فى الذكرى السابعة لرحيل موسوعة الفكر د. مصطفى محمود

02/11/2016 - 11:14:38

  صورة ارشيفية لسناء السعيد أثناء حوارها مع د. مصطفى محمود صورة ارشيفية لسناء السعيد أثناء حوارها مع د. مصطفى محمود

بقلم : سناء السعيد

الاثنين الماضى حلت الذكرى السابعة لرحيل المفكر الأديب العالم الباحث الفيلسوف الدكتور مصطفى محمود، بعد صراع طويل مع المرض وبعد حياة زاخرة بالعلم والإيمان، لقاءات عديدة جمعتنى بهذا الإنسان العصى على النسيان، أهدانى الكثير من مؤلفاته التى تربو على ٨٨ كتابا، وأثناء مرضه عاودت زيارته، ولكنه كان طريح الفراش ولم يكن قادرا على التحدث معى،إنه مصطفى محمود النموذج المبهر فكرا وعلما وبحثا، مفكر غير تقليدى.. مجدد فى انتقائه للكلمة وصوغه للجملة وارتياده للفكرة وفى سوقه البراهين والأدلة على أى موقف من مواقف الحياة، ولهذا كانت أفكاره وخواطره وكتاباته عنصر جذب أخاذ، فكثر محبوه وقارؤه. انعكس تأثيره فى محيط تتعدد اتجاهاته وتختلف نزعاته، عباراته مجلوة بايقاع شاعرى، أولى سماته أنه مفكر تحركه ذاتيته أولا وقبل كل شىء، وهى التى تضفى على أفكاره وكتاباته ذلك البريق الذى يخطف الأبصار ويشدها إليه، وفى حوارى هنا معه قال:


● الله هو وطننا.. منه المبتدأ وإليه المنتهى.


● النفس الحقيقية هى السر الأعظم الذى يكمن وراء كل شىء.


● الإرادة خادعة ومتلونة.


● معرفة الله تتطلب التجرد من الدنيا.


● المسائل الدنيوية ليست سوى خداع للنفس.


إنه اللقاء الذى أجريته معه عام ٨٧ حيث سلطت الأضواء على قضايا ذاتية تمسه وحده وقد تمس آخرين، عرجت على موضوع الاغتراب ومدى معاناته منه وحجم الاغتراب لديه، وفى صوته الهادىء الذى كان دوما أقرب إلى الهمس مضى قائلا:


● ( الاغتراب صفة الفنانين بوجه عام، وهنا أتذكر بيت شعر لأبى العتاهية يقول فيه:


طلبت المستقر بكل أرض فلم أر لى بأرض مستقرا


فليس هناك بيت مثله يعبر عن الاغتراب وحقيقة الاغتراب، فهو الإحساس بالفجوة بين النفس وبين الآخرين، سبب الاغتراب الأعمق نجده عند الصوفى.. فهو إحساس الإنسان فى الدنيا بأن الدنيا ليست وطنه باعتبار أن جميعنا جئنا من الله، وهو وطننا. منه المبتدأ وإليه المنتهى وبين يديه المقر، وفيما عدا ذلك لا مقر ولا مستقر، لأننا أشبه بمخلوقات فى المنفى منذ نزولنا إلى الأرض ).


● إذن هو إحساس داخلى بالبعد؟


( هو كذلك يشعر المرء ـــ يستوى فى ذلك المؤمن والكافر ـــ بأن هذا الكون الذى يحتويه ليس وطنه الأصلى، ليس مملكته وبلده، والسبب أن لديه ذكرى ما قد تكون باهتة أو واضحة بأن وطنه لدى الله سبحانه وتعالى، من حيث جاء وإلى حيث ينتهى..” وإن إلى ربك المنتهى”).


● وما هو الفرق بين المؤمن والكافر أمام هذا الإحساس؟


(المؤمن يشعر شعورا واضحا بهذه المسألة ويسميها باسمها . والكافر يشعر بها شعورا باهتا ولا يسميها باسمها. وإنما يسميها غربة، اسم أفرنجى لحالة أدركها الصوفى بوجدانه وعبر عنها وسماها باسمها، ولا أدل على هذا من أن أول كلمة قالها المسيح وهو فى المهد “أنا عبد الله آتانى الكتاب” فهذا هو الانتماء الوحيد الحقيقى حيث العبودية لله سبحانه وتعالى والمخلوقية لله وحده، وهذا هو الانتماء الحقيقى، لكننا فى الغربة نسمع انتماءات مختلفة.. جزائرى.. تونسى.. لبنانى.. زملكاوى أهلاوى كلثومى فيروزى، انتماءات متعددة ولكن الإنسان يشعر بأنها انتماءات لا تغنى، فإذا كان من أهل الكفر سماها غربة وعناها عندما يقول:” ألقى بنا فى عالم غريب”، وإذا كان مؤمنا فإنه يدرك أن انتماءه الحقيقى من الله وإلى الله، فهذا هو سبب الغربة العميق).


ماذا عن وعيك بذاتك والتى عبر عنها كثير من الأدباء والشعراء والفلاسفة والمتصوفة.. هل وجد مصطفى محمود نفسه أم أنه فى الطريق إلى وجودها خاصة أنه عرض لهذه القضية فى كتابه” السر الأعظم” حينما استشعر عدم معرفة نفسه؟


( نعم نفسى لا أعرفها، وليس هناك من يدعى أنه عرف نفسه على وجه الأصالة والحقيقة. هل نفسى ما يراه الآخرون من ملامح وطول وعرض؟، بالطبع لا لأن هذا يتغير، فالإنسان فى تغير دائم.. يطول يقصر ينحف يشيب يمرض يتحول إلى تراب، وبالتالى فليست الملامح والهيئة هى النفس. التفس هى ما بداخلى. الجانب الجوانى، كما أن النفس ليست مجموعة عواطف لأن العاطفة عابرة أيضا تتداول عليها الأحوال وتتغير، فمرة فاترة ومرة مشتعلة ومرة تنقلب إلى الضد، فليست هى نفسى. وبالتالى هذا يصدق على العقل والأفكار بدليل أننى إذا قرأت كتبى لوجدت أن أفكارى تتغير وكذا مواقفى. إذن مسألة النفس هذه محيرة. كل ما أعلمه عن نفسى أمورا خارقة سواء كانت صفات جسدية أو صفات نفسية، ولكن النفس الحقيقية هى السر الأعظم الذى يكمن وراء هذا كله.


وأين هى محاولاتك لمعرفة نفسك؟


بالطبع أحاول معرفة نفسى، وأحاول أن أصل إليها.. أن أحقق ذاتى. لكنك لا تستطيعين أن تقولى بأننى قد وصلت ولا حتى اقتربت من الوصول، ولكنى دائما فى الطريق نحو التعرف على نفسى، والإنسان يتعرف على نفسه من خلال ردود الفعل والاختيار. فى كل لحظة الفعل الحر هو اختيار الإنسان لنفسه، ولهذا فلا يتم هذا الفعل الحر إلا من خلال تفاعل الانفعال مع البيئة ومع الآخرين. كأن يحب .. يكره.. يتحمل.. يقبل.. يدبر، وكل هذه مجموعة اختيارات هى فى النهاية تعبيرات عن مكنون جوانى، وطالما أن الإنسان على قيد الحياة ولم تكتب الكلمة الأخيرة، فلا يمكن الحكم على نفسه، لأن من الممكن فى السنة الأخيرة من حياته أن يكتشف مبادىء جديدة ويقلع عن مسائل تمرس عليها لسنوات، ولهذا دائما يقولون العبرة بالخاتمة، كأن النفس تكشف عن باطنها من خلال الابتلاء والامتحان والاصطدام مع الآخرين. وعملية الكشف هذه تتم على أجزاء مثلما تربين البرعم المقفول.. كلما تفتحت فيه ورقة وجدت تحتها ورقة إلى أن تجدى الجنين فى الداخل، لم يعرف أحد نفسه أبدا، غير أن المخلصين عامة دائما فى طريقهم إلى معرفة نفوسهم.


● ولكن وفقا للإطار الشائع غالبا ما يدرك المرء نفسه فيما لو أدرك ما الذى يريده؟


هذا مخادع جدا... فلربما تريدين هذا الرجل وبعد الارتباط به بعام واحد يتحول شعورك إلى الضد، الإرادة خادعة ومتلونة، قد تحلمين بثروة حتى إذا حصلت عليها زهدت فيها. الإنسان أكثر قلقا وأكثر جوعا، وكلما شرب لا يرتوى.. يزداد عطشا، يتأكد له أن ما شرب منه ليس النبع الذى يبحث عنه ويتطلع إلى نبع جديد.


● إذا تطرقنا إلى الإشباع فى حياة مصطفى محمود.. هل تحس بأن الاشباع قد وصل إليك كاملا تاما مثاليا نموذجيا بالصورة التى تريدها؟


إطلاقا.. الإشباع الحقيقى الذى بحثت عنه لم أجده، ولكن إذا اعتبرت أن الإشباع إشباع بطن أو غرائز فهذا ليس سوى الغلاف الخارجى للإنسان ولا أسميه إشباعا. وكما قلت لك هناك أمور كلما أعطيتها ازدادت جوعا، مثل الجنس أو البطن أو الرغبة فى المال أو السلطة أو الحكم. ولهذا فإن أكثر الأمور شبعا هى الاتصال بالمدركات العالية وعودة الإنسان إلى وطنه أو حنينه إلى وطنه أو إحساسه بوطنه.


● ألا يمكن أن يكون الاتصال بالمدركات العليا هذه نوعا من هروب المرء من الحياة الروتينية العادية وعليه فهو يلجأ إلى المدركات العليا كملاذ يشعره بالتفوق على من حوله.. وبالتفرد بمواصفات معينة قد تشبع فيه حاسة الغرور؟


لا غير صحيح.. قد يطلب المرء المال.. الحكم.. السلطة.. المجد لإشباع غروره، قد يطلب امرأة لكى يقال عنه أنه محبوب من النساء ولإشباع غروره، ولكن هذا يختلف مع المدركات العليا، بل إن أول شرط لها أن تخلعى الغرور وتعتصمى بالزهد “ اخلع نعليك إنك بالوادى المقدس طوى”، خلع النعلين هنا خلع للروح والجسد وكل المشتهيات، ولهذا لا يمكن لأحد أن يدخل رحاب الله إلا ويخلع كل شىء. التجرد. يتساوى فى ذلك الباشا والسلطان والمهراجا، وعليه فذكر كلمة الغرور فى هذا المجال خطأ كبير، الغرور يرتبط بمتاع الحياة “وما متاع الدنيا إلا متاع الغرور”. وهذا يختلف فى المدركات العليا، معرفة الله تتطلب أن تتجردى من كل الألقاب.. تتجردين من النفس وموضوعاتها. بمعنى أن تتجردى من الدنيا. والتجرد هنا يجب أن يكون عن اقتناع وليس مجرد مظهر).


● ولكن ما زال الالتجاء إلى المدركات العليا يضفى الشعور بالتفوق والتفرد؟


بالعكس.. هو هنا لا يريد أن ينفرد أو يتفرد.


● إذن هواستنفاد طاقة لم تستنفد فى مجالات أخرى؟


أبدا.. هو إحساس بالباطل وإحساس بالحق، فى اللحظة التى تشعرين فيها أن كل غرورك هذا باطل وأن المسائل الدنيوية ليست سوى خداع للنفس وخداع للآخرين. هنا تخلعين الباطل وتريدين الحق وهو ما أسميه بالمدركات العالية باعتبارها الحقيقة التى لا حقيقة سواها، شريطة ألا يقدم عليها لغرض، لأنه إذا وجد الغرض انتفت..تبدأ فى اللحظة التى يشعر الإنسان فيها بأنه ناقص، وبأن الحياة كلها زيف، المسألة تبتدأ بإدراك تام من قبل الشخص بالخطأ.


يومها آثرت أن أترك للفنان الأديب المفكر مصطفى محمود وقته ليستمتع بحيوية الفنان ووعيه بذاته، وتتداعى لى كلماته تداعيا مطلقا.. الحياة الدنيا لعب ولهو.. مجرد متاع.. ساعة من نهار.. وهذا ليس من عندنا بل من عند الله خالق هذه الحياة.. فهى لا تساوى عند خالقها شيئا بالنسبة لعظمة الحياة وكمالها فى الآخرة. فالحياة بحق هى حياة الآخرة، وهى التى تحسب ويؤخذ لها ألف حساب، أما حكم الدنيا فهو أشبه بحكم بروفة مسرحية، فهى مهمة فقط من حيث ابتلاء الممثلين واختبار قدراتهم، فلا اعتبار لها فى النهاية وإنما الاعتبار للعرض النهائى على الجمهور.


رحم الله مصطفى محمود فيلسوف العصر العالم الأديب الفنان المتصوف المسكون بسر الكون والباحث عن طبيعة الأشياء وأسبابها، نموذج مبهر فى الفكر والعلم والبحث، العاشق للمبدأ الزاهد فى النفوذ والأضواء والثروة والجاه. لهذا حاز على احترام الجميع ونال النجومية عن جدارة......