرى. فأبطأت برامج التنمية الزراعية رغم توفر المساحات الشاسعة من الأراضي الزراعية، بحيث لم تزِد مساحة الأرض المزروعة عن عشر المتاح فعلاً. الأمر الذي اضطر السودان إلى استيراد قمح تبلغ قيمته السنوية نحو ١.٥ مليار دولار، ما جعل ارتفاع الأسعار حائلا دون توفر احتياجات المواطنين من الغذاء.


وفي القطاع المصرفي ، استخدمت الضغوط الأمريكية لحصار المنتج السوداني، وتقليص إقبال دول العالم على التجارة مع السودان في المجال الزراعي الذي هو أهم مصادر الدخل للبلاد، ما أدى إلى تفاقم الديون الخارجية وعطل مشاريع تنموية كبيرة وقلص فرص العمل أمام الشباب ومنع تدفق العملة الأجنبية في الوقت الذي زاد فيه الطلب عليها فانخفضت العملة المحلية انخفاضا رهيبا، ولم تكتفِ الولايات المتحدة بذلك، بل حرمت السودان من نيل أية مزايا في مبادرات إعفاء الديون على الدول المثقلة بها، حيث أعفيت أغلب الدول باستثناء السودان. رغم أنه استوفى جميع شروط الإعفاء. وفي نفس الوقت وضعت العراقيل أمام انضمام السودان لمنظمة التجارة العالمية. وقد نتجت عن هذه الإجراءات جميعا تأثيرات سيئة في قطاع الصحة إذ تأثرت قدرة البلاد على التصدي للأوبئة وارتفعت تكاليف استيراد الأدوية والمعدات الطبية الضرورية فضلا عن نقص الأمصال واللقاحات وضعف وسائل الوقاية من الأمراض الوبائية؛ فاستشرت الملاريا والحمى النزفية، كما صار صعبا الحصول على علاجات أمراض خطيرة مثل الإيدز. بل إن الولايات المتحدة منعت البنوك العالمية والإقليمية من التعامل مع السودان في المجال الصحي، ما جعل للضغط عليه آثاراً مدمرة على الوضع في البلاد.


وفي قطاع التعليم ، تقلصت المنح الدراسية ومنعت كثيرا من الجامعات من تقديمها للسودانيين، فضلا عن عدم التواصل فيما يخص علوم الاتصال وتكنولوجيا التعليم والتعلم، حتى لقد أغلقت معامل وورش التعليم الفني والتقني التي تأسست أصلا بمعونة أمريكية. فانهار التدريب الهندسي والتعليم الحرفي من جراء تهالك هذه المعامل والورش. ونال التعليم العالي مثلما نال التعليم الفني فبلغت خسائر هذا القطاع ٧٧٤ مليون دولار سنويا، ومن ثم تراجع الالتحاق بالتعليم الأساسي بنسبة ٧.٤٪ كما تراجع في التعليم الثانوي بنسبة ٢٤٪، بل إن التعليم الفني الذي كان يشكل ١٦٪ من حجم التعليم العام في سنة ١٩٩٢ تراجع إلى نسبة ٣٪ عام ٢٠١٥ وذلك في الوقت الذي تزايدت هجرة المعلمين المؤهلين إلى دول الخليج لتحسين أوضاعهم الاقتصادية.


وفي قطاع النقل والمواصلات تسببت العقوبات الأمريكية في انهيار بنية السكة الحديد التي تربط أقاليم البلاد وتلفت غالبية المعدات أمريكية الصنع، بل أغلقت خطوطاً هامة بأطوال تجاوزت ١٥٠٠ كيلومتر جراء امتناع الحكومة الأمريكية عن بيع القاطرات لسودان أو بيع قطع غيارها وحجز الموانئ الأوربية- بضغط أمريكي- قطع غيار أمريكية المنشأ حتى لا تقع في مخالفة القوانين الأمريكية. وقد تكرر هذا بالنسبة لأسطول النقل الجوي وبصفة خاصة طائرات البوينج وحتى طائرات الأيرباص الأوربية، بسبب أن المكون الأمريكي بها يفوق نسبة ١٠٪ وكل ذلك أثر تأثيرا كبيرا على حقوق المواطنين السودانيين في التنقل سواء داخل البلاد أو خارجها، كما أضعف ترابط السودان مع الجوار القريب والبعيد، ومثل هذه الآثار المدمرة نجدها في مجال استخراج المعادن وفي مجال النفط بحيث ارتفعت أسعار الكهرباء بشكل مباشر على المواطنين وتدهورت قدرة الدولة على تبني مشاريع إنتاج الكهرباء.


وبصفة عامة ، يمكن القول إن العقوبات الأمريكية الشاملة كانت لها أوخم النتائج على الدولة السودانية حكومة وشعبا، وذلك في نفس الوقت الذي كانت تفد إلى السودان أعداد متزايدة من المهاجرين نتيجة للصراعات الدائرة في دول الجوار أو نتيجة لحالات القحط والمجاعة في بعضها.


وفي نفس الوقت ذكر السيد مهدي إبراهيم أن السودان أسهم وضحى نتيجة للاستجابة لمتطلبات استقلال الجنوب وحل مشكلات مثل دارفور وجنوب كردفان وغيرها، والتي كانت ناجمة عن حملات دعائية جائرة ومع ذلك كان السودان يتجاوب على أمل أن يتم رفع هذه العقوبات. وقد طالب في نهاية الأمر البرلمان الإفريقى بمعاونة السودان والإنسان السوداني ودعم حقه في الخدمات الأساسية تعليما وصحة ومياه شرب ونقل، وغير ذلك مما تعرض للتردي نتيجة للتدابير القسرية الانفرادية الأمريكية الظالمة. وطالب أخيراً بإصدار قرار من البرلمان الإفريقى برفض هذه الإجراءات الأمريكية ورفع العقوبات عن كاهل السودان.


وقد تداخل مع الوزير السودان عدد كبير من النواب الأفارقة من كافة أقاليم القارة تعترض كلها على الإجراءات الأمريكية. وكان مما ذكرته شخصيا أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تترك مجالا للمختلف معها للحوار ولا مساحة للتفاوض، وأنها تضغط على كل الأحرار حتى اضطر جمال عبد الناصر إلى القول بأنه: ما دامت الولايات المتحدة غاضبة مني فأنا على الطريق الصحيح. ثم تساءلت هل ما طرحه المسئول السوداني قضية وطنية تخص بلاده أم هي قضية القارة كلها؟. وقلت إن القارة كلها إما أن تمتلك الكرامة لرفض التضييق على الشعب السوداني الشقيق أو تقبل باستمرار الاستعمار بأشكال أخرى. كما نبهت إلى خطورة المواقف أحادية الجانب وما تستند إليه من دعاية إعلامية ومنها على سبيل المثال تلك الحملة التي أطلقتها الولايات المتحدة بأن مصر ستشهد خلال اجتماع مؤتمركم هذا أعمالا إرهابية في تهديد مباشر لاجتماعكم بعدم الانعقاد في مصر وذلك في إطار الموقف الذي يتخذه الرئيس الأمريكي شخصيا لحصار مصر وتقليص العلاقات معها ومنع السياح من الوفود إليها. ثم عرضت إلى الآثار المدمرة للعقوبات المفروضة على السودان ثم التحكم الأمريكي في المحكمة الجنائية الدولية رغم أن الولايات المتحدة الأمريكية ليست عضوا فيها لكنها وظفتها ضد الرئيس السوداني، كما أنها في نفس الوقت عقدت اتفاقات مع عدد كبير من الدول بغرض منع محاكمة الجنود الأمريكيين أمام هذه المحكمة في حالة تجاوزهم في حق المواطنين الأفارقة، ما يعني أن الولايات المتحدة ترى نفسها فوق هذه المحكمة في الوقت الذي تستخدمها ضد غيرها. كما أشرت إلى استخدام الولايات المتحدة للأزمة في دارفور لحصد أصوات الناخبين الأمريكان لإعادة انتخاب جورج بوش الابن بزعم أن ما يجري في هذا الإقليم السوداني هو صراع عربي إفريقي بالرغم من أن السودان هو بلد عربي إفريقي جسدا وروحا، كما أن الولايات المتحدة فاقمت هذا الصراع واستخدمته للتغطية على سجن جوانتانمو وما جرى فيه حتى تبدو هيّ في صورة مخالفة. كما طالبت بأن توجه إفريقيا درسا أخلاقيا إلى الولايات المتحدة، وأشرت إلى أن إفريقيا الحرة أسقطت الحصار الغربي على ليبيا بسبب حادث طائرة لوكيربي، بينما لم تنجح في منع الناتو من تدمير ليبيا وتشريد شعبها وقتل قائدها معمر القذافي الأب الثاني للوحدة الإفريقية. كما طالبت بتأييد اتخاذ موقف إفريقي يسقط الحصار على السودان، لاسيما بعد أن نجح الحوار الوطني في السودان في الدعوة إلى دستور جديد يسهم في تعزيز قيم المشاركة السياسية، مؤكدا ضرورة أن ترفض إفريقيا سياسات الدول الكبرى المخالفة للقانون الدولي لأن ذلك يعد نمطا جديدا من فرض العنصرية على العلاقات الدولية يجب أن نتماسك جميعا لإسقاطها، كما أسقطنا الأنظمة العنصرية في القارة الإفريقية. وقلت إن آباءنا كانوا أبطالا ونحن يجب ألا نقل عنهم بطولة.


وقد أصدر الاجتماع قرارا يدعو إلى الرفع الفوري للعقوبات الاقتصادية الأحادية التي تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية على الشعب السوداني، حيث أدان البرلمان هذه العقوبات وحث الحكومة الأمريكية على رفعها فورا باعتبار ما تشكله من ضرر وإهانة للشعب السوداني دون وجه حق.


كما أكد البرلمان دعمه الكامل للسودان شعبا وحكومة وبرلمانا من أجل رفع هذه العقوبات، ودعا القادة الأفارقة إلى دعم السودان في كفاحه الطويل من أجل التخلص من هذه التدابير القسرية الأحادية التي فرضتها الولايات المتحدة.


ولم يكَد اجتماع البرلمان الإفريقى بشرم الشيخ يختتم أعماله حتى كانت جمهورية جنوب إفريقيا تسحب اعترافها بالمحكمة الجنائية الدولية، ولم تكن هذه رسالة فقط للمحكمة، ولكنها كانت أيضا رسالة إلى الولايات المتحدة بأن هنالك مناخا جديدا يتفاعل في إفريقيا.


عاشت إفريقيا متحدة، وعاش صوتها واحدا، وعاش السودان عزيزا مكرما.