مشروع للتعبير عن الذات فى درب ١٧ – ١٨: أهلا بكم فى كوكب المريخ!

02/11/2016 - 11:10:56

تقرير: دعاء رفعت

مشروع المريخ مساحة للتعبير عن نفسك وإحياء ذاتك كما تراها وبلا قيود, هكذا اجتمع ما يطلقون على أنفسهم: رواد فضاء المريخ من الشباب المصري القائمين على المشروع والمشاركين فيه، «حب عميق» يغمرك وأنت تشاهد بنات أفكار الآخرين وهي تسير بلا جاذبية في ساحة «درب” ١٧ ـ ١٨ “ فهناك زهور مصرية يتحدثون, يغنون, يتناقشون ويستمعون، الاستماع إلى الآخر، ثقافة يخلقها المريخيون من خلال عدة أسلاك صغيرة لـميكروفون يصل الأرواح والعقول الهائمة بسماء الخيال والفنون.


في قلب أهم المناطق التراثية العريقة بالقاهرة, منطقة مصر القديمة, وبالقرب من مسجد «عمرو بن العاص» و»الكنيسة المعلقة» حيث يتجانس القديم والمعاصر ليرسم لنا لوحة فنية تتمثل في بناء حديث يتوجه اللون الأبيض ويزينه عقل بشري مرسوم على واجهة الجدران, هناك البيت الثقافي «درب ١٧ ١٨» أحد المراكز التي تهتم بكل أنواع الفنون بشكل عام وبالفنون المعاصرة بشكل خاص, محاولة لخلق سبل جديدة تسمح بمشاركة الشباب على حد قول الفنان التشكيلي معتز نصر رئيس الدرب ومؤسسه، حيث أوضح أن الدرب فكرة قامت بعد أن أصبح للأفراد دور في مجال الثقافة في مصر...” حيث يستوعب مختلف الفنون والنشاطات الثقافية المعاصرة منذ نشأته عام ٢٠٠٨”, حيث يهتم بإقامة ورش لفنون الخيال وأخرى للفنون التراثية, مثل الفنون التشكيلية من نحت ورسم وفنون الإبداع من مسرح وغناء وموسيقى, علاوة على الاهتمام بالسينما للاطلاع على مختلف الثقافات, وتنظيم حفلات لكافة الفرق الموسيقية التي تعرف باسم «الأندر جراوند» مثل «أنتيكا» و»الكاستس» و»الجوكرز» و»مزيكا إكس السطح» وغيرها، والتي تجذب عددا كبيرا من الشباب, وفي الوقت نفسه يحمل على عاتقه الحفاظ على مهنة توارثتها الأجيال بحكم موقعه في حارة الفواخير القديمة أو كما يطلق عليها اسم «الجبل» ويقدم عددا من الورش لصناعة الفخار.


من أهم ما يقدمه درب ١٨١٧ مشروع «المريخ», أو ماما المريخ, الفكرة انطلقت عندما خرجت «مريم الأويسني» أو «ماما المريخ» عام ٢٠٠٩ إلى الميادين العامة تحمل فكرتها الصغيرة وميكروفونا وسماعة وبدأت في دعوة المارة ليتحدثوا عما يدور في دواخلهم, وهي دعوة للاستماع أكثر منها للحديث, الاستماع إلى الآخر واحترامه غاية عظيمة في معناها وربما أعظم من الفنون كافة, تخلق منا أشخاصا أسوياء يمكنهم تقدير الآخر وفهم ما يعانيه، كبرت فكرة» الأويسني « وأصبح لها جمهور صغير من جماهير الشارع العريضة واستلمت الراية «إيمان الشوربجي” إلى أن أصبح هذا الحدث الجميل يقام ثاني سبت من كل شهر في السابعة مساء بدعوة صغيرة من صفحة على موقع «الفيس بوك”، تحمل اسم «مشروع المريخ» ليذهب عشرات الشباب بكامل إرادتهم مع تأشيرة دخول ثمنها «الحب العميق».


كان على “المصور” أن تسافر إلى المريخ لتتعرف على أهله وطريقتهم في التعبير، حيث إن مشروع المريخ أصبح يستضيف كافة الأعمار من كافة الفئات, ومن المذهل أن القائمين الحاليين على المشروع هما «عبد الرحمن أحمد» ١٨ عاما و”أحمد محمد إبراهيم “ ٢١ عاما, بذور مصرية ترمى في أرض المريخ ليحصد الحضور موسيقى راقية وكلمة واعية وطاقة إيجابية رهيبة من إنتاج محبي المريخ, إنتاج مصري مائة بالمائة، هؤلاء ليسوا شبابا محاصرا بالقيود ولا يستعمرهم الشعور باليأس, بل إنهم يطلقون العنان لأنفسهم بأقل الإمكانيات ليصنعوا مناخا جديدا مبنيا على الاحترام والاستماع وخلق فرص جديدة للتعارف حتى إن أغلب المريخيين اليوم أصدقاء ويعملون على مشاريع فنية كبيرة.


وفور أن يصبح الزائر من أهل المريخ, عليه أن يصفق احتراما وتشجيعا لمن يمسك بالميكروفون, حيث يرى القائمون على المشروع أن لهذا المايك الصغير رهبة، كذلك الصعود على المسرح، بل من الممكن أن يستهين البعض بفكرة الحديث أمام الناس, لكن خلف هذا المايك هناك جزء من الشخص الذي قرر أن يصبح مريخيا، سوف ترفع عنه الستار ليكتشف ذاته من زاوية جديدة ويعي صعوبة أن يكون شخصا مسئولا عن كلماته أمام أشخاص جاءوا خصيصا للاستماع إليه, فهو ليس شخصا مشهورا أو متصدرا للصحف والجرائد ولكنهم يقدرونه وينصتون إلى ما يرغب في قوله حتى إن كان شيئا شخصيا, تلك ثقافة الاستماع على أرض المريخ.


يتبنى مشروع المريخ مواهب جميلة يسمح لهم بتقديم أنفسهم, هناك من يعزف الموسيقى, ومن يكتب القصائد, ومن الفنانين شاب مصري يؤدي فن «الهيب هوب» بكلمات هادفة بعيدة عن المهرجانات الصاخبة, ذو الفقار شمس ٢٧ عاما، يعيش في الإسكندرية ويسافر في كل أمسية مريخية إلى القاهرة ليشارك المريخيين يومهم الفني الملىء بالمواهب, “شمس” يعشق الموسيقى ويعزف منذ نعومة أظفاره ويكتب كل ما يؤديه في الأجواء المريخية والتي تعرف عليها عن طريق بعض الأصدقاء, بذور في أرض المريخ وشمس تسطع بأنماط موسيقية عديدة وأنهار من الأمنيات تجرى في قلوب هؤلاء المريخيين أصحاب الكوكب المزدهر بالحياة, وعندما تحدث «شمس» عن المريخ وصفه بأنه في طور الطفولة ومازال أمامه العديد من المراحل حتى يأتي بثماره, حيث يحاول المريخيون خلق جيل جديد يحمل راية الفن الهادف الذي يستطيع مخاطبة العقول الناشئة والدخول إلى أعماق دواخلهم وإقامة حوار يحاول النهوض بالمجتمع, “شمس” يحاول إحياء ما يعرف بـ”الصالونات الشعرية” وخلق جمهور من كل الأعمار يعيد بناء قصور الشعر مرة أخرى ليقيم المدن الفاضلة في آفاق الثقافة المصرية.


أمام الميكرفون وقفت «فرح» ١٦ عاما لتعبر عما بداخلها بقوة، فلاتزال نظرة الأجيال الأكبر عمرا لها تثير غضبها, هم يرون أنها أصغر من أن تدخل معهم في نقاش من منطلق أنها لا تعلم بعد معنى المسئولية, لكن «فرح» وقفت بشجاعة لتقول أمام الجميع إن: «المسئولية تصاحب كل منا منذ ولادته ..الكل مسئول ولديه أعباء شخصية بغض النظر عن حجمها..» هي ترى أنها مسئولة عن اكتمال شخصيتها بشكل صحيح, ومسئولة عن دراستها , لكل عمر مسئوليته حتى ولو كانت ضئيلة.


لذا فإن مشروع المريخ يتلاءم مع الصغار كما الكبار, عدد من الآباء والأمهات يصطحبون صغارهم أيضا الى كوكب الأطفال «المريخ الصغنن” كما يطلقون عليه, كمبادرة لتوفير تعليم موازٍ يشرف عليه مجموعة من أساتذة التربية الفنية لتعليم الأطفال وتعديل سلوكياتهم عن طريق الاشتراك في ورش فنية وإن كان أهم ما يقدمونه للأطفال هو المايك الصغير لكل من يمتلك الموهبة والشجاعة ويكون عمره من ٣ وحتى ١٤عاما, على أمل خلق مساحة للطفل كي يعبر عن نفسه أو مساعدته على أن يكون إيجابيا واجتماعيا.


ويحتضن كوكب المريخ أيضا منصة جديدة تسمى «نون للفنون» وهي عبارة عن ورشة عمل قائمة على الأشغال اليدوية بدأها «ذو الفقار شمس» وزوجته, تحارب النمط الاستهلاكي وتقدم بديلا حيا للاستيراد الفوضوي الناتج عن عدم ثقة المصري في المنتج المصري أو عدم تشجيعه بسبب غلاء أسعاره, المنصة تقدم أعمالا يدوية رائعة بأسعار منخفضة جدا كما أنها سوف تقيم ورش عمل للتعليم اليدوي لكافة الراغبين من رواد كوكب المريخ الشقيق, لذا نجد أن عددا كبيرا من سكان منطقة مصر القديمة يشاركون في مشاريع الدرب الفنية والثقافية, منها على سبيل مشروع “كنوز الزبالة” في عام ٢٠١٤ والذي أقام مناقشات لأهالي المنطقة لإعادة النظر في مفهوم الزبالة وإقامة ورش عمل للتدريب على عملية إعادة تدويرها تحت إشراف فنانين من إسبانيا, واليوم نري هناك معرضا يحمل عنوان «مستند نحت» أعمال ٥٠ فنانا مصريا من مختلف الأجيال والتوجهات ينسقه الفنان «عمر طوسون» يعرض مدى التنوع في فن النحت المصري, المعرض ليس الأول ولن يكون الأخير داخل درب ١٨١٧، خاصة أن أغلب أعمال الدرب التي قد لا تحظى بدعم رسمي من الدولة تنشط بدعم من الرواد.