تنفرد «المصور» بنشر وثيقة عظيمة الشأن: من الزعيم الوطنى مصطفى كامل إلى الخديو عباس حلمى الثانى

02/11/2016 - 11:04:46

بقلم : عادل عبد الصمد

نشر فى مجلة (كل شىء والعالم) بتاريخ الاثنين ٦ فبراير ١٩٢٨ الصادرة عن دار الهلال وثيقة تاريخية بخط يد الزعيم الوطنى مصطفى كامل إلى الخديو عباس حلمى الثانى بتاريخ ١٨٩٥ بواسطة عبد الرحيم بك الذى كان عقد الصلة بين الطرفين، وفيها بيانات واقتراحات جليلة الشأن وهنا ننشرها بنصها.


ومن المعروف أن الخديو عباس حلمى الثانى قد اصطدم فى بداية توليه الحكم باللورد كرومر فى سلسلة من الأحداث كان أهمها أزمة وزارة مصطفى فهمى عام ١٨٩٣ وتوترت العلاقات إلى حد خطير فى حادثة الحدود وكان عباس يرى أن الاحتلال لا يستند إلى سند شرعى، ومن هنا ارتبط مصطفى كامل بالخديو حيث جمعهما رفضهما للاحتلال. وإلى نص الوثيقة:


إن الثقة العالية التى جعلتمونى محلها بموافقة سموكم على سفرى إلى أوربا للدفاع عن حقوق أمتى وبلادى زادت كثيرا من نشاطى فى تأدية ذلك الواجب المقدس، وفرضت علىّ أن أحيط علم مولاى بكل ماهو جار فى أوربا بشأن مصر وبكل ما من شأنه خدمة الأمير المحبوب والوطن العزيز ولما كانت المدة التى قضيتها إلى الآن كافية لأن أقف فيها على حقائق الأشياء وأعرف النافع من الضار رأيت من الواجب علىّ أن أرفع لسموكم هذا التقرير تبيانا لحقيقة الحالة الحاضرة وللمسائل التى أظنها تمهد سبيل الجلاء فأقول:


اشتغل الرأى العام الأوربى بمسألة مصر هذا العام أكثر كثيرا من اشتغاله بها فى الأعوام السابقة وزاد هذا الاشتغال فى يوم أن توطدت العلائق بين دولتى الروسيا وفرنسا، إذ علم كل إنسان أن رأيهما واحد فى مسألة مصر وهو تحرير بلادنا وردها إلى نفسها وكانت نتيجة هذا الاشتغال أن تنبأ بعض الكتاب والمشتغلين بالسياسة بأن الشتاء الآتى سيكون آخر شتاء للجنود الإنكليزية فى وادى النيل وأنى لا أستطيع القطع بذلك وإن كنت آمله وأتمناه من صميم فؤادى، كما يتمناه كل مصرى صادق للأمير والأوطان، وليس الاشتغال بمسألة مصر مقصورا فقط على فرنسا والروسيا بل هو حاصل أيضا فى ألمانيا.


فقد علمت من كل الألمانيين الذين تعرفت بهم فى باريس وأغلبهم من مراسلى الجرائد الألمانية الخطيرة، أن رجال السياسة فى برلين يتساءلون عما إذا كانت ألمانيا تنضم إلى الروسيا وفرنسا فى هذا الأمر أم لا... وهم -على ما علمت- منقسمون فى الرأى أى منهم من يظن أن الإمبراطور الألمانى لا يستطيع مخالفة جلالة القيصر إذا طلب منه الاتفاق مع فرنسا فى هذه المسألة الخطيرة، كما كان ذلك فى مسألة الصين واليابان ومنهم من يقول ببقاء ألمانيا على الحياد فى مسألة مصر وتحقق أى رأى من الرأيين لا يضر بنا وإن يكن الأول أصلح لنا وأوفق وقد كنت متخوفا كثيرا من اتحاد ألمانيا مع إنكلترا ولكنى متحقق اليوم من أن كل أمانى ألمانيا متعلقة بالتقرب من الروسيا وأن إمبراطور ألمانيا قل ما لا يرضى قيصر الروسيا.


كل ذلك مما يبشر بتحقيق آمالنا ويشير إلى قرب انفراج الأزمة المصرية ولكن لابد لنا من ناموس نتبعه فى سياستنا تلقاء هذه الحوادث والأحوال السارة وأحسن ناموس يوصلنا إلى المراد ينحصر على ما أرى فى الأمور الآتية:


أولا: نسعى فى تقوية تيار الحركة الحاصلة فى أوربا، وذلك لا يكون إلا باتباع طريق واحد لايتغير وهو طريق التحبب إلى كل السياسيين وملاحظة أرباب الصحف والكتابة والخطابة ونشر الرسائل المفيدة لمصر ولا أخال مولاى إلا موافقا على هذا الأمر..


ولقد افتكر البعض أن وجود لجنة فرنسية فى باريس تشتغل بأمر مصر كاف للقيام بهذا الغرض وأن لا لزوم لوجودى فى أوربا فما أظن مولاى لا يوافق عليه أبدا لأن مقابلتى للناس هنا وتفهيمى لهم حقائق الأشياء والأمور الجارية فى مصر ومطالبتى بحقوق مصر بصفتى من أبنائها يحدث تأثيرا أكبر كثيرا من التأثير الذى يحدثه أبلغ الفرنسيين وأكتبهم إذا تكلم وكتب على مصر فضلا عن أنى لست مشتغلا بغير هذه المسألة وأتعرف كل يوم بأناس مختلفين روسيين كانوا أم ألمانيين أو فرنسيين. . ومهما كان الفرنسى صادقا فى خدمته لنا فلا يتصور العقل أن يكون كمصرى يتألم بآلام أمته ويحزن لحزنها ويفرح لفرحها.


وأنى فى هذا المقام استلفت أنظار مولاى إلى أمر خطير وهو أن الإنكليز يشيعون فى مصر على لسان صنائعهم أنى مرسل من قبل سموكم إلى أوربا ويكثرون من هذه الشائعات ليتوهم رجال المعيةعند سماعها أن وجودى هنا خطر على شخص سموكم وأن الأولى رجوعى ثانية إلى مصر فيحققوا بذلك رغائب الإنكليز وهى سياسة عجيبة من أبناء التايمز ولكن أرى أن رجوعى إلى مصر إثبات لما يظنه الإنكليز ويشيعونه من أننى مرسل من قبل سموكم فضلا عن أن يعد ذلك فشلا لسياستنا ونصرا وفلاحا لسياسة أعدائنا ولذا فإن وطنى وحبى للأمير يقضيان على أن أرفض رفضا قطعيا العودة إلى مصر مادام الإنكليز فيها


ثانيا: استخدام كل الأجناس دون أن نفوض لأى أجنبى كان أمرنا ونستودعه أسرارنا لأن الأوربى مهما بدت عليه دلائل الصدق والإخلاص لسدة الأمير ولمصر فهو لا يبحث إلا عن منفعته الخاصة فإن عرف أمورنا وآراءنا ورأى فى إفشائها لأعدائنا منفعة له لا يتأخر لحظة واحدة عن إفشائها وإن كان يعلم أن ذلك الإفشاء يضر بنا. . فضلا عن تولى أى أوربى أمر سياستنا فى أوربا من أضر الأمور علينا لأننا لو احتجنا مثلا لاستخدام جريدة من الجرائد وكان استخدامها بواسطته علم منه صاحب الجريدة بالطبع أن الأمير -حفظه الله - هو الذى يمد ويساعد ولا يخفى ما فى ذلك من الضرر ومن ازدياد طمع الطامعين الذين لا يريدون خدمتنا إلا بمقابل


أما إذا تكرم مولاى وزاد لى من ثقته ووكل إلى ما تقضى به الحالة فإن الأمر يكون سهلا كثير النفع عديم الضرر لأن كل الناس تعلم فى أوربا أنى أعمل باسم جمعية مصرية وطنية وأنها تساعدنى وتمدنى


ثالثا: التحبب لألمانيا والتقرب منها بكل الوسائل الممكنة وأرى التقرب منها سهلا جدا وإذا استحسن مولاى -حفظه الله - فى استخدام جريدتين أو ثلاث ألمانية ثم زيادة عن ذلك بدعوة أولاد الإمبراطور غليوم إلى زيارة مصر فى فصل الشتاء دعوة ودية بواسطة قنصل ألمانيا الجنرال، فإن هذا الأمر يقابله الإمبراطور بكل ارتياح وانشراح أولا لكونه صادرا من سموكم وثانيا لأن إمبراطور ألمانيا يحب شهرة اسمه واسم عائلته فى الشرق ودعوة كهذه تستميله.


ولا شك لنصرة مصر خصوصا إذا عاد أولاده من مصر ومعهم الهدايا الشرقية النفيسة التى يهديها لهم سموكم وأرى أن هذه تفيدنا جدا ولا تضرنا أبدا فإنها تدعو الجرائد الألمانية للكلام عن مصر وعن أحوالها ويكون نتيجة مجىء أنجال الإمبراطور إلى مصر إرسال محررين من الجرائد خلفهم يتبعون خطواتهم خطوة خطوة ولا يخفى ما فى ذلك من الفائدة وإن وافق سموكم هذا الرأى أرى أن الدعوة تكون بكتاب من خط سموكم إلى الإمبراطور يرسل على يد قنصله الجنرال


رابعا: استخدام بعض الجرائد الأوربية الخطيرة من فرنسا وألمانيا وروسيا وأرى أنه يكفى من فرنسا استخدام جريدتين ومن روسيا كذلك ومن ألمانيا ثلاث على الأقل ويسير استخدام كل هذه الجرائد لما لى من الروابط مع رجال التحرير فى فرنسا ومع كثير من الكتاب الروسيين والألمانيين ( فضلا عن أنى عازم على زيارة برلين فى شهر أكتوبر القادم إن شاء الله تعالى ) وأرى أن مبلغ ٧٠٠ جنيه يكفى لاستخدام أهم جريدة مدة عام كامل واستخدام كل هذه الجرائد يكون دائما باسم جمعية مصرية وطنية وأرى أنه مع استخدام بعض الجرائد الخطيرة يجب استخدام بعض أفراد من كتاب أسرار الجرائد الأخرى فإن بيدهم إدارة شئون الجرائد الموظفون بها ويكفى مبلغ زهيد لإرضائهم وربما كفت هدية حسنة وهذا أمر يتعلق بالطباع والأميال


وقد كنت افتكرت أنى أخدم خدمة جليلة إذا نشرت جريدة أسبوعية هنا وقدمت فى كتاباتى لسموكم أنها تتكلف نحو الألف والخمسمائة جنيه سنويا ولكنى عدلت الآن عن هذا الرأى وأرى الأوفق استخدام هذا المبلغ ومثله فى استخدام بعض جرائد مهمة وسهل على إذ ذاك أن أكتب أسبوعيا مقالة فى إحدى الجرائد الفرنسية وأنا على ثقة من أنها تؤثر كتأثير جريدة يصدرها مصرى فى أوربا


هذه هى الآراء التى أرى فى تنفيذها تمهيدا لسبيل الجلاء ولما كانت السياسة الإنكليزية مبنية على قاعدة ( استعمال كل وسيلة للوصول إلى الغاية محمودة كانت أو مذمومة ) وجب علينا أن نحاربهم بنفس ساستهم ونجعل هذا المبدأ مبدأنا ونبذل كل ما فى وسعنا لنوال مرادنا


أما مسألة إرسال وفد إلى أوربا فأرى أن هذه المسألة يلزم تأجيلها إلى آخر الشتاء حتى نعلم ماذا سيكون وربما غيرت الحوادث اعتقادنا فى كثير من الأمور المهمة ولقد قال لى من نحو شهرين رجال السياسة الفرنسية أن مجىء وفد مصرى يفيد كثيرا وأراهم يقولون لى اليوم أن الأولى تأخيره إلى آخر الشتاء حتى تعلم مجرى سياسة سالسبورى كذلك الأمر بالنسبة لسياحة سموكم فى أوربا فإن الرغبة فيها تقوى أو تضعف حسب الحوادث فلتنتظر هذا الشتاء


وقبل أن اختم تقريرى استلفت أنظار سموكم إلى أمر استرجاع السودان المصرى فإنى علمت من أوثق المصادر السياسية أن الإنكليز لما أحسوا بأن الرأى العام الأوربى يطالب بالجلاء وأن فرنسا وروسيا ربما طالبا به فى أول فصل الشتاء عزموا على إحداث القلاقل فى السودان حتى تدعو الحالة لإرسال تجريدة حربية مما يمنع تحقيق الجلاء مدة أعوام ، فهم الإنكليز جعلوا السودان مستودع سياستهم يخرجون منه القلاقل متى اقتضت الأحوال وأحسن تقرير يقرره سموكم ومجلس الشورى هو جعل القوة العسكرية المقيمة فى سواكن ووادى حلفا قوة دفاعية لا هجومية كما كانت من أول الاحتلال وكما أشار بذلك دائما اللورد كرومر عملت حكومته تنفيذا لأغراضه فى تقريراته السنوية وسأنبه الأفكار هنا بعد قليل إلى هذه المسألة الخطيرة حتى لا يفلح الإنكليز فى تحقيق نواياهم السيئة


هذا ما أردت رفعه لسموكم وأنى أقبل فى الختام الأعتاب الشريفة وأسأل الله حفظ ذاتكم أبد الآبدين وتحقيق الأمانى والآمال إنه سميع مجيب


باريس فى ١٩ سبتمبر سنة ١٨٩٥


التابع الأمين والمصرى الصادق


مصطفى كامل