الهلال يناير 1955 مشاكل المرأة المسلمة

02/11/2016 - 11:00:58

بقلم - أمينة السعيد

من المتعذر علينا أن نتتبع أحوال المرأة المسلمة ، وندرس مشاكلها ومتاعبها دراسة وافية ، وذلك لأن المسلمين ليسوا وحدة تحصرها حدود إقليمية معينة، إنما هم شعوب متفرقة فى مختلف بقاع العالم، ومئات الملايين منهم يعيشون بعيدا عنا فى روسيا والصين ونيجيريا والسودان والفلبين وألبانيا وتركيا وايران وأفغانستان وشرق إفريقيا وغربها


وهذه الشعوب المتفرقة البعيدة تتفق فى العقيدة الدينية، ولكنها تختلف تمام الاختلاف فى الثقافة والجنس والعادات والتقاليد، وبعضها يخضع لأوضاع سياسية خاصة لا تمكننا من تتبع أحوالهم وأخبارهم وقد تكون المسلمة فى هذه الشعوب متقدمة، أو تكون متأخرة، ولكننا فى الحالتين نجهل كثيرا من أمورها والقليل الذى نعرفه يتغير بتغير الظروف الاجتماعية والسياسية والجغرافية، مما يحول دون التجانس الذى هو سبيلنا إلى توحيد الأمور، وردها إلى أصول مشتركة ولكننا نستطيع أن نصل إلى بعض ما نبتغيه بدراسة أحوال المرأة فى البلاد العربية .. ففى هذه البلاد التى تؤلف بقعة صغيرة من الدنيا، يتوافر التجانس المطلوب ، والاختلافات القائمة بين شعوبها شكلية لا موضوعية.


ومن المؤكد أن النساء فيها يخضعن لأوضاع متماثلة، ويعانين متاعب متشابهة قد تخف وطأتها فى مكان، وتشتد فى مكان آخر، ولكن هذه الفروق لا تؤثر كثيرا فى صلب الأمة العربية


واذا أردنا الحق، فلا مفر من الاعتراف بعجز المرأة العربية المسلمة وضآلة نصيبها من التحضر الصحيح فهى كما نراها فى مختلف البلاد بعيدة عما ينبغى أن تكون عليه المواطنة الصالحة المنتجة . وليس من العدل أن نلوم الدين على ذلك ، فقد حقق الإسلام للمرأة مكانة فاضلة، فاعترف لها بكيان إنسانى مستقل ومنحها قسطا متساويا من الحقوق والواجبات، وأعطاها استقلالا اقتصاديا تغذيه حرية كاملة فى التعليم والعمل والتعامل.. إلى غير ذلك من الميزات ، التى لم تعرفها المرأة الغربية إلا فى النصف الأخير من القرن التاسع عشر


وقد أثمرت هذه المكانة ثمراتها فى العهود الذهبية للإسلام، فكان للمرأة شأن اجتماعى مرموق، ثم تسلل الفساد إلى الإمبراطورية الإسلامية، وتبعه الضعف والجهل والفقر ، فتدهورت عقلية الشعوب ، وساء فهمها وتفسيرها لتعاليم الدين، والمرأة كما نعلم جزء لا يتجزأ من صميم الأمة التى تعيش فيها والتطورات تشملها مثلما تشمل الرجال، فكان من أثر ما أصاب المسلمين جميعا ، أن انحطت مكانة النساء، ونزلن عن عروشهن إلى الحضيض


وقد سجل الوعى الذى اجتاح العالم العربى فى بحر السنوات الثلاثين الأخيرة ، بداية طيبة لنهضة جديدة ففتحت المدارس للبنات ، وتعلم منهن عدد وفير، أغلبية ساحقة مازالت إلى اليوم تتمرغ فى أحضان الجهل والتأخر. وهذه الأغلبية الجاهلة لعنة على العالم الإسلامى، فالمرأة ليست مجرد مخلوق مستقل بذاته ، إنما هى مواطنة وزوجة وأم ، ولها فى الحياة الاجتماعية دور خطير ، إذا عجزن عن أدائه اختل توازن الأسرة التى يتألف الشعب من مجموعها ، وفى اختلال توازنها تعقيد للحياة كلها


والمرأة العربية بجهلها الواضح عاجزة تمام العجز عن القيام بدورها الطبيعى،فلاهى تستطيع أن تكون لزوجها سندا قويا تمده بالفكرة المفيدة، وتشجعه على الجهاد والتقدم وتحفزه إلى احتمال المشاق فى سبيل غاية أفضل .. ولا هى أيضا تستطيع أن تعطى الوطن رجالا صالحين ، لأن قدرتها على تنشئة أولادها قاصرة، وفهمها لأصول التربية محدود، وإلمامها بالمثل والمبادئ ضعيف هزيل ، وقد أيقظ الوعى العربية المسلمة من سباتها ونبهها إلى ضرورة تحسين أحوالها ،فأصبحت متحمسة لأداء دورها كما ينبغى ، ولكن هذه الحماسة تصطدم دائما بالجهل، فلا تسفر عن نتائج مذكورة ، وستظل الشعوب الإسلامية متخلفة عن ركب الحضارة، حتى يتعلم نساؤها، وتنقشع غشاوة الجهل عن أبصارهن وقلوبهن


والوعى النسائى فى حد ذاته نعمة جزيلة، وكثير من الشعوب استفادت به فى تحسين أحوالها ، ولكن الأمم الاسلامية لم تتمكن من ذلك ، لأن نساءها محرومات من عامل الاستقرار الضرورى فى تحقيق التفرغ للإنتاج السليم ..


ومرجع العلة فى قلق المرأة المسلمة إلى القوانين التشريعية القائمة، التى تهدد حياتها بالأخطار وتشعرها كأنها تعيش على كف عفريت، وتجعلها فى رعب دائم من أن تفقد بيتها وزوجها وأولادها بلا مبرر. وهذا القلق يستحوذ على تفكير النساء، ويحصر اهتمامهن فى موضع الخطر دون غيره ، وبذلك يصرفهن عن المساهمة فى الجهود الإنتاجية ذات الأثر الملموس فى نهضات الشعوب


وسواء أكانت هذه القوانين التشريعية مطابقة لروح الدين أو مخالفة، فقد أصبحت غير ملائمة لروح العصر الحديث ، وبقاؤها مضيعة لأى جهود تبذل فى ترقية الشعوب الإسلامية . ولست أرى أملا يرتجى قبل أن تتغير هذه القوانين التشريعية، حتى تتمشى الحياة مع دواعى المدنية الصحيحة، فإن قوانين الإرث والطلاق والنفقة والحضانة وتعدد الزوجات وبيت الطاعة، تهدر كرامة المرأة أدبيا واجتماعيا واقتصاديا ، وتحول بينها وبين شعورها بأنها إنسانة كاملة


ومن العبث أن نتوقع خيرا من المرأة المسلمة ، قبل أن نقضى على متاعبها التشريعية كلها ، فنعادل بينها وبين الذكر فى الميراث ، ونسلب الرجل حقه فى العبث بقداسة الحياة الزوجية


ونعود إلى الأقلية المتعلمة من نساء المسلمين، فنجد أنهن يتمتعن بحياة أفضل ، ويقمن بجهود أكرم، ويساهمن مثلما يساهم الرجل فى بناء النهضة الجديدة ، ولكن أثرهن من ذلك ضعيف، وذلك لأن المتعلمة المسلمة محرومة من نعمة الثقة بالنفس ، فقد ساءت إليها الأوضاع الاجتماعية المختلة على مضى القرون وأصابتها عهود الذلة الطويلة بداء مركب النقص . ويتمثل لنا مرضها النفسى فى حياء شديد يعوقها عن شق طريقها إلى آفاق جديدة جريئة هذا إلى جبنها البالغ أمام ثورة الرأى العام ، وترددها فى تحمل المسئوليات وضعفها فى منازلة الشدائد والعقبات وهذه ليست عيوبا ثانوية ، فتوافر الثقة بالنفس أكبر حافز إلى الجهاد والكفاح ، وأقوى دافع إلى الإتقان والإبداع ، وأهم عامل فى تأكيد الاطمئنان إلى بلوغ المراد والمسلمة مع الأسف محرومة من الشخصية المميزة لها ، وهى خليط عجيب من الشرقية والغربية ، ولكنه خليط لا يصطبغ بصفة خاصة .


والسبب فى ذلك أنها تمر بفترة انتقال خطيرة ، يتصارع فيها الجديد مع القديم ، ولم تكتب الغلبة لأحدهما بعد ، فالمدنية الحديثة التى أتتنا من الغرب ، زحفت بسرعة على أصول التقاليد العتيقة المتوارثة ، فأتت على بعضها ، ولكنها لم تفلح فى القضاء عليها كلها ، ومحو آثارها من الأذهان وبين القديم والجديد ، تقف المسلمة المتعلمة حائرة ، لا تستطيع أن تنسى ما كانت عليه أمها منذ عهد قريب ، ولا تستطيع أيضا أن تندمج فى حياتها الجديدة اندماجا كليا . وهذه الحيرة تحول بينها وبين بناء شخصية مفردة تميزها عن غيرها فى الشعوب الأخرى وكذلك تخلط عليها تفكيرها وتشعبه فى طرق مختلفة . ولكنها حيرة مؤقتة على كل حال ، ولما تنتهى فترة التطور بتفاعلاتها العنيفة ، سيستقر أمر المرأة على شخصية مستقلة ، تميزها بخصائص واضحة تعرف بها بين نساء العالم أجمع .