المصالحة الفلسطينية بين الصدق المصرى وأخطاء قيادات السلطة

02/11/2016 - 12:57:17

بقلم - د. حسن أبوطالب

لا يختلف اثنان على أن القضية الفلسطينية تمر بمنعطف خطير. الاهتمام الدولى والإقليمى للقضية الفلسطينية فى اللحظة الجارية ليس كما كان قبل عقد من الزمن، لقد تراجعت القضية فى سلم الأولويات العربية. الحفاظ على الذات وعلى بنية الدولة ومؤسساتها فى أكثر من بلد عربى ومواجهة الإرهاب العابر للحدود هو القضية رقم واحد، وفى الترتيب الأخير أو ما قبل الأخير تأتى القضية الفلسطينية من منظور لم يعد يجدى كثيرا، قوامه أن ما يوافق عليه الفلسطينيون يقبله العرب دون نقاش. مقولة تبدو صحيحة ظاهريا وتدعم الاستقلال الفلسطينى نظريا، أما فى الواقع العملى فلا تصمد كثيرا، بل تبدو مقولة لا معنى لها. فالفلسطينيون أنفسهم منقسمون وكل حزب أو جماعة أو حركة تستدعى من التدخلات الخارجية عربيا وإقليميا ما ترى أنه يفيدها إما للحصول على مبلغ من المال، أو على تأييد سياسى أو إعلامى يساعدها فى الصراع مع التيارات الفلسطينية الأخرى. والعجيب هنا أن يخرج علينا من يتحدث عن استقلالية القرار الفلسطينى ويهدد بقطع الخيوط والأذناب لكل من يقدم نصيحة خالصة تفيد الفلسطينيين جميعا. والأكثر عجبا أن يتصور البعض أن اللعب على تناقضات عربية بين بلدين عربيين أحدهما قطر، والارتكان على أدوار إقليمية ثبت يقينا أنها لا تسعى إلا إلى مصالحها الذاتية وحسب (وتركيا أردوغان وإيران خير مثالين)، كفيل بأن يقدم حلا لأزمته الداخلية المستحكمة، عبر الهروب إلى الأمام أو بالأحرى إلى المجهول.


الوهن أيضاً فى فتح


بل إن حركات فلسطينية كبرى لم تعد موحدة كما يجب أن يكون الحال، فقد أصابها أيضا الوهن والانقسام، وحركة فتح ورغم أنها الأكبر والأكثر مرونة بحكم خبرتها التاريخية وهى الأكثر عطاء للقضية الفلسطينية، ومع ذلك فقد انقسمت ذاتيا قبل ست سنوات لأنها لم تعد قادرة على إدارة حوار داخلى يفتح الباب أمام تفاعل صحى مع الأجيال الجديدة، وباتت مرهونة بحكم الفرد وسطوة المقربين فضلا عن الخوف من التغيير وهو سنة الحياة حتى ولو كان منظما وفق آليات ووثائق الحركة نفسها، وزاد الأمر سوءا حين تورطت الحركة فى ممارسة السلطة وفق معايير أوسلو، وبات من الصعب التفرقة بين حركة فتح مُفجرة المقاومة، وبين عناصر فتح على رأس قمة سلطة أوسلو الفلسطينية. وما أدراك ما السلطة التى لم تَعُد كفؤة إلا فى الالتزام بالتعهدات الأمنية تجاه إسرائيل، رغم أن قادة تل أبيب المحتلين لا يأبهون بأى شئ آخر من تعهدات أوسلو نفسها، فلا تفاوض ولا احترام لمبدأ الأرض مقابل السلام ورفض تام لمبدأ حل الدولتين، واستمرار فى اغتصاب الأرض الفلسطينية فى الضفة الغربية عبر استيطان وحشى لا سقف له، وحصار كامل لقطاع غزة. وتتصرف السلطة ببرود كامل وكأن الأمر لا يعنيها، ولا تملك أى شئ لرفع المعاناة عن شعبها المحاصر فى القطاع من احتلال إسرائيلى بغيض ومن سطوة حماس.


تراجع الواقع العربى


الواقع العربى والإقليمى أيضا له نصيب فى التراجع الذى وصلت إليه القضية الفلسطينية، فالكل مهموم بمواجهة الإرهاب والأزمة المستحكمة فى سوريا وما تشهده من تدخلات روسية وتركية وعربية خليجية تزيد الأمر تعقيدا، وفراغ السلطة فى لبنان ومنع التوطين سواء للفلسطينيين أو اللاجئين السوريين الجدد، فضلا عن المواجهة الجارية فى العراق مع تنظيم داعش الإرهابى وما يطرحه من احتمال انتقال الإرهابيين الداعشيين إلى سوريا وليبيا كملاذيْن آخريْن يتم الانطلاق منهما إلى ساحات ودول أخرى. وفى الأفق اشتباك كثير من العرب فى اليمن وليبيا، وفى الإجمال هناك انشغال عربى بهموم وأزمات أكثر سخونة مما هى عليه القضية الفلسطينية، وأكثر ارتباطا بمصالح حيوية لكل دولة على حدة، والنتيجة كما سبق القول تراجع فى أولوية القضية الفلسطينية رغم الاقتناع العربى الكامل أن تسويتها تاريخيا على قاعدة بناء دولة فلسطينية قادرة على البقاء وعاصمتها القدس كفيل بأن يُحاصر الكثير جدا من أسباب الإرهاب الشائع فى المنطقة العربية، وربما يسهم أيضا فى احتواء التوتر فى علاقات العرب المسلمين مع الغرب إجمالا.


ولزمن طويل مضى ويبدو أنه سيظل مع الفلسطينيين لزمن مقبل أيضا، يثور الحديث صاخبا حول أهمية وجود مشروع وطنى لمقاومة الاحتلال، يراعى الظروف التى يمر بها الوضع العربى العام ويعتمد أساسا على الصمود الشعبى الفلسطينى، ويدعم المفاوض الفسطينى سواء كانت السلطة الوطنية أو منظمة التحرير الفلسطينية حين يواجه المحتل لينهى احتلاله وينشئ الدولة الفلسطينية العتيدة. مشروع كهذا يتطلب أولا وحدة فلسطينية شاملة تجتمع عليها الفصائل والحركات، بحيث يكون تحرير فلسطين هو الهم الوحيد والهدف الأكبر الذى يجتمع عليه الجميع.


تحدى محمد دحلان


ويبدو أن تلك أمنية مشروعة ولكن دونها الكثير من الصعاب والعقبات، منها عقبات تتعلق باختلال التوازن الشامل مع الاحتلال والمدعوم أمريكيا وأوربيا على نحو غير مسبوق، ومنها عقبات تتعلق بالشتات العربى وما يلحقه من ضعف التأثير، ومنها عقبات تتعلق بالواقع الفلسطينى لاسيما الانقسام بين أكبر حركتين وهما فتح وحماس، وانقسام فتح على نفسها بين جيل ضارب فى الزمن وآخر أصغر سنا وذو شعبية فى قطاع غزة على الأقل ويتطلع لأن يكون شريكا فى القيادة والمسئولية، والذى يختصره البعض أحيانا فى مجرد تناقضات الرئيس محمود عباس وكثير من القيادات التقليدية الفتحاوية، مع القيادى الفتحاوى محمد دحلان المفصول من الحركة فى ٢٠١١ والذى شكل مع أنصاره ما يعرف بالحركة الإصلاحية التصحيحية. وهو الفصل الذى تم على خلفية انتقادات وجهت للطريقة التى يدير بها الرئيس عباس شئون فتح والسلطة معا، الأمر الذى لم يرض الرئيس ولا المقربين منه، فكانت الإجراءات السريعة التى انتهت بقرار الفصل.


لكن القرار لم يمنع القيادى الفتحاوى كما هو معروف من أن يستمر فى حشد الأنصار والقيام بمحاولات لإنهاء هذا الوضع غير الطبيعى من خلال طرح أفكار تتعلق بإصلاح فتح نفسها، ولكن توازن القوة الداخلى فى فتح منع طرح قضية إصلاح الحركة أو تطوير أساليب عملها، ومعتبرا أن دور دحلان قد انتهى ولم يعد مطروحا. وهو أمر ثبت أنه غير دقيق، وأن الرجل وأنصاره فى غزة وفى الضفة وأيضا فى الساحة العربية ما زال يمثل إشكالية لحركة فتح تحتاج إلى رؤية تقوم على الاستيعاب وتقاسم الأدوار والأعباء، وليس التجاهل والإبعاد.


رؤية الرباعية العربية


العنوان المطروح لهذه الانقسامات يمر بمرحلتين رئيسيتين؛ الأولى بين فتح ذاتها، وتحديدا بين أجيال فتح المختلفة وإنهاء إشكالية محمد دحلان. والثانية تتعلق بالمصالحة بين فتح وحماس ومعهما باقى الفصائل الأخرى كالجهاد الإسلامى والحركة الشعبية وغيرهما، وبما يضمن تسوية القضايا الخلافية المتعلقة بحكومة الوحدة الوطنية والانتخابات التشريعية والرئاسية وعقد المؤتمر الوطنى الفلسطينى وإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية من خلال تفعيل كافة الاتفاقات السابقة التى وقعها الطرفان فتح وحماس كاتفاق القاهرة والقاهرة ٢ واتفاق مكة واتفاق المصالحة، ولكن لم يتم الالتزام بها على النحو المفروض والمتفق عليه.


التصور السابق هو ما توصلت إليه الرباعية الدولية التى تضم كلا من مصر والسعودية والأردن والإمارات العربية، وكما هو ظاهر فإن هذا التصور يستهدف تمتين الوحدة الفلسطينية بأبعادها المختلفة، على أن يتلو ذلك مرحلة استعادة الزخم العربى والدولى للقضية الفلسطينية خاصة مع مجئ إدارة أمريكية جديدة بعد أشهر قليلة، يتطلب العمل معها لإحياء جهود التسوية أن يكون هناك موقف فلسطينى موحد وصلب. وهو تصور تم طرحه على الرئيس محمود عباس، بصفاته الثلاث؛ كرئيس لفتح وللسلطة ولمنظمة التحرير الفلسطينية.


وحين طرحت الرباعية العربية الأمر على النحو السابق تصورت أن استجابة الرئيس عباس ستكون سريعة وديناميكية لأن تلك الدول تدعم بالفعل القضية الفلسطينية وحريصة على المصالح الفلسطينية العليا وتقوم بما يمكن القيام به لتفعيل الحلول السلمية دون الانتقاص من حقوق الفلسطينيين، وأيضا دون التدخل فى الشأن الفلسطينى على النحو الذى تقوم به قطر أو تركيا أو إيران. وتدرك دول الرباعية أيضا أن استمرار الوضع الفلسطينى على ما هو عليه الآن سيقود إلى انهيار الوضع الفلسطينى تماما، خاصة، وأن إسرائيل لم تعد تخفى علنية رغبتها فى تصفية السلطة الفلسطينية كخطوة نحو تمكين الاحتلال المباشر للضفة الغربية مرة أخرى، والإنهاء التام لفكرة الدولة الفلسطينية وحل الدولتين.


ويجدر الذكر هنا أن وزارة الدفاع الإسرائيلية ومنذ أن تولاها الصهيونى المتطرف أفيجدور ليبرمان أعادت تنشيط ما يعرف بالإدارة المدنية الإسرائيلية من خلال التواصل المباشر مع الفلسطينيين فى الضفة بعيدا عن السلطة وتقديم التسهيلات للمعنيين من التجار والأفراد لاسيما الراغبين فى الحصول على خدمات طبية، وبحيث ينتهى دور السلطة تدريجيا، وعندها يمكن لإسرائيل الإدعاء بأنه لا يوجد من يمثل الفلسطينيين فى أى مفاوضات وبالتالى يبقى الوضع الاحتلالى دون تغيير. وهناك مؤشرات يتم تداولها فى الإعلام الإسرائيلى بأن خطة ليبرمان تتضمن إقامة روابط بلدية فى مرحلة ما بعد إسقاط السلطة الوطنية، خاصة إذا ما غاب الرئيس عباس عن المشهد السياسى دون أن يكون هناك بديل شرعى له وفق الآليات الفلسطينية نفسها، الأمر الذى يمكن توظيفه فى إنهاء دور السلطة دون مواجهة الاعتراضات الدولية.


الخطط الاسرائيلية بشأن التوسع الوحشى فى الاستيطان بالضفة الغربية والتى جلبت حتى الآن ٧٥٠ ألف مستوطن فى العقدين الماضيين، وتسعى إلى جلب مثلهم فى السنوات الخمس المقبلة وبالتالى محاصرة القرى والمدن الفلسطينية بمستوطنات لا حصر لها، ليست امرا سريا، بل هى معلنة ويجرى إنشاؤها بكل دأب، فى حين يستمر الانقسام الفلسطينى كهدية إضافية للاحتلال.


الاستجابة الغائبة


وبينما تقدم أفكار الرباعية العربية خلاصا للرئيس عباس وللسلطة الوطنية ولكل الفصائل الفلسطينية وللقضية برمتها، جاءت الاستجابة غير مبالية وأقل إدراكا للمخاطر القائمة والمحتملة معا. فقد نشر عن جولة للرئيس عباس لكل من قطر وتركيا للبحث فى المصالحة الفلسطينية، وهو ما يعنى رفض نصائح الرباعية العربية. وبالفعل قام الرئيس عباس بزيارة إلى قطر، التى قيل إنها وجهت الدعوة للرئيس عباس للقاء زعيم حماس خالد مشعل المقيم على أراضيها منذ خروجه من سوريا بعد أن غير ولاءه للقوى الساعية إلى إسقاط الرئيس بشار الأسد. وفى ٢٧ أكتوبر الماضى تقابل عباس ومشعل فى الدوحة وبحثا فى المصالحة بين فتح وحماس من خلال رؤية الرئيس عباس التى حددها فى تشكيل حكومة وحدة وطنية وإجراء الانتخابات التشريعية، فى حين ردت حماس على لسان مشعل بأن المصالحة الضرورية تتطلب أكثر من هاتين الخطوتين، وأن يشمل الأمر إصلاح هياكل السلطة والمنظمة ووضع استراتيجية للعمل الفلسطينى تعالج المقاومة فى ظل الظروف الراهنة، وهو طرح أظهر أن حماس ليست معنية بالأفكار الجزئية التى طرحها الرئيس عباس المهموم بمن سيقود السلطة فى القريب، وأنها ليست فى وارد إنقاذه أو التحرك التدريجى على مسار مصالحة فلسطينية شاملة، وأن بقاءها فى غزة كسلطة حكم وتحكم هو الأكثر أهمية لها عن باقى أوجه القضية الفلسطينية. وذلك على عكس الشعار الذى رفع بأن لا دولة فلسطينية بدون غزة ولا دولة تقتصر على غزة.


علاقات عملية بين دحلان وحماس


وعلى الصعيد العملى وفى نطاق غزة تتوارد معلومات عن علاقات عملية بين محمد دحلان وقيادة حماس المهيمنة على الوضع فى غزة، وقوامها الاستفادة من التسهيلات التى يقدمها دحلان لأبناء غزة لأغراض السفر عبر معبر رفح إلى دول عربية مختلفة للدراسة والحج، وكذلك تحويل أموال كمساعدات لبعض الأسر الغزاوية، وتنظيم حفلات عرس جماعى والإنفاق عليها. لكن الدعاية التابعة لحماس تشير إلى أن علاقات المصالح هذه لا علاقة لها بأية أدوار متصورة لحماس بشأن انقسام فتح الداخلى. والقصة أيا كانت التفسيرات تجسد أولوية المصالح رغم الخلافات الإيديولوجية المعروفة، وتعكس أيضا نفوذ دحلان المعنوى وشعبيته بين أبناء غزة، وقد يفسر هذا الأمر خشية القائمين على فتح من عودة هذا القيادى إلى صفوف الحركة مرة أخرى، خاصة فى ضوء الحديث المفتوح حول من هو الرئيس المقبل للحركة والسلطة.


أين مصر ؟


أين مصر من كل ذلك؟ ، سؤال يتردد كثيرا مصحوبا أحيانا بدعوة إلى فتح معبر رفح بصورة دائمة مراعاة للوضع الإنسانى للفلسطينيين فى غزة، وهو ما يمكن بيانه على النحو التالى، أن مصر تدرك تماما الوضع الإنسانى فى غزة وتفتح المعبر بالفعل على فترات دورية لتخفيف معاناة الفلسطينيين، وقد تزيد فترات فتح المعبر لاحقا ولكنها فى الآن نفسه تراعى الوضع الأمنى الخاص فى شمال سيناء ومواجهة الجماعات الإرهابية والاكتشافات التى لا تتوقف لأنفاق تنتهى فى المناطق المحيطة برفح المصرية وتبدأ فى غزة وتحمل الإرهابيين والمتفجرات والممنوعات وأجهزة الاتصال الحديثة لتهديد الأمن المصرى.


وثانيا فإن مصر ترى أن الحل الشامل لوضع غزة مرتبط أساسا بالوضع العام للقضية الفلسطينية وأن مدخل المصالحة بين فتح وحماس والذى استثمرت فيه وقتا طويلا وجهدا كبيرا، وقدم حلولا لكل المشكلات وضمانات للتطبيق، هو المدخل الأمثل، لكن الاستجابة الفلسطينية من كل الأطراف وخاصة فتح التى هددت المشاركين والمنظمين، لم تكن على مستوى الاهتمام والجهد المصرى. ففى المصالحة الشاملة ما سيعين على فتح المعبر بصورة قانونية تخدم أيضا القضية الفلسطينية ككل من حيث تدعيم دور السلطة وجذب الدور الأوربى المشارك فى تشغيل المعبر على الجانب الفلسطينى وفقا للاتفاقات الموقعة فى هذا الشأن.


وثالثا أن مصر لا يمكنها أن تتجاوز فى أمنها الذاتى ولا فى الالتزامات القانونية الدولية التى تُحمل قوة الاحتلال مسئوليات حماية أهالى المناطق المحتلة وتوفير كل ما يحتاجونه لممارسة حياة طبيعية.


إن اهتمام مصر بتنظيم فتح المعبر بمشاركة السلطة الفلسطينية والاتحاد الأوربى ليس منفصلا عن اهتمامها الكبير بالمصالحة الشاملة كمدخل يعيد البريق الغائب للقضية الفلسطينية ويثبت الحقوق الفلسطينية فى دولة مستقلة قابلة للحياة وعاصمتها القدس الشرقية. والواضح أن هذا الاهتمام المصرى لا يقابل بروح طيبة من قبل بعض القيادات الفلسطينية التى اعترضت بطريقة غير مفهومة وغير دبلوماسية على مجرد لقاء أكاديمى نظمه مركز بحثى مصرى عُقد فى العين السخنة ما بين ١٦ الى ١٨ أكتوبر الماضى جمع بين أكاديميين مصريين ونظراء لهم من قطاع غزة مع عدد من الناشطين من البلدين، تدارسوا فيه القضية الفلسطينية من مختلف جوانبها، وساد فيه التوافق بين الجميع على أهمية المصالحة الشاملة على أن تبدأ باستعادة حركة فتح لتماسكها الذاتى وإعادة المفصولين، كما ساد أيضا توافق على أن تستمر مصر فى استضافة مثل هذ اللقاءات للتباحث فى مسارات حماية الحقوق الفلسطينية وعدم التفريط بها. ومما اجتمع عليه الحاضرون أهمية تحصين الشرعية الفلسطينية والالتزام بالقانون الأساسى الفلسطينى والاستحقاقات الانتخابية المختلفة فى ضوء رؤية تصالحية شاملة، وأن أى تحرك فلسطينى يتطلب حوارا فلسطينيا فلسطينيا وآخر فلسطينيا عربيا للخروج من المأزق الراهن وتحديد رؤية فلسطينية ذات طابع استراتيجى يعالج أوجه الخلل فى التحركات الفلسطينية.


وبالرغم من أن هذه التوافقات تصب فى المصلحة الفلسطينية وعكست رؤى فلسطينية بالأساس، إلا أن رد فعل حركة فتح كان غريبا وفاقدا للمنطق، إذ بنى على أوهام أن مصر تروج لأشخاص بعينهم للإضرار بموقف الرئيس عباس، وأن اللقاء الأكاديمى هو تدخل مرفوض فى الشأن الفلسطينى. وإذا كان مجرد لقاء بحثى يثير كل هذا الهلع من قيادات تخشى المصالحة والمنافسة الشريفة مع أبناء جلدتهم، فنحن هنا أمام حالة غير طبيعية نرجو ألا تستمر طويلا. فالأولى أن يستمع العقلاء فى كل الحركات والفصائل إلى ما يطرحه المصريون المخلصون للقضية الفلسطينية والتى يؤمنون أنها قضيتهم الأولى رغم كل التحديات، لا أن يثوروا ضدها بلا معنى.