تحت الصفر ..

02/11/2016 - 11:08:05

أحمد سعدة

فى «نص الليل».. تتهيأ القلوب للشكوى والبوح بما فيها، وترسل أوجاعها إلى السماء، بعد أن يئست من رحمة أهل الأرض.. «المصور» تحاول أن تشارك قراءها هذه الآلام وتلك الاعترافات وتقدم لها الحلول


جئتُ إلى القاهرة هاربة من الصعيد منذ أربع سنوات بلا بطاقة شخصية أو شهادة، لأبدأ حياتى من الصفر.


والدى توفى وعمرى سنة.. وأمى تَزَوَّجَت من آخر وأنا فى السابعة، بعد أن كتبت كل ما تمتلكه باسمي.. وعشتُ مع خالى وزوجته اللذين لم يُرزَقَا بأطفال.. وتَكَفَّلَت أمى بكل نفقاتى.. وذُقت مع خالى لمُدة ست سنوات حنان الأُبُوَّة الذى حُرِمت منه.


وفى يومٍ أسود أتذكره وكأنه الأمس، أخذنى أعمامى من بيت خالى بالقوة.. ونَشَبَت بين جميعهم مشاجرة بالسلاح، أصيبت فيها أمى بطلق نارى فى رُكبتها تسبب فى إعاقتها مدى الحياة.. وبَقيت أنا فى بيت أعمامى مع جدتى رغمًا عن الجميع.


وهناك، عانيت فترة مُرعِبة من الحصار وسوء المعاملة.. إن ميراث أبى كان كبيرًا للدرجة التى دفعت أعمامى للتحفظ على عندهم.. أعمامى مُتَزِوجُون، باستثناء العم الأصغر الذى يكبرنى بعامين.. ويسكنُون فى الأدوار العليا من نفس البيت، بينما أسكن أنا وجدَّتِى وعمى الأصغر فى الدور الأرضى.


عمى الأصغر حاول أكثر من مرة التهجم عليَّ، محاولًا اغتصابي.. وحينما صرخت وتَجَمَّع الأعمام حولي، اتهمونى بالافتراء عليه.. وضربونى وصعقونى بالكهرباء.


ولما بَلَغت السادسة عشرة، استخرجوا لى بطاقة شخصية.. وأجبرونى على التوقيع والتنازل لهم عن نصيبى من ميراث أبى وكل ما أملك، بما فى ذلك حتى ما كتبته أمى باسمي.


أيام صعبة، وليالٍ عشتُ فيها مرعوبة داخل حجرتى بلا إغفاءة عين.. وحينما عرفت أن أعمامى عقدُوا النِيَّة على تزوِيجى رغمًا عنى هربت من البيت.. ووجدت نفسى فى القطار وحيدة مُتَجِهَة إلى القاهرة.. وفى هذا البلد المُزدَحِم لم أعرف إلى أين أذهب، ونمت بداخل مسجد.. ومنه إلى إحدى الجمعيات الخيرية بمنطقة حلوان.


وجاء أعمامى بعد ثلاثة أيام بالسلاح فى ثلاث سيارات.. وخَيَّرُوا مديرة الجمعية بين تسليمي، أو غَربَلة المبنى بمن فيه بالرصاص.. وفى طريقنا للصعيد تعاملوا معى بلطافة مصطنعة، وشكولاتة وآيس كريم إلى أن وصلنا البيت.. وبعدها عَانيت كل أصناف العذاب بداية من الصعق بالكهرباء وانتهاء بخلع شعرى بيد أحدهم.. ولليوم أُعانِى ألمًا فى رأسى بسبب ما حدث.


إن هرُوبى كان بمثابة فضيحة لهم، تجاوزوها بإحضارى للبيت.. وهربت ثانية بعدما تَأَكَّدْت من نيتهم على تزويجي.. وهذه المرة تَخَلَّصْت من هاتفى ومن كل شيء قد يُساعدهم فى تَتَبُّعِي.. وانتهى بى الحال فى دار لاستضافة المرأة المُهَمَّشة تابعة لوزارة التضامن الاجتماعى بحى السادس من أكتوبر.


وحَاوَلَت مديرة الدار إقناعى بالعودة للصعيد.. وأن العذاب هناك سيكون أهون من العذابات هنا.. قلتُ لها سأبدأ من الصفر.. قالت: أنتِ حتى لا تملكين الصفر الذى تبدئين منه.. أنتِ تحت الصفر.


إن الناس أصبحوا كالوحوش، أو أكثر ضراوة منهم.. فهذا طبيب عَمِلت فى عيادته لشهور، ولم يمنحنى جنيهًا واحدًا.. وهذا بيت خدمتُ فيه، وتعرضت لمحاولة اعتداء من شابٍ مُراهق، وهدَّدَنى أهله بتلفيق تهمة سرقة وإيداعى السجن.


وبعد سنتين من المحاولات نجحت فى استخراج بطاقة شخصية بمساعدة ضابط شرطة تعاطف مع دموعي.. كنت سعيدة جدا بها، ومسكتها بيدى وتأملتها.. إنه أنا.. إنه اسمي.. لقد كنت سعيدة كما لو أننى أمسك فى يدى عقد شاليه فى جزيرة أوربية.


وتبددت كل السعادة حينما قلبت البطاقة على ظهرها ووجدت فيها أننى متزوجة من شخص لا أعرفه.. لقد فعلوها أعمامى وزوجونى فى غيابي.. ولكى أتَخَلُّص من هذا الزواج لا بُد أن أُحضر أصل شهادة الزواج من محكمة بلدتنا بالصعيد.. وهذا فى حُكم المستحيل، بعد أن أشاع أعمامى لأهل البلدة أنهم قَتَلُونى للتَخَلُّص من عاري.. وأى ظهور لى فى الصعيد، أو لأى وكيل عنى بمثابة خطورة قد تتحول معها الإشاعة إلى حقيقة دموية.


أمى لا أعلم شيئًا عنها.. وكل ما أرجوه من الدنيا أن أسمع صوتها فى الهاتف.. وحتى الدار مُهددة بالغلق، بعد تَوَقُّف الدعم.. ومديرة الدار تُريد استبدال مشروع استضافة المهمشات إلى مشروع تزويجهن لأثرياء عرب مقابل مبالغ من المال.


لقد يَئِسْت من كل شيء، وأقف كالتائهة فى هذه الدنيا التى تزيد من قسوتها يومًا بعد الآخر.. وأضع حكايتى بين يديك، عسى أن أجد لديكَ مخرجًا.


الـــــــــــــــــــــــــــــــرد


لكلٍ فى الدنيا هَمه، ونصيبه من الشقاء والتعب.. وكلنا نعيش الحياة بحظوظ متقاربة، رغم ما قد يبدو من تفاوت المستويات.. وما أنتِ فيه الآن من متاعب لا ينبغى أن يقُودك بالضرورة لليأس ونفاد الصبر، بل يجب أن يكون دافعًا للعمل وإثبات الذات.


إن المأساة الحقيقية هى أن يفقد الإنسان إيمانه بنفسه وقدراته.. وانهيار عزيمتك، سيكون نتيجته البَشعة تَحَوُّلك لفتاة شارع متسولة، أو فتاة ليل عاهرة.


إن السباحة ضد تيار ظروفك ممكنة.. بشرط استعدادك للتصالح والتعايش مع الواقع الجديد لفتاة تبدأ حياتها من تحت الصفر.


أنتِ بحاجة لعمل جاد يصنع منكِ إنسانًا جديدًا، ويُحقق لكِ ذاتك، ويُساعدك على مواجهة أعباء الحياة.. والإنسان فى دوَّامة العمل ينسى شقاءه.. بل ينسى حتى تفكيره فى الراحة.. وتلك فى الواقع هى منتهى الراحة.


وأنت مطالبة باستخراج وثائق من شهاداتك يسهُل بعدها التَخَلُّص من الزوج الذى تم تلفيقه إليكِ.. ومراكز حقوق المرأة كفيلة بِتَوَلِّى هذه المهمة الصعبة بالمجان.


وفى ظل أوضاعك الراهنة، ستضيق فرصك فى زواجٍ طبيعى متكافئ.. ومن الأفضل نسيان فكرة الزواج فى الوقت الحالي، إلى أن يأتى الوقت المُناسب.


وهذا الوقت حينما يكون لديكِ مركز ووظيفة وسكن خاص وقُدرة على تجهيز نفسك.. وقتها فقط ستملُكِين قرارك.


إن مشوارك الآن قد بدأ للتو.. وإنه حقًا لمشوار صعب.!